أمل الكردفاني- الهروب من الغرفة- قصة

اليوم كباقي الأيام، ولذلك لا معنى لمعرفة تاريخه بالضبط، يكفي أن نقول بأنه منتصف الأسبوع أو أوله أو آخره. وماليمبو السمين فوق كرسيه وداخل قبضة يده اليمنى ساندوتش. ساندوتش من الهواء، مركبات من الأوكسجين والهايدروجين وغير ذلك. يقضمه ويرخي كرشه لينسحب الهواء من أسفله بارتياح.
"أنا الولد ماليمبو.. أنا هنا.. هنا في غرفتي منذ وقت طويل جداً.. ولا أعرف .. لا أعرف.. لأن هناك ذكريات قبيحة ومرِحة.. ولا شيء في غرفتي سوى ذكريات لوقائع لم تحدث.. إنني أصنع ذكرياتي.. أصنع أياماً كاملة.. بكل أحداثها.. ولقد اكتشفت أنه لا يمكن أن أمتلك ذكريات سعيدة دائماً لذلك اخترعت تراجيديا وكوارث.. تعذيب واغتصاب وتشرد وجوع وعطش.. ولكن بعد كل ألم تاتي الحلول وتمثل الحلول نقطة تحول سعيدة في المناخات التي تحيط بي.. تنمو الزهور.. تقبلني فتاة جميلة.. ولكن بعد ذلك تحدث المأساة ثم تنتهي لتبدأ لحظة سعيدة أخرى فارقص مع فتاتي الجميلة الرشيقة التي تحب كرشي.. وهكذا دواليك حتى تكونت لدي ذكريات إنسان كامل.. نعم فرغم أن عمري لم يتجاوز الرابعة والعشرين لكنني خلقت ذكريات حتى عمر الخمسين أو الخامسة والخمسين. ولا أريد أن امتلك ذكريات أكثر من ذلك.. رغم أنني في الواقع اكتشفت بأن العمر لا معنى له.. فأنا أستطيع أن أخلق ذكريات سعيدة لي حتى لو كنت بعمر مائة عام.. بل ربما تكون من أكثر الذكريات روعة.. لأن الاحتياجات الهامشية كالجنس واللحم المشوي تتساقط مع سقوط أسناني وتبدأ احتياجات أكثر التصاقاً بالكون من حولي.. سأقترب وأنا في تلك السن من الوجود أكثر وأكثر.. سأقترب من الزهور والفراشات وأمطار الخريف وصوت فرقعة الحطب في المدفأة شتاءً، وزقزقة العصافير في الحديقة التي سأخلقها خلف كوخي القابع على مطل البسفور أو الريف السويسري.. ثم ستنشب حرب هناك.. في البسفور أو سويسرا التي لم تكن محايدة أبداً وسيداهم جنود الأعداء كوخي ويقتلون أبنائي، وسأتعرض لتعذيب وحشي، وسأضطر للهرب عبر البراري والغابات وهناك أنفد بجلدي .. لا أعرف أين هناك بالضبط فهذا ليس مهماً.. ستبقى أحزاني داخلي لأنني فقدت أحبائي.. ولكن رغم ذلك سأستأجر محلاً صغيراً جديداً لبيع التحف الفنية.. لألتقي بحب عمري.. السيدة ماريانا.. وهي خمسينية تجيد عزف البيانو وستعلمني عزفه ونبدأ رحلتنا حول العالم كفرقة متجولة.. لا.. لا اعرف كيف سنموت لأننا في كل الأحوال لن نلتقي بموتنا.. وربما سأموت قبلها.. إنني أفضل هذه النهاية.. نعم سأصنع ذكريات وذكريات وأنا داخل الغرفة.. أما قدري الواقعي فلن يختلف كثيراً.. فأنا أتلقى راتباً شهرياً من الدعم الاجتماعي لأنني معاق تقريباً باعتباري مصاب منذ طفولتي بالتوحد.. هكذا قال الأطباء لوالدَيْ الذين اختفيا من حياتي فجأة وتركاني منذ الرابعة من عمري وأنا داخل هذه الغرفة.. هذا قدر رتيب وليس فيه أي ذكاء.. ليس فيه أي حبكة مشوقة.. لذلك كان علي أن أخلق ذكرياتي وأصدقها وأشعر بها واستردها وأحزن بها وأفرح بها.. هذا هو الهروب من هذه الغرفة الضيقة الرطبة التي ليس فيها سوى رائحة الفراغ كمسرحيات صوميل بيكيت.. أصنع الذكريات لأمنح جوهراً لوجودي.. فأموت راضياً.. البعض ينظرون إلى النجوم وأنا لم أشاهد نجمة واحدة منذ طفولتي.. أنا.. أنا لا أحلم بأن أكون إنساناً مشهوراً لأن الشهرة ذكرى ضيقة.. الشهرة ستسرق كل تشويق العمر.. المغامرة.. نعم إن استمراري موجوداً في هذا العالم في حد ذاته أكبر مغامرة.. ومن الخسارة أن تضيع هذه المعجزة في صورة ثابتة.. لقد بلغت درجة من تنويع ذكرياتي حد أنني تخيلت نفسي ممثلة مشهورة.. نعم تخيلت نفسي ممثلة غنائية مشهورة تعاني من قصة حب مستحيلة، فقد أحبت مؤلفاً مسرحياً مات قبل أن تولد بسبعين عاماً وتقرر -بكل جنون أن تبحث عنه- يا للهول.. كيف ستبحث عن رجل مات قبل سبعين عاماً من ميلادها؟ لقد قررت أن تعيده إلى الوجود.. فتتبعت سيرة حياته منذ ميلاده.. بحثت عن كل ما يتعلق به.. المنازل التي عاش فيها.. المدرسة التي درس فيها... مواقع المعارك التي قاتل فيها وأصيب في إحدى المعارك برصاصة في ساقه.. تبحث عن كل شيء يتعلق بحبها المستحيل.. ولكنها في النهاية تكتشف أن الرجل ليس كما كانت تتخيله من خلال مسرحياته.. بل كان مجرد كاتب متملق للسلطة خائن لزوجته ومقامر خاسر باستمرار.. ويتحول حبها العميق إلى كره أعمق وتشعر بأنها ضيعت شبابها في البحث عن كاتب حقير فتبدأ في كشفه وفضحه .. لكن لا أحد يكترث لها.. نعم.. في الآخر يكتشف الإنسان أنه مشى طويلاً طويلاً في الطريق الخاطئ وتكون عودته مستحيلة أو مكلفة جداً ولكنه يضطر إلى العودة ليبدأ من الصفر وقد فقد ثقته في قدره وقراراته.. أليس هذا بسبب كافٍ لأن أصنع ذكرياتي بنفسي.. فهذه الممثلة المشهورة التي هي أنا.. التقت في نهاية الأمر بي أنا نفسي.. نعم أنا صاحب المكتبة.. وعلمتني العزف على البيانو ثم قررنا أن نكون فرقة متجولة حول العالم.. إنني لم أحكي لي عن ماضيَّ الخاطئ وأنا -بدوري- لم أحك لي عن ماضي هروبي من الحرب ومقتل أولادي.. لم نكن محتاجين لنحكي لأنفسنا عن الماضي.. لقد قررنا ألا ننظر إلى الخلف.. وهكذا مضينا في طريق المستقبل لنصنع لحياتنا معنى جديداً كما يفعل النقاد الأدبيون مع النص.. ذكريات.. ذكريات.. ذكريات.. يا لها من حياة غنية مكثفة ومشبعة بالألم وبالحزن وبالفرح.. إنها حياة الإنسان الكامل بالفعل".
يقضم من ساندوتش الهواء ويجرع ماءً من كوب غير موجود.. ثم يرخي جسده لينسحب الهواء من تحته بارتياح.
يحاول القمر البحث عن نافذة للغرفة لكي يرسل إليها غلالة من ضوئه الأبيض المزرق لكنه لا يجد أي نافذة أو باب بل ولا حتى ثقب يتيح الهروب من تلك الغرفة.. كانت عبارة عن مكعب من الثلج الملقى هناك.. هناك .. ولا أحد يعرف أين هو الهناك هذا.

(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى