نبيل سليمان - أيقونتنا يمنى العيد!

في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 1979، قررنا- بوعلي ياسين وأنا- الرحيل من (جّنة) سورية إلى (جحيم) بيروت، يسبقنا الأمل بالحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية والفارّين العرب مثلنا من جنّات بلادهم إلى جحيم الحرب الأهلية اللبنانية، أي: محمود درويش وحسين مروة ويحيى يخلف ومهدي عامل وفيصل دراج والياس خوري وماجد أبو شرار وأحمد صادق سعد ويمنى العيد ومحمد علي اليوسفي وشوقي عبد الحكيم وصنع الله ابراهيم وناجي علوش ومحمد دكروب ومحمد كشلي... والسوريين الذين سبقونا، ومنهم من كان الأمن السوري يطلبه: سليمان صبح (صاحب دار ابن رشد) وحيدر حيدر وحسين حلاق (صاحب دار كلمة) وأحمد منصور (صاحب دار الحقائق) وتوفيق دنيا ومحمد زاهد زنابيلي الذي أسس دار التنوير وعماد حليم وأحمد جمول وجورج طرابيشي وأدونيس وغادة السمان و...

كان محمد دكروب وحسين مروة من أوائل الذين التقيت بهم من الكتّاب اللبنانيين في دار الفارابي، وأذكر جيداً أنني سألت كلاً منهما بدوره عن مهدي عامل ويمنى العيد، وكم أسعدني أنهما وعداني بسهرة مع الثنائي الذي كنت قد قرأت ما صدر لهما: "مقدمات لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني" بجزأيه، و"أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية" لمهدي عامل، وليمنى قرأت كتابيها عن أمين الريحاني وقاسم أمين اللذين كانا قد صدرا قبل عشر سنوات، ويذكرّان بكتابة شوقي ضيف ومدرسته في التأرخة الأدبية، بلا أثر للماركسية.

كما كنت قد قرأت ليمنى كتابها النقدي الأول "ممارسات في النقد الأدبي". ولا أنسى توكيدها على أولوية النقد التطبيقي على الأدب، وعلى بزوغ التنظير من التطبيق. وقبيل قدومي إلى بيروت قرأت "الدلالة الاجتماعية لحركة الأدب الرومانطيقي"، فتضاعف تقديري لهذه الناقدة، عندما كانت الناقدة نادرة في الفضاء العربي.

بعد أكثر من أربعين سنة يمكن أن يُغفَر للذاكرة أن تحدد اسم المقهى الذي كان فيه لقاؤنا الأول، ومن زودني بهاتفها. لكنني لا أنسى أن الوقت كان الغروب، وأنني فوجئت بشابة ناحلة ووديعة، وبأننا بدونا كصديقين قديمين، وأن المساء البيروتي في كورنيش المزرعة بدا كأنْ لا أثر للحرب فيه. وقد تتوج اللقاء بموعد قريب، كان عليّ أن أصطحب فيه بوعلي ياسين إلى سهرة في بيت... في بيت من؟ يمنى أم مهدي؟ ولن أهتف من اللاذقية إلى يمنى في بيروت كي تعين الذاكرة الشائخة الخوّانة.

اعتذر بوعلي، لا لسبب إلا لطبعه الذي ليس له اندفاعي. وأسكرتني السهرة بصخب يمنى ومهدي وفيصل درّاج وصنع الله ابراهيم ومحمد دكروب، وربما حسين مروة، ولا أذكر من أيضاً، بل لست متأكداً إلا من بعض هذه الأسماء.

غادرنا بيروت، بوعلي وأنا، تسبقنا الخيبة، هو إلى اللاذقية، وأنا إلى المغرب فباريس، وهو إذن لقاء وحيد بيمنى، ستمضي سنوات قبل أن يتجدد في مدينة قابس التونسية، أثناء ندوة "الخطاب الروائي بين الواقع والأيديولوجيا"، التي انعقدت بين 25 و28 تموز/ يوليو 1985، ونظمها الصديق الراحل محمد الباردي (1947 – 2017). وممن شاركوا فيها محمود أمين العالم وعبد الرحمن منيف وحسين الواد وآخرين.

حمل البحث الذي قدمته يمنى عنوان "قتل مفهوم البطل: منظور فكري يخلق نمط بنيته في القص المعاصر".

ولا أنسى الشطر النظري من البحث الذي يخاطب الرواية العربية المعاصرة، بينما مضى شطره التطبيقي إلى قصة الياس خوري "رائحة الصابون".

وقد صدر– باقتراح مني – بحث يمنى مع بحث محمود أمين العالم "الخطاب الروائي، الواقع، الأيديولوجية"، ومع بحثي "الواقع، التخييل، الأدلجة في الرواية العربية المعاصرة" في كتاب مشترك عام 1986، في طبعة واحدة عن دار الحوار من ثلاثة آلاف نسخة: هكذا كان معدل الطباعة قبل أربعين سنة!

كان بحث يمنى العيد تمهيداً لمشروع متكامل تعمل عليه يمنى التي بدا أنها تسابق الزمن في تطوير وإثراء وضبط الجهاز النظري لنقودها، وأن التطبيقي من تلك النقود يتعمق ويغتني بالنظري كما يغتني به، وهذا ما سيظل العلامة الفارقة لمساهمات يمنى العيد الأكاديمية التالية، بل إنه يحضر بصيغ شتىّ في محاوراتها وأحاديثها.

في كتابي "المتن المثلث – 2004" كتبت ما لعله يتعلق بالتجربة النقدية ليمنى العيد، وإن كان يتعلق فقط بكتابيها "الراوي: الموقع والشكل دراسة في السرد الروائي" و"في معرفة النص"، حيث ذهبت إلى أنّ النظري والمنهجي لاشتغال يمنى النقدي يتبلور في الاتجاه الماركسي المستفيد من إنجازات البحوث العلمية على اللغة أو على البنية، والذي يتشكل، في حرصته على كشف الأيديولوجي في النص استمراراً للتيار البنيوي التكويني في خطوطه العريضة.

وينضاف إلى ذلك إلحاح يمنى على أن يظل الأدب في استقلاليته قولاً لما هو حاضر فيه، وإلحاحها على القراءة. وسوف يرافقها ذلك من بعد، حيث ترى النقد قراءة، والقراءة نقداً ينتج معرفة بالنص، مما يمكن الناقد من الحضور الفاعل في النتاج الثقافي للمجتمع، فلا قارئ بلا موقع، ولا نقد بلا موقع، ولا موقع إلا في الاجتماعي.

إذا كانت لقاءاتنا قد ظلت متباعدة فقد كانت قراءاتي لإبداعات يمنى النقدية تقرب اللقاء دوماً، حتى إذا قرأت سيرتها في "أرق الروح" وفي "زمن المتاهة" ما عاد الأمر لقاء في كتاب أو هاتف أو مؤتمر... ذلك أن يمنى – ها أنذا أعترف على الملأ – سكنتني.

لا يا يمنى، لا لهذه الكلمات: "ها أنا أعود في نهاية العمر إلى الصمت... لكنّ صمتي اليوم مسكون برائحة الموت بعدما كان مشحوناً برغبة الحياة وبأحلام التغيير".

صحيح أن العالم الذي صبوتِ – صبونا على تغييره لم يتغير، بل انتقل من سيء إلى أسوأ، وأننا غدونا أعداء أنفسنا؛ وصحيح ما هو أفدح هنا يا يمنى، في سوريا، وهنا ايضاً: في اليمن أو ليبيا أو العراق أو بلاد العرب أوطاني... ولكن انظري إلى الأمل: هذه الفتاة الصيداوية، هذه حكمت، هذه يمنى، هذا الاسم المثنّى مثل بوعلي ياسين (ياسين حسن) أو مهدي عامل (حسن حمدان) أو فيروز (نهاد حداد) أو أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) أو... والآن، الآن هذه يمنى، وهذه الغورنيكا السورية اليمنية الليبية الفلسطينية ال... وأنت أيقونتنا.
أعلى