أحمد صبحى منصور - المؤرخ القاضي ابن حجر العسقلانى الذى كان من أكابر المجرمين المفسدين ( 1 من 2 )

الباب التمهيدى : عن الدولة المملوكية ومؤرخيها وما قبل السلطان برسباى

الفصل الثانى :( مؤرخو عصر برسباى )

ملاحظة
1 ـ هذا الفصل يمكن أن يكون أساسا لبحث الدكتوراة لأى باحث مجتهد ، يمكنه أن يبنى على هذا الفصل في عقد مقارنة بين المؤرخين الثلاثة في السنوات التي قاموا بالتأريخ لها من واقع المشاهدة والمعاصرة . وقد يصل بالبحث الى تأثر المؤرخين اللاحقين من الجيل التالى بهم : السخاوى و الصيرفى وابن اياس .
2 ـ ندخل في موضوعنا .
المؤرخ القاضي ابن حجر العسقلانى الذى كان من أكابر المجرمين المفسدين ( 1 من 2 )

مقدمة
شهد عصر السلطان برسباى ثلاثة من أشهر مؤرخى مصر العصور الوسطى ، أعظمهم المقريزى ، وعاصره ابن حجر وأبو المحاسن ابن تغرى بردى . نبدأ بابن حجر ثم أبى المحاسن يوسف جمال الدين بن تغرى بردى المملوكى ، وكانا من أكابر المجرمين . وننتهى بالمقريزى ، أعظم مؤرخى العصور الوسطى في التاريخ العربى . ولم يكن من المجرمين .
(ابن حجرالعسقلانى) (773-852 ). مؤرخ من أكابر المجرمين المفسدين

لمحة عن ابن حجر
تقلب إبن حجر في مناصب القضاء ( قاضى قضاة الشافعية ) ، وكان يتولاه ثم يُعزل عنه طبقا لسياسة المماليك في العزل والتولية لأن المعتاد وقتها تقديم رشوة ، أو شراء المنصب . لم يكن هذا عارا ، بل كان شريعة معروفة حتى لقد أنشأ المماليك جهازا مختصا بذلك هو ( ديوان البذل والبرطلة ) . تولى القضاء 21 سنة في مرات عديدة من عام 827 الى قبيل موته أي عام 852 . وتولى ابن حجر الإفتاء واشتغل في دار العدل ، وبسبب صلته بأكابر المجرمين أسندوا اليه وظيفة التدريس في المدارس الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الأستادار وبالمدرسة الجمالية والمنكوتمرية وبالخانقاه البيبرسية ، بالإضافة الى نظر الأوقاف ، أو الاشراف على مؤسسات الوقف ، وكانت مغارة ( على بابا ) في السرقات . وتولى الخطابة في جوامع كثيرة ، أشهرها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص ، وبالجامع الأموى في دمشق . والأهم من هذا كان يخطب بالسلطان في جامع القلعة ( مركز الحكم المملوكى ). وتوثقت صلته بالسلاطين ، يحضر مجالسهم ، ومنهم السلطان برسباى الذى نعرض له هنا ، فكان في صحبة برسباى في حملته العسكرية حين سافر الى ( آمد ) . مع كل هذا الانشغال فقد بلغت مؤلفاته حوالى 55 كتابا . لم يجد وقتا للتفكير الابداعى ، ولكن وجد وقتا لتلخيص أو شرح أو التعليق على ما كتبه السابقون . كان القرن التاسع هو عصر الكثرة الكاثرة من التلاميذ الذين لا يجيدون سوى الرقص على أنغام السابقين . ظهر ابن تيمية وابن القيم في القرن السابق لابن حجر ببعض تجديد ، فرفضهما العصر ، واستراح لأمثال ابن حجر ، فنبغ فيه ابن حجر . خصوصا وقد كان ضمن أكابر المجرمين تابعا للسلاطين .

شُهرة ابن حجر ليست في كتاباته التاريخية بل في كتاباته في الدين السُنّى
1 ـ شهرة ابن حجر لم تكن في التاريخ ، وإنما كانت في هجص الدين السُنّى من ( الحديث ). واشهر أعماله ( فتح البارى في شرح صحيح البخارى )، لم يأت فيه ابن حجر بأى جديد ، لم يناقش صحة أي حديث من أحاديث البخارى ، بل إنه لم يتعرض لموضوع الأحاديث المصنوعة الموضوعة ، وقد تعرض لها من قبل ابن الجوزى المتوفى عام 597 ، ثم ابن تيمية المتوفى عام 728 ، وابن القيم الجوزية المتوفى 751 قبل ابن حجر بقرن من الزمان . ومع هذا فان شهرة ابن حجر ذاعت وحاز لقب ( أمير المؤمنين في الحديث ) ، وذاعت أنباء تأليفه شرح البخارى . ولم يكن يدانيه في الشهرة وقتها سوى كتاب المقريزى ( السلوك ).
2 ـ وقت تأليفه كتاب (فتح البارى ) وصلت شهرته لسلطان المشرق شاه رخ ، ووصلت اليه أيضا شهرة كتاب ( السلوك ) للمقريزى ، وكان لا يزال في طور التأليف أيضا ، فبعث هذا السلطان يطلب نسخة من الكتابين .
2 / 1 : ، وسجّل المقريزى هذا في أحداث عام 833 ، فقال : ( وفي رابع عشرينه‏:‏ ( محرم 833 ) قدم رسول ملك المشرق - شاه رخ بن تيمور - بكتابه يطلب فيه شرح البخاري للحافظ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر ، وتاريخي ( السلوك لدول الملوك ) ويعرض فيه بأنه يريد أن يكسو الكعبة ويجري العين بمكة‏. ).
2 / 2 : وذكر المؤرخ أبو المحاسن نفس الخبر عن كتابى ( السلوك ) و ( فتح البارى ) فقال : ( الأحد رابع عشرين المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، قدم إلى القاهرة رسول ملك الشرق شاه رخ بن تيمورلنك بكتابه يطلب فيه شرح البخاري للحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر وتاريخ الشيخ تقي الدين المقريزي المسمى بالسلوك لدول الملوك ، ويعرض أيضًا في كتابه بأنه يريد أن يكسو الكعبة ويجري العين بمكة ، فلم يلتفت السلطان إلى كتابه ولا إلى رسوله وكتب له بالمنع في كل ما طلبه‏.).
2 / 3 : أما ابن حجر المهووس بنفسه فذكر الخبر في تاريخه ( إنباء الغمر ) عن كتابه فقط دون ذكر لكتاب ( السلوك ) ، فقال : ( وفيها ورد كتاب ملك الشرق شاه رخ يستدعى من الأشرف ( السلطان الأشرف برسباى ) هدايا منها فتح البارى ، فجهزت له ثلاث مجلدات من أوائل الكتاب ، ثم عاد الطلب في سنة تسع وثلاثين ، فلم يتفق تتمة الكتاب ) .

بين ابن حجر والمقريزى
1 ـ مقابل هذا التجاهل نجد المقريزى يشيد بابن حجر في التأليف في الدين السُنّى ، حتى في مجال الإشارة اليه في ثنايا الوظائف .
1 / 1 : يقول في معرض المناصب لعام 840 : ( وقاضى القضاة الشافعي الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على ابن حجر، وإليه المرجع في عامة الأمور الشرعية ، لسعة علمه وكثرة اطلاعه ، لاسيما علم الحديث ومعرفة السنن والآثار ، فإنه أعرف الناس بها ، فيما نعلم‏. ) .
1 / 2 : بل وجعله ( شيخ الإسلام ) وذكر الحفلات التي أقامها ابن حجر تكريما لنفسه بمناسبة الانتهاء من كتابه ( فتح البارى ) . ذكر المقريزى هذا في تاريخه السلوك كأحد الأخبار الهامة مع وصف تفصيلى ، فقال : ( وفي يوم السبت ثامنه، جمع الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر، أعيان الدولة، وفيهم المقام الناصري محمد ولد السلطان وغيره من الأمراء، وكاتب السر، وناظر الجيش، والوزير وناظر الجيش، والقضاة وشيوخ العلم في عامة طلبة العلم وغيرهم، فاجتمعوا بأعلا الخمس الوجوه من أرض التاج خارج القاهرة . وكان الوقت شتاء والأرض مخضرة بأنواع الزراعات، والخيول على مرابط ربيعها، وقدم لهم من أنواع الحلاوات وألوان الأطعمة الفاخرة ما يجل وصفه ويكثر مقداره، وقد أكمل تصنيف كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخار في عشرين مجلدة، ثم قرىء من آخره مجلس خفيف، وقام بعده ختمه الشعراء، فقرأ عدة منهم قصائد في مدحه، هذا وقد اجتمع بهذه المنظرة وحولها من أسفلها عالم كبير من الرحال وغيرهم، ونصبت هناك سوق، وضربت خيام عديدة، فكان من الأيام المذكورة التي لم نعهد في معناه مثله، أنفق فيه مال جزيل على ما تقدم من المال، وما أجيز به الشعراء في هذا اليوم . ) . ثم عقد ابن حجر حفل تكريم آخر لنفسه في اليوم التالى في خانقاه بيبرس . ذكره المقريزى فقال : ( وفي يوم آخر بعده: إجتمعوا فيه بخانكاة بيبرس من القاهرة، قام فيه شعراء أخر بمدائحهم، فأجيزوا بجوائز سنية عديدة، وفرق أيضًا مال جم في جماعة كثيرة، كتبوا هذا الشرح، والحافظ المشار إليه يمليه عليهم بهذه الخانكاة، حتى أكملوا نسخه في أعوام، فكان هذا من المآثر السنية، والفضائل الجليلة التي زادت في رفعته . ) . أي يصفه المقريزى بالرفعة والفضائل الجليلة .
2 ـ وكان متوقعا أن تتعاظم إشادة المقريزى بابن حجر ، لو مات ابن حجر في حياة المقريزى ، ولكن المقريزى مات عام 845 في حياة ابن حجر الذى توفى عام 852 . وفى كتابه ( إنباء الغُمر ) ذكر ابن حجر وفاة المقريزى في وفيات عام 845 ، فقال عن نشأة المقريزى : ( وكان مولد تقي الدين في سنة ست وستين وسبعمائة، ونشأ نشأة حسنة، وحفظ كتابا في مذهب أبي حنيفة تبعا لجده لأمه الشيخ شمس الدين بن الصائغ الأديب المشهور، ثم لما ترعرع وجاوز العشرين ومات أبوه سنة ست وثمانين تحول شافعيا، وأحب إتباع الحديث ، فواظب على ذلك حتى كان يتهم بمذهب ابن حزم ، ولكنه كان لا يعرف به، ونظر في عدة فنون، وأولع بالتاريخ فجمع منه شيئا كثيرا وصنف فيه كتبا، وسمع من شيوخنا وممن قبلهم قليلا كالطبردار وحدث ببعض مسموعاته، وكان لكثرة ولعه بالتاريخ يحفظ كثيرا منه، وكان إماما بارعا مفننا متقنا ضابطا دينا خيرا، محبا لأهل السنة يميل إلى الحديث والعمل به حتى نسب إلى الظاهر - حسن الصحبة، حلو المحاضرة، وحج كثيرا وجاور مرات. ). هنا لم يُعط ابن حجر المقريزى حقه كأعظم مؤرخ في العصور الوسطى .
3 ـ هذا مع إن ابن حجر كان ينقل عن المقريزى بعض كتاباته وبعض أقواله . عاشا في عصر واحد ، وكتبا يؤرّخان لعصرهما ، ولم ينقل المقريزى عن ابن حجر ، بينما كان ابن حجر ينقل عن المقريزى تبعا لعادة ابن حجر في النقل عن الآخرين حتى لو كانوا من أبناء عصره . ومع ذلك فحينما كتب عنه في الوفيات لم يعطه حقه . وننقل بعض ما اعترف بنقله عن المقريزى في تاريخه ( إنباء الغمر ) . قال :
3 / 1 : ( محمد بن محمد .. الدمراني الهندي محب الدين الحنفي قدم مكة قديما، وسمع من العز بن جماعة وهو عالم بارع، وكان يعتمر في كل يوم ويقرأ كل يوم ختمة، ويكتب العلم ولكنه كان شديد العصبية، يقع في الشافعي ويرى ذلك عبادة، نقلت ذلك من خط الشيخ تقي الدين المقريزي. )
3 / 2 : ( ... قال الشيخ تقي الدين المقريزي: كان أبوه وعمه عبد الجليل مشهورين بالعلم والفقه والدين فاقتدى بهما وأربى عليهما، قال: وكان سمحا كريما حسن الملتقى، جميل المحيا، وكان يتعصب لابن تيمية.)
3 / 3 : ( علي بن عبد الواحد .. رئيس الأطباء بالديار المصرية .. قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: كان يصف الدواء للموسر بأربعين ألفا ويصف الدواء في ذلك الداء بعينه للمعسر بفلس، قال: وكنت عنده فدخل عليه رجل شيخ فشكا شدة ما به من السعال فقال له: لعلك تنام بلا سراويل? قال: إي والله قال: فلا تفعل، ثم بسراويلك، فمضى، قال: فصادفت ذلك الشيخ بعد أيام فسألته عن حاله، فقال لي: عملت ما قال لي فبرئت، قال: وكان لنا جار حدث لابنه رعاف حتى أفرط فانحلت قوى الصغير، فقال له: شرط أذنيه، فتعجب وتوقف، فقال: توكل على الله وافعل، ففعل ذلك فبرأ، قال: وله من هذا النمط أشياء عجيبة. )
3 / 4 : ( ... وذكر لي الشيخ تقي الدين المقريزي أنه حلف له أنه في طول ولايته القضاء بالكرك والديار المصرية ما تناول رشوة ولا تعمد حكما باطلا رحمه الله تعالى. )
3 / 5 : ( حسن بن علي بن أحمد الكجكني .. نائب السلطنة بالكرك .. قال الشيخ تقي الدين المقريزي: كان تام المعرفة بالخيل وجوارح الطير محبا لأهل السنة عاقلا مزاحا. )
3 / 6 : ( شيخ الخاصكي .. قرأت بخط المقريزي: كان بارع الجمال فائق الحسن لديه معرفة وفيه حشمة ومحبة للعلماء وفهم جيد، تائها صلفا معجبا منهمكا في اللذات، توجه إلى الكرك فمات في أوائل السنة. )
3 / 7 : ( عبد الرحمن بن عبد الكافي .. مؤذن الركاب السلطاني، ... كان يجالس الملك الظاهر فاتفق أن جمال الدين لما كان ناظر الجيش أنف أن يجلس دونه فذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعتبه على ذلك، قرأت ذلك بخط الشيخ تقي الدين المقريزي . ).
3 / 8 : ( علي بن عمر بن سليمان الخوارزمي .. وقرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي أن المذكور باشر شد الأقصر لبعض الأمراء فذكر أن مساحتها أربعة وعشرون ألف فدان، وأنه لما باشرها في سنة إحدى وتسعين لم يكن يزرع بها إلا نحو ألف فدان وباقيها خرس وبور.. )
3 / 9 : ( وفيها على ما قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي أنه بلغه في مجاورته بمكة هذه السنة أن أندراس الحطي صاحب مملكة الحبشة الكفرة مات في الطاعون العظيم الذي وقع في بلاد الحبشة حتى مات بسببه من لا يحصى من المسلمين والنصارى، وأقيم بعده ولد له صغير...) .

رأى المؤرخ أبى المحاسن في ابن حجر
1 ـ ذكره أبو المحاسن في تاريخه ( النجوم الزاهرة ) في وفيات عام 852 ، وقال عنه : ( وتوفي قاضي القضاة شيخ الإسلام حافظ المشرق والمغرب أمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن الشيخ نور الدين علي بن محمد محمد بن علي بن أحمد بن حجر المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة العسقلاني الأصل الشافعي . قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها وحافظها وشاعرها ، في ليلة السبت ثامن عشرين ذي الحجة وصلي عليه بمصلاة المؤمني ، وحضر السلطان الصلاة عليه ودفن بالقرافة‏.‏ ومشى أعيان الدولة في جنازته من داره بالقاهرة من باب القنطرة إلى الرملة ، وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية ، حتى قال بعض الأذكياء إنه حزر من مشى في جنازته نحو الخمسين ألف إنسان‏.‏ وكان لموته يوم عظيم على المسلمين ، ومات ولم يخلف بعد مثله شرقًا ولا غربًا ، ولا نظر هو مثل نفسه في علم الحديث‏.‏ وكان مولده بمصر القديمة في ثاني عشرين شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وقد أوضحنا أمره في ترجمته في ‏"‏ المنهل الصافي ‏"‏ من ذكر سماعاته ومشايخه وأسماء مصنفاته‏.‏ وكان رحمه الله تعالى إمامًا عالمًا حافظًا شاعرًا أديبًا مصنفًا مليح الشكل منور الشيبة حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية عذب المذاكرة مع وقار وأبهة وعقل وسكون وحلم وسياسة ودربة بالأحكام ومداراة الناس ‏.‏ قل أن كان يخاطب الرجل بما يكره ، بل كان يحسن إلى من يسيء إليه ، ويتجاوز عمن قدر عليه ، هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة والبر والصدقات . وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد‏.‏ ولم يكن فيه ما يُعاب إلا تقريبه لولده ، لجهل كان في ولده ، وسوء سيرته .. ).
تعليق
نلاحظ أن أبا المحاسن أسهب في مناقب ابن حجر ، وأشار الى فساده في جملة وحيدة تكفى للإطاحة بكل هذه الفضائل ، هي قوله : ( ولم يكن فيه ما يُعاب إلا تقريبه لولده ، لجهل كان في ولده، وسوء سيرته ). أي لم يؤدب ولده فنشأ جاهلا سىء السيرة ، ومع ذلك استخدم ابن حجر نفوذه في حصول ابنه على وظائف بلا استحقاق .
2 ـ جدير بالذكر أن المقريزى ذكر أخبارا فيها إدانة لابن حجر وفساده ، ولم يتعرض له بالنقد ، مثلما قال أبو المحاسن آنفا . ونفهم مما ذكره المقريزى في ( السلوك ) في أخبار شهر ربيع الأول، عام 841 أن القاضي محمد بدر الدين إبن قاضى القضاة ابن حجر العسقلانى تولى بالواسطة والمحسوبية ناظرا للجامع الطولونى . قال : ( فيه إستقر القاضى بدر الدين محمد ابن قاضى القضاة شيخ الإسلام شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن حجر في نظر الجامع الطولونى ونظر المدرسة بين القصرين، نيابة عن قاضى القضاة علم الدين صالح بن البلقينى، بسؤال القاضى زين الدين عبد الباسط له في ذلك، فأذن له حتى إستنابه عنه. ).
تعليق
1 ـ أي إن شهاب الدين إبن حجر ( أمير المؤمنين في الحديث ) لم يكن فقط يتولى القضاء بالرشوة بل كان أيضا يستخدم نفوذه لصالح أبنه بدر الدين الذى جعله نائبا، أي قاضيا يتبع أباه قاضى القضاة الشافعى . وإستخدم نفوذه أيضا في تعيين نفس الإبن الجاهل الفاسد ناظرا ( أي مديرا ) للجامع الطولونى ( جامع أحمد بن طولون ) وناظرا لمدرسة بين القصرين ، وذلك باذن من ناظر الجيش القاضي زين الدين عبد الباسط ، وكان صاحب نفوذ هائل في سلطنة الأشرف برسباى . كانت الوظائف الكبرى ( دينية وديوانية ) تكون بالشراء ، وبالوراثة أيضا . ويتولى المنصب من ليس مؤهلا له سوى أن معه مالا ، أو كان ابنا لأحد الشيوخ ، أو هما معا . كان قضاة القضاة أفسد الناس في العصر ، وكان أفسدهم وأشهرهم ابن حجر .
2 ـ ونلاحظ أن المقريزى لم يعلق منتقدا ابن حجر بشخصه ، كان ينتقد فساد القُضاة عموما في مواضع كثيرة في السلوك ، دون أن يذكر اسم ابن حجر ، مع ورود إسم ابن حجر أحيانا في الخبر .
ابن حجر مؤرخا
لابن حجر فى مجال التاريخ :
1 : ( رفع الأصر عن قضاة مصر )، نقل فيه ما قيل عن قضاة مصر ، من مؤلفات السابقين .
2 : ( الإصابة في تمييز الصحابة ) ، نقل ما قاله المؤرخون السابقون عن الصحابة من محمد بن سعد في ( الطبقات الكبرى ) و ما كتبه ابن الأثير في ( أُسد الغابة في معرفة الصحابة ) وغيرهم .
3 ـ وفى تاريخ العصر المملوكى كتب :( الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة.) فى أربعة أجزاء ، وفيه نقل عن مؤرخى القرن الثامن الهجرى .
4 ـ وقام بنفسه بالتذييل عليه بعنوان في كتاب مختصر بعنوان : ( تاريخ المائة التاسعة أو ذيل الدرر الكامنة)، وهناك نسخة خطية لهذا الكتاب فى دار الكتب المصرية بقلم ابن حجر نفسه، وفى فترة اعدادى لرسالة الدكتوراة بين عامي ( 1976 : 1977 ) عن أثر التصوف في العصر المملوكى عثرت علي هذه النسخة وتأكدت من أنها بخط ابن حجر نفسه بالتعليقات والتعديلات والتشطيبات والملاحظات والحديث عن نفسه . وكانت صعبة القراءة جدا ، ولكن لأنها تأريخ معاصر للقرن التاسع الهجرى فقد نقل عنها بعض المؤرخين .
5 ـ ولكن اشهر كتبه في التاريخ : ( إنباء الغمر بأبناء العمر) الذى يؤرخ فيه لعصره من سنة ميلاده 773 الى 850 قبيل وفاته. وهو الذى يعنينا هنا .
نتوقف مع لمحة عن ابن حجر في تاريخه ( إنباء الغمر ).




أعلى