أحمد الوارث - مقطوع من شجَرة

بنى له بيتا خلف أشجار التِّين الشَّوكيّ في حقل مهجور بظاهِرِ المدينة. مسكنٌ من غرفة واحدة، سقفُها من قصب وسيقان النباتات، فوقها ألواح من المعدن والحجر، بينما تتدلى منه، في الداخل، رزم بها ملابس وفواكه جافة، تتمايل معها أنسجة رقيقًة مهلهلة تصيد به العناكب طعامَها. وعلى الأرض حصير، وفراش محشو بحَلْفَاء اللِّحَافِ، وأوانٍ فخارية، وقنديل بلون الفحم.
يدخل المدينة باكرا؛ يجوبها، متسولا، طُولاً وَعَرْضاً، ثم يرْكُن ظهره إلى شجرة عتيقة، عند باب المستشفى الكبير.
صار معروفا لدى الممرضين والأطباء؛ بعض الظرفاء منهم؛ يسمونه، وسكان الحي، بالمجذوب، والكثيرون يعتبرونه وليا مولها.
عادة ما يعود أدراجه، وقد أظلم اللَّيلُ. يُسلّم في طريقه على اِمرأَة مَهجُورَة، أشرفت على الستين، اعتادت ألا تنام قبل أن يلقي سلامه عليها، ويلج مسكنه.
هذا دأبه باستمرار. وذات ليلة من ليالي مارس الماضي، أصابته حمى منعته من النوم، حتى أنه لم يستطع القيام صباحا. بل قضى أسبوعا كاملا على الحال نفسه. ولمّا لم يبق في البيت ما يسد به الرمق، حمل جرابه، ومعه عصا الصبر، وراح يسعى حتى بلغ الشجرة المعلومة.
عندها، أدركه رجال الشرطة، ورموا به داخل المركبة، دون مقدمات، ثم انهال عليه أحدهم موبخا، بصوت عال: هل جننت، يا هذا، ألا تعرف أن الخروج من البيوت ممنوع؟
نظر إليه الرجل باندهاش، وهمهم قائلا: ممنوع نهائيا، ولماذا، يا ولدي؟
أحكم شرطي ثان وضع الكمامة على فمه وأنفه، وقال بنبرة حازمة: ثمة وباء ينخَر الدنيا، وأنت لا تعلم؟!
قال الرجل، وقد غمرته الدهشة، ظاهرا وباطنا: ماذا، ماذا؟ هل تقصد الطاعون، يا سيدي؟ أقسم بالولي الصالح الكبير سيدي بابا، أنني لا أعلم.
قال الشرطي نفسه: ها أنت قد عرفت الآن، وعليك أن تختار إما أن تعود إلى بيتك وتلزًمه، أو أن...
لكن الرجل قاطعه، دون أن ينتظر بقية الكلام، قائلا: أختار الثانية، يا سيدي، الثانية.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى