عبد الفتاح المطلبي - سُبُلٌ مُقفلَة.. قصة قصيرة

بَينما كُنا جميعاً غافلين نعيشُ في القريةِ التي اختارها آسلافـُنا من قبلُ بطريقةٍ تشبه الحلمَ،حدثَ ذلكَ بغتةً ففيما يُذكرُ عن الذين مضوا أن رؤوسَ الرجالِ والنساءِ الذين أتوا يبحثون عن جنةٍ صغيرة كانت تراودُهم خيالاً بين تلافيف أدمغتهم، تلك الرؤوس قد امتلأتْ بما حولها حتى كَفرَتْ بلونِ الصحراءَ الأصفرِ ولونِ رمالها المرقـَّشةِ بآثاردبيبِ السالكينَ عليها رغمَ اختلافِ ماتركوا من آثارٍ إلا أنـّهمُ جميعاً يتشاركونَ الرمالَ ذاتـَها، كانتِ الحربُ سجالاً بين الناسِ في تلكَ الفيافي رغم وفرتها ومع أنه كان لكل واحد من الناس كثبانه ورماله إلا أن الماء من شحّه ِ ظلّ يُحرض بعضَهم على بعض والواحات يملكها الأقوياء الذين لا يمكن اختراق حياضهم وكانت هناك حربٌ أخرى تلتهب بسرية تامة بين جيوش من العضاءآت والعقارب والأفاعي واليرابيع وبين الناس وكما ذُكر ونُسِبَ للذين مضوا من قبل إذ قالوا أنه بينما يموت أحدنا بعضة أفعى بلون الرمل كنا نلتهم مئاتٍ مما يدبُّ حولنا من العضاءآت وبيوضها ومن اليرابيع، حرب لا هوادة فيها يأكل فيها القوي الضعيف وقالوا أيضاً أنهم كانوا خمسة أو ستة بيوت تفرعت عن بعضها قد أصابها الملل من تلك الحروب ومن انتظار القوي الذي سيأكلهم يوما ومن طعم اليرابيع المشوية أوالموت بعضةِ أفعَى تشبه كثيرا رمالاً متحركة ويُقال أيضاً أن كبيرهم قال ذات يوم وهو يفركُ عينيه المحمرتين من مداومة ذرات الرمل الناعمة على الدخول إلى حدقتيه رغم ما يحيطهما من جفنين سميكين بأهداب قد جفت من صفق ريح السموم قال:- أشتهي أن أرى شيئاً آخرَ قبل موتي ذلك اللون الأخضر الحيّ يستحق العناء و كانوا يستمعون إليه كنبي قد قصم ظهرالواقع بآية قوله النابع من حلمٍ مزمن و أردفَ بحزن قائلاً:

مللتُ لون الرمال، ولما أصبح الصباح طووا خيامهم، بيوت الوَبَرِ تلك وحملوها على ظهور حيواناتهم وكانت الرغبةُ دليلهم حتى عثروا على هذا المكان، ذيلُ جدولٍ يأتي مترنحا من الشمال ويدسّ مائه بين بردي أخضرَ كثيفٍ وقصبٍ يتطاول حتى أنه يستطيع إخفاء رجل واقف ويستكين في أرض نخيلٍ حرّةٍ لا يدعيها أحد حطوا رحالهم دون سيف أُمتشِقَ ولا قوسٍ رَمَى، جنةٌ من نخيلٍ وماء وهكذا تركوا خيبتهم القديمة ورمالهم و عاشوا وماتوا هنا، تلك مثاويهم على مقربة من الماء، الذي أطفأ لهيبِ دمائهم أحياءً وظنوا دائما بأن عظامهم يلذُ لها أن ترتوى به، والآن بينما كنا جميعاً غافلين في قرية حلم أسلافنا وكأننا في سُباتٍ لذيذ لا يود الراقد فيه اليقظةَ لئلا تذهب نشوة الحلم، في تلك اللحظةِ المشبعة بالنشوة لم يكن بدٌ من زحف الصدأ الى السيوف والرماح فمع الماء تصدأ تلك الآلات وضحكنا طويلا ثم قلنا ما حاجتنا لحديد صدئ ورحنا نبني بيوتنا من الطين وسعف النخيل، نحتمي بجذوعه الواقفة صفا كأنها جند مجندة ولم ننتبه لزحف الرمال ولا لنوايا الريح التي بدأت تهب علينا من الشرق والغرب تدفع بالرمال إلينا تشحنها بوتر قديم وهكذا ومنذ أربعين عاما راحت مواسمها تتعاقب علينا، أربعون عاما كل عام يمر كألف عامٍ، أربعون عاما بأيامها بلياليها بأشهرها نصُكّ بوجوهنا عنها وهي تعبثُ بحواشينا، نقفل أدمغتنا، نضع أصابعنا في آذاننا، نغمض عيوننا وتلك الريح تصول وتجول اقتلعت النخل وطوحت به بعيدا فيما يُعرف بحرب النخيل التي دامت ثمان سنوات،يُذكر أنها سُميت كذلك لكثرة النخيل الذي مات وهو يشهد بأسف ما يجري، طمرت الجدول وجففت ماءه فيما يُعرف لاحقا بحرب الماء التي لا زالت قائمة، جالت الريح في دورتهاَ تحشدُ نَزقها لجولةٍ أخرى وحطت الرمال على القرية بقحولتها،و لما أفقنا، كان كل الذي في الرؤوس من الأحلام قد تبخر، لم يسلم الماء،صبغت كل شيء بلونها، وكل الذي قد بنيناه اندثرتحتَ رنّةِ وِترها القديم، ضاعت قبور صُناع الحلم،وضاع الحلم وبدلا من أن نرى أنهار ماءٍ عذبِ رأينا أنهار دمٍ لم تمض إلا أيام قلائل حتى رأينا بأعيننا كيف دبت العقارب وكيف سعت الأفاعي وزحفت السحالي من كل لون وكأن الريح تهزأ من أحلامنا، وحال انتباهتنا من هول ما عانيناه خلال الأعوام الأربعين، رحنا نحصي خسائرنا فوجدناها فادحةً لا تـُعوّض وطفقنا نلحس جراحنا كذئاب مدحورة فوجدنا أن جراحنا لاتندمل إن لم تهيجها أظفارنا ستنكؤها الريح أنّى هبتْ لكننا نكون أكثر وجَلاً حين هبوبها من الغرب، ريح باردة لا يعقبها إلا خريفٌ قاسٍ ووجدنا أن تلك الريح قد سلبتنا أية فرصة لاسترداد الأنفاس أيبست أطرافنا وقيدت حراكنا بزمهريرها الذي لا يُطاق وهي تعدنا بغيم بلا مطر وإن هبت من الشرق حركت كل أفعى نائمة ودبت عقارب هرمة إن لدغت تورد هلاكاً،وهكذا رسمت الريحُ دوائرها المقفلة وسمعنا أصواتها واعدة بالغيث ولا نتلقى منها إلا الرمال تسفيها علينا من كل جهة، صدق بعضنا نواياها فارتد يستفتي الودع ويقرأ الرمل ويصدق ماتقول الريح أن السبيلَ ما رسمته الريح وإن الرحلة قد أزفتْ ولا محيص مما خطته ورحنا نتجادل أياما ولياليَ حول أي سبيل نسلك وتلك النياسم التي خلفتها قد سلكت كل اتجاه، وراح كل منا يجمع شتاته ويشعل بخوره وينذر نذوره ثم يستخيرآلهةً جلّها من رمل صنعتها تلك الريح و بينما كانوا جميعا منشغلين بتلقي صفعاتها على الوجوه و الأنوفِ أجبروا على سلوك فجٍ من فجاجها لعلهم يتملصون من سطوتها، ورحتُ أشيعهم واحدا واحدا وهم يمضون في سُبل شتى، وفي صباحٍ آخر من صباحات الريح انتبهتُ إلى أنني نابتٌ وسط القفر وحيدا كنتُ وقد اختفى الجميع، أخذتهم دوائر الريح قدما إلى ما لا يعلمون، ووجدتُ أن قدميّ قد وهنتا وقصرت عزيمتي عن اختيار اللحوق بهم ورحتُ أحدث نفسي وأعللها بالصبر ولعل كل الذي جرى كان كابوسا من الكوابيس ولعلي أصحو يوماً على غير ما أجد، استغرقتُ أياما طويلة في ذهولي منذ انتباهي إلى أن الجميع قد غادروا ولم يبق إلا شاخصي المترنح وسط هذه الخيبة وهذا الإندحار واستغرقهم التيه طويلا في فجاج الريح فتمنيت لو أنني ذهبتُ معهم أينما ذهبوا،لكنني وبعد حصولي على وشلٍ من الماء في قاع الجدول المطمور جلستُ أرتق خيبتي التي ورثتها عالما بإن القحولة والريح والرمال تهزأ مني ومن محاولات صمودي البائسة وقد غادرتني كل رغبة في الهروب مع الهاربين وواصلتُ ترتيق الخيبةِ ولو بخيوط العناكب والبحث عن الماء ولو بقاع جدول ميت قد جف بفعل ريح غربية وشرقية وهكذا بقيت أنتظر أن ينبثق الماء أو يأتي الغيث فلقد أورثني أسلافي هذه الدربة على الإنتظار ثم أغلقت عيني ونمت لعلي أحظى بإشارة ولا أعلم كم مضى علي و أنا غارقٌ في نوم عميق لكنني انتبهت إلى أن الذين غادروا قد دارت بهم الدوائر التي رسمتها الريح وكانت جميعها تنتهي إلى حيث خيبتي التي أرتقها كلما أمكن ذلك، إلى القرية ذاتها التي دفنتها الرمال، حلم الذين مضوا الذي حولته الريح إلى رمال تسكنها دواب الصحراء من جديد وحين انتبهوا إلى ما انتهوا إليه و إن الرحلة على طرقٍ تصنعها الريح كانت ضياعا، بل كانت وهماً و إن المبتدأ هو المنتهى وإننا نراوح على البقعة ذاتها ما دمنا لا نملك صد الريح ولا وقف زحف الرمال وإن الريح كاذبةٌ في الغالب، وها أنا أجلس تحت ظل خيمتي أو خيبتي لافرق هو إرث آسلافي يملأ عيني لون الرمال الأصفر الذي كان يملأ عينيّ من مضى من قبل أتوق للأخضر الحي كتوق الأولين له، الرمل ذاته الذي شممتُ رائحته ببقاياهم ولا أرى حولي إلا الضِباب بعيونها الغائمة التي لا تعبرُ عن شيء وقد انشغلت بمآربها وانشغل العائدون من سُبل لا جدوى من ركوبها بالتهام اليرابيع من جديد، الضِبابُ مازالت تنظر بعيونٍ غائمةٍ دون أن تأبه بي وبهمومي وبتوقي إلى الأخضر الحي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى