أحمد الوارث

كنتُ رفقة والدي حين حللت أول مرة بالمحطة الطرقية في الحاضرة العلمية. شدَّ انتباهي رجل يقترب منّا؛ أشعث أغبر، لم تُبق لفحات الشمس الحارقة من بياض سحنته سوى طيّات التجاعيد، عليه لباس رث، يبعث على الحزن. خاطبنا:... إلى الدار البيضاء، إن شاء الله... إلى البيضاء أم الرباط؟ حين علم أنها وجهتنا، رفع...
تنتهي رحلات حافلة نقل المسافرين، وسيارات الأجرة، القادمة من عاصمة الإقليم، في فضاء فسيح، بتلك القرية الصغيرة الرابضة بين الفجاج ، حيث تنتهي، أيضا، الطريق المعبدة؛ لذلك عرف المكان باسم دال على وظيفته، هو : (الكَََاراج)، منذ أيام الحماية الفرنسية، رغم إنشاء محطة جديدة. على جنبات هذا الفضاء،...
كان يمشي متثاقلا، يريد الانتقال إلى العربة المجاورة. حاول جاهدا فتح الباب ولم يفلح؛ فسوء حالته بسبب قلة العناية والتراخي في استبدال قطع الغيار جعله عصيا، يتطلب جهدا كبيرا لكي يتزحزح. أَسعفتُه بحاجتِه، فالتفتَ إلي، وهو يغادر، ليشكرني مبتسما. رجل رمى به العمر وراء عتبة الخمسين أو لربما لم يبلغها...
لمّا غفت عيناي، تسلل إليّ صوت مكتوم، لكنه مزعج. أصَخْتُ السمع إليه جيدا، وأنا أحاول تمييز صاحبه، مستحضرا في الوقت ذاته أصواتا شبيهة اعتدت سماعها من الأشباح في الأماكن المظلمة والمخيفة. كلما خَفّت حدة الصوت، مضيْتُ وراء أسئلتي المترتبة عن حالة الضجر جراء هذا الوباء اللعين، المسمى كورونا، والذي...
كان الجو حارا، والركاب؛ بعضهم ضاق صدره من طول الانتظار، وراح يـــَلْعَن الحافلة وأهلها، وبعضهم غارق في دخان سيجارته غَير عابئ بِشيءٍ ولا بأحد، وبعضهم منكب على أكله، بينما اِنْزَوى بعضٌ على بعض يتضاحكون... ما إن أخذت مكاني حتى شرع الباعة المتجولون في الظهور؛ كانوا يصعدون من الباب الأمامي وينزلون...
أرخى الظلام سدولَه على آخر يوم من السنة الماضية. امتصت حبات الضباب والدخان ما فضل من نور، وأمست الشوارع خالية إلا من مَرْكَبَات شاردة أو حيوانات تائهة تصارع من أجل البقاء. تبعتُ أنثاي، بعد العشاء، ننشد دفء السرير بطعم العيد. وقبل أن أكتم أنفاس الهاتف المحمول، فاجأني زوج أختي، مفزوعا: أحمد ...
مضى عام على زواجهما، وكاد ثانٍ أن ينصرم، لذا صار الزوج منزعجا، قلق المزاج، يتحدث كثيرا عن رغبته في الخِلْفَة... وباتت غمزاته ولمزاته تقضّ مضْجَع الزوجة . كَشَفَت عَنْ المستور لأسرتها بحثا عن السند، فصاحبتها أمها إلى عيادات ومَصَحّات ومشافٍ، عامة وخاصة، دون كلل. وأجرت تَحْلِيلاَتٍ وفحُوصَاتٍ ...
لم تكن خديجة تجد راحتها في مقهى الكلية وقت الفراغ. وحين تتناول غذاءها، تتجه رفقة صديق أو صديقة إلى ركن من الأركان للاستراحة والتحادث في انتظار حصص الزوال. في مثل هذه الجلسات، لم تكن تجد حرجا في التَّفَاكُه، ولا تتردد في القهقهة بتلقائية لافتة للسمع والانتباه. بل كثيرا ما كانت تنفرج شفتاها وتصدر...
لفت انتباهي ، وأنا أتمشى، شاب جعل يديه إلى الخلف وأدارهما على عمود كهرباء، حين قال، مبتسما: سيجارة يا سيدي، سيجارة، من فضلك. تأملت هيئته، قبل أن أجيب: أنا لا أدخن ... والله ... أقلعت عن التدخين منذ سنين.. ردّ بضحكة محتشمة: أعطني الفلوس، إذن. أعطيته ما تيسر، لكن حاله سرق منّي ابتسامتي كلها، فلم...
حينما كان النجاح في قسم الشهادة الابتدائية حلما عظيما، نقلت الخبر لأمي التي ضمتني إلى صدرها، وقالت أغمض عينيك وسم الله.. ولا تفرح كثيرا بتحقق أحلامك. لم أعر الأمر اهتماما كبيرا، ولم أكن أعرف يومئذ غير الأحلام المألوفة، التي غالبا ما كانت تتحول إلى كوابيس. عندما بلغت الحلم، سكن في قلبي همّ...

هذا الملف

نصوص
10
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى