محمود الورداني - أنا يحي الطاهر عبد الله!

إبريل ليس شهر الغبار والأكاذيب فقط، كما قال نجيب محفوظ، بل هو أيضا الشهر الذي ولد ورحل فيه صديقي الكبير يحي الطاهر عبد الله. تربطني بيحي أواصر عميقة وذكريات لاتغيب. ولحُسن حظي أنه أقام معنا في بيتنا بشارع التلاتيني بالعمرانية الغربية نحو سنة كاملة في غضون عامي 1969 – 1970 .
ربما كانت الجملة الوحيدة التي لايكف يحي عن ترديدها بغضب ونزق وفخر وبهجة: أنا يحي الطاهر عبد الله كاتب القصة القصيرة! كان يكررها دائما بسبب وأغلب الوقت بلا سبب.
كتبتُ من قبل عنه عدة مرات في صحف مختلفة، كما يحتل مكانة ومكانا في كتابي" الإمساك بالقمر" الصادر قبل عامين عن دار الشروق، ومع ذلك فذكراه ومغامراته التي كنت شاهدا عليها لا تغيب. من بينها مثلا موقعة الحمامة العجوز.. ففي أحد الأيام غابت أمي عن البيت لسبب ما، وبحثنا عن طعام فلم نجد، وقرصنا الجوع، حتى ساق لنا القدر حمامة دخلت من باب الشقة، فطاردناها واستطاع يحي اقتناصها. ذبحها ونظفناها ووضعناها عدة ساعات في حلّة على الوابور، نغيّر لها الماء كلما تبخر، وكلما تحسسناها وجدناها لم تنضج بعد. وعندما عادت أمي انفجرت في الضحك واخبرتنا أنها حمامة عجوز ولن تنضج مطلقا..
وفي إحدى الليالي، عدنا يحي وأنا من سهرة في أبي قتادة، التقى فيها يحي برجل غامض يسكن في عشة صغيرة قريبة من ترعة الزُمر. أحضر الرجل الجوزة وشربنا الشاي، وازداد غموض الموقف بالنسبة لي. وبعد أن خرجنا أخبرني يحي أن الرجل مكلّف بكتابة تقارير أمنية عنه، وأنه اعتاد أم يمرّ عليه ليضمن أن تكون تقاريره مضبوطة ولايضيف شيئا من عنده. لم يكن ضروريا أن أصدقه، وكان الكثير مما يحكيه لي ينتمي إلى الخيال..
الأهم أن اثنين من المخبرين اعترضانا ونحن عائدين بعد منتصف الليل بالقرب من البيت. طلبا هوياتنا، ولم نكن نحمل هويات، وقبل أن يتم اقيادنا، أخرج يحي من جيب سرواله صفحتين متقابلتين حديثتين وإن كانتا مجعدتين. كان منشور فيهما ثلاث قصص له في مجلة الإذاعة والتليفزيون وتتصدرهما صورته الشخصية. هذه كانت هوية يحي التي أشهرهها في مواجهة المخبرين، فضلا عن قدرته المذهلة على أن يُظهر الثقة والاعتداد والتعالي دون أن يصل إلى مرحلة الصدام، وقدررته أيضا على أن يواصل الكلام الغامض المفكك الذي يربك من أمامه، وأظن أن يحيي لم يكن يتعمد هذه الطريقة في الحديث، فهي طريقته مع الجميع اللا تفاهم : كلام مفكك غامض مربك.
تحوّل موقفنا مع المخبرين بالطبع، وبدلا من الزجر والتهديد، راحا يشكوان سؤ الحال وتدني الراتب، وطالبا يحي بأن يكتب في الصحف عن ظروفهما السيئة!!
وعندما كنت أصحبه في مرات قليلة إلى إحدى دور الصحف أو ماسبيرو، كان يدخل بثبات وثقة على موظفي الاستقبال، وقبل أن أنتبه أنا يكون الأخيرون قد انتقلوا من توقيفنا وسؤالنا عن هوياتنا، إلى الترحيب به، ويمضي معهم بعض الوقت في كلام مفكك غامض جانب منه عن مباريات الدوري أو الكأس التي يتابعها .يحي بكل دقة.
وهكذا لم يكن يحي يحتاج لهوية، وهو يته الوحيدة التي لم يملّ من ترديدها: أنا يحي الطاهر عبد الله.. كاتب قصة قصيرة.. فيما بعد نجح في استخراج هوية وكانت الوظيفة المدونة بها: كاتب قصة قصيرة..
كل سنة وانت طيب يايحي وألف رحمة ونور..

محمود الورداني
أعلى