أحمد الوارث - من أيام طفولتي...

كنت صغيرا يافعا، دون المراهقة، لكني وجدت نفسي، مثل أقراني، مضطرين إلى مغادرة المدشر لا لشيء، ولكن لمتابعة الدراسة، لمن شاء إلى ذلك سبيلا، لأن الإعدادية موجودة في "قرية " بعيدة جدا، وتتطلب الاستقرار بعين المكان.
رافقني والدي أول مرة، حيث اكترى لي غرفة ، ووفر لي الضروريات، كما قضى معي، للاستئناس، أياما معدودات. كل فجر ، كلما همّ بالمغادرة ارتميت في حضنه باكيا، راغبا في العودة إلى الديار، مقترحا عليه، بكل ما أوتيت من ألم وأمل، أن أكرر قسم الشهادة. في اليوم السابع لم أشعر بانسحابه إلا بعد أن غادر، فقمت جريا، وما أدركت سوى الغبار المتطاير خلف الحافلة...
تركني غريبا في بلاد غريبة. أحسست بالخوف، نظرت من حولي، مسحت دموعي، وأطلقت العنان لساقيّ في اتجاه الغرفة . الغرفة في حي يسمى الخربة، هي واحدة من غرف الكراء مثل الجحور التي تأوي إليها الهيام وصغار الحيوان. نافذتها الوحيدة مغلقة، وبابها صفيحة من قصدير، تشد إلى لسان من حَجر مغروز في الحائط، وتقفل من الخارج بقفل كأنها لم تقفل. سقفها من أعمدة خشبية ورزم من القش، مثبتة في ألواح من المعدن، بينما تتدلى منه أنسجة رقيقة مهلهلة تصيد به العناكب طعامَها ...
قسمت الفضاء أجزاء؛ ركن للنوم، به سرير معدني، فوقه فراش محشو بحَلْفَاء اللِّحَافِ. ركن ثان عليه حصير من دوم ، فوقه مخدة أجلس عليها، وطاولة دائرية تقف على أرجل ثلاثة، للأكل وإنجاز الفروض. ركن ثالث فيه خِزَانةُ الدفاتر والكتب، ودُرْجٌ للأواني، ودولاب للثياب، جميعها، في الأصل، صناديق من خشب لحفظ الخضر، بينما تتدلى رزم بها فواكه جافة فوق رأسي.
أما المرحاض، وما أدراك ما المرحاض، فهو عبارة عن حوش من قصب دون باب، يقضي به الحاجة سائر القاطنين، من أهل البيت والمستكرين. ترى الذاهب إليه يحمل سطلا صغيرا ملؤه ماء للتوضؤ، وإذا بحث في القلل ولم يجد، يكتفي بالمسح مستعملا الورق أو الحجارة. لا تسألوني حين يغيب الماء في أحوال الإسهال، أو حينما تصاب الأصابع عن طريق الخطأ، فتلك معضلة، ويا لها من معضلة! من باب الآداب، إذا ما تناهى إلى سمع السابق خطو لاحق يقترب من باب المرحاض، أنثى كان أو ذكرا ، فالسعال أو ما شاكله من أصوات فرض وجوب تفاديا لكل طارئ. أما أثناء قضاء الحاجة فالفرصة سانحة للتعرف على أنواع منوّعة من الحشرات، الطائرة منها والزاحفة، المعروف منها وما لا عين رأته من قبل.
لم تكن الأيام الأولى سهلة بالمرة، صبي صغير السن تلفه الغربة من كل جانب . وحدها صلابة الوالد كانت تدفع بي إلى العوم في هذه الفوضى العارمة دفعا، وترسم ورائي جدار المنع عن التراجع، هذا كل ما يمكنني اعتباره الآن حظا. فيا لها من مفارقة: طفولة فرض عليها مغادرة حضن دافئ لتعيش الرعب من كل شيء بتواطؤ من الجميع.
الجميع غريب عني، حتى أني لم أجد من أبناء مدرستي القدامى إلا واحدا أو اثنين كانا كبيرين في السن، لأن معظمهم كان قد غادر، مثل كثيرين من أبناء القبيلة للعمل العسكري. أما الاثنين اللذين نجحا معي، فالبنت لم أدر عنها شيئا، إذ كان أبوها فقيها، فلعه اتجه إلى مدينة بها إعدادية، أما الطفل الآخر فقد احتضنه عمه في الرباط . كل الأخرين في ملكوته الخاص، منشغل بتجميع تفاصيل يومه وملتقطٌ لقوته، حتى الهواء الذي أستنشقه كان يحسني غريبا... في بلدتي الصغيرة كانت كل الأمهات عماتي، وكل البيوت براحي. وجبتي على الطاولة أجدها أمامي، في مكاني أنام ، بعد عشائي، وغالبا على ركبتي أمي، فتحملني إلى فراشي، حيث ينغلق الباب الذي ما عرفت له قفلا، يقاسمني إياه أخواتي وإخواني .
فرضت على نفسي الاستسلام لواقع الحال، لأني لم أكن أملك فرصة الاختيار. الإحساس بالجوع علمني تحضير طعامي، وغسل الأطباق. والحفاظ على مظهر لائق دربني على تصبين الملابس وترتيبها. كما فرض علي الخوف من الـتأنيب تحضير التمارين ...
كنت أحس بالارتباك كلما حل الظلام، وأغلقت الباب في وجهي. استلقي على الفراش متعبا منهكا في فضاء صمته مخيف مهيب. أدفن راسي الصغير في حضني، أصغي بعمق فلا أسمع سوى أنفاسي ودقات قلبي. أضع الغطاء على رأسي، وأغمض عيني عسى أن أنجو بنفسي من الزمن الضائع، الذي لا مبرر له سوى ضرورة التمدرس.
كنت أخاف بل اموت خوفا أن يباغتني أحد وأنا نائم ليلا فيفترس براءتي ، فأقع في ما وقع لكثيرين ممن ابتلع سكون الليل صراخهم. كان التفكير في الخوف يملأ كياني عواصف لا تهدأ، تقض مضاجع السكينة في صواعدي ونوازلي. أسقط مريضا فأتعب من الحمى حين تشملني في هزيع الليل، وأصير كريشة في مهب العاصفة، أداوي الأنين بالظلام. أتغذى فلا أشبع وأتعشى فلا أستلذ، أحاول أن أركض فأشعر بالخواء والوهن وأداري. أنهزم في نزال فألجأ للصمت وربما أستسلم للبكاء، فأمسح مع الدموع وجع اللحظة، وأتناسى .
ياه، أنظر اليوم إلى الخلف، فأحس أن هناك نبتت بذرة الآلام، وثمة تبرعمت وأزهرت، كما الدفلى على أطراف الوديان والخنادق. هناك ، هناك تجاور الخوف مع الوجع في السيرة الأولى من درب الحياة، دون أن أدري أو لعلني كنت أدري فأداري. وحدها الرغبة في النجاح حافظت على نضارة كنت أقرؤها في عيون الناظرين نورا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى