إبراهيم يوسف - حتى النفس الأخير

مُذْ أفاقَ من غفوتِه ذاتَ صباح؟
ينطلقُ مُؤَذناً
معلنا على الملأ
مع أولى خيوطِ الفجر ولادةَ يومٍ جديد

"ديونيزيوس" إله النشوة والعربدة في اليونان القديمة، يبيت لياليه في مخدع "أفروديت" إلهة الحب والخصوبة، "والبغاء المقدس"..! أجمل من رأتها العيون، وخفقت لصورتها قلوب الكائنات على مرّ العصور.

حارسُه وأمين سرّه يدقّ عليه الباب، لينذرَه مع أولى خيوط الفجر، لكي لا يدركَه نورُ الصباح وينكشفَ أمره للبشر الفانين. لكنه تلك الليلة كان تعِباً أخذتْه غفوةٌ فنام وانفضحَ أمرُ العاشِقَيْن، حينما أدركتهما شمس الصباح وهما عن حالهما لاهيان. هكذا انتقم الإله من الحارس الطائش، ومسخه ديكاً يؤذن ويشهدُ على طلوع الفجر.

والصباح لم يكن مرهونا بالصياح. لكن ديكا في الزّمان كان كإخوانه يشهد على طلوع الفجر؛ فيعتلي قمامة الحيّ وينادي دجاجَهُ يُخَرِّبُ حقول الجيران ويتسلط على الأرزاق. وصاحب المزرعة الحريص على ثروته من البيض والدجاج، تناهى إلى سمعه خفوتُ صياح الديك، وقد تقدّمت به السن ولم يعدْ يستجيب لرغبة الدجاجات.

فاشترى ديكا آخر؛ والديكُ الشاب الذي اشتراهُ المزارع؟ أثارَ حفيظةَ الديكِ الأساس وحَرَّكَ الغيرةَ في قلبِه، لأنه تَعَوَّدَ أن يستأثر وحده بالدجاجات، ولم يقتنع بعد بمرور الزمن وانقضاء الشباب. طارَ صوابُ الديكِ العجوز من الوافدِ الغريب، ولكنه كان يكابر ويكذب حتى أعياه الصبر والقدرة على الاحتمال؛ فاستدرجه للمبارزة والنزال.

في صراعٍ مميت تَخَضَّبَ بالدماء نُصْرَةً للحق أو الباطل.. لا فرق، تعاركا على المكاسب والنفوذ. طالت المعركة واحتدمت بين الجانبين، والديك العجوز يستميت في الدفاع حتى النفس الأخير؛ عن حقه المُغتصب السليب.

وحينما تَوَقّفَ الكرُّ والفرّ بين الطرفين، وانتهى الهجوم الشرس والدفاع الضعيف؟ أسفرت المعركة على مرأى من دجاجات الحيّ عن انتصار الدِّيكِ الغريب؛ فانسحب الديك المهزوم العجوز وهو يسترجع أنفاسه المقطوعة، وينزوي مهانا جريحا في زاويةٍ من زوايا خمٍّ قديم. بينما راحَ الديك المنتصر الجديد ينفشُ ريشَه، ويمشي على رؤوس أصابعِه مزهواً مُنْتَشياً من التِّيه. تسَلّقَ مَزْبَلةً الشرفِ الرفيع، وراحَ يتطلعُ باعتزازٍ إلى رعاياهُ الدجاج.

من على المَزبلة راحَ الديكُ المُظفّر، يعلنُ انتصاره بصياحِ المستبدِّ القادر اللئيم. علا صياحُه حتى بلغ مسامع عُقابٍ يحومُ في سماء البلاد، فانقضَّ الطائرُ الكاسر؛ وحملَ الديكَ المنتشي بين مخالبه.. وعاد يحلق في الفضاء.

تعليقات

مولاي عمر بن مولاي

بل الشكر لك على مرورك الطيب، وتفضلك بالتعقيب على الموضوع. بالتعليق أكون قد استوفيت حقي، ونلت على يديك أجري.. هذا عنوان بريدي.. أما الرابط الآخر؟ فيحملك إلى موقعي على الشبكة العنكبوتية:

[email protected]
حتى النّفسِ الأخير – Arrawafed
 
أعلى