أمل الكردفاني - موظف الحسابات.. قصة قصيرة

▪ أخيرا استطعت أن أنتصر في معركة الدخول الى الحافلة ، المرأة التي خلفي الصقت صدرها بظهري وتنفست خلف اذني اليمنى تماما ؛ سخرت منها وانا اعلم بمثل هذه المكائد والشراك الانثوية ، الاغراء الذي يطلب منك تقديم تنازلات ، في الواقع درجة الحرارة كانت اثنتين وخمسين درجة مئوية ، لا احد في مثل هذا القيظ يتحمل التصاق ملابسه على جلده ناهيك عن التصاق جسد بشري به ، لقد لطمتها بكوعي على وجهها فتخلت عن التشبث بقميصي وترجلت عن باب الحافلة وهي تتألم ، هناك خمسة رجال يحيطون بي اثنان على جانبي الباب معلقان يتشبثان باطرافه وثلاث يدوسون على حذائي بقسوة ، اللكمات المتبادلة لم تتوقف بيننا ، وكلما اهتزت الحافلة تحت وطأة ثقلها وبسبب حفر الشارع ، كلما تلاكمنا زيادة ونحن نحاول التمسك بنسمة هواء حتى لا نطير خارج الحافلة ، الكمساري او المحصل شاب نحيل يربي شعره بطريقة كريستيانو لاعب كرة القدم ، يهز يده مكشكشا النقود المعدنية ، الجالسون فخورون بأنهم تمكنوا من ايجاد مقاعد ، رغم ان المقاعد ذات حديد صدئ يفتق الملابس ويطرها وكانت وسادات المقاعد نفسها ممزقة ، لكن رغم ذلك فهي نعمة كبيرة ، كانت الانفاس الساخنة ترقص في فضاء الحافلة ، لم اكن أرى شيئا فصحت بالكمساري:
- المجمع ... هل وصلنا؟ لكنه اكتفى بهز رأسه هزة خفيفة ، لم افهم معناها ، حاولت جمع انفاسي وكأنني سأغوص تحت المحيط ثم نطحت برأسي جهة اليمين فاخترق رأسي فاصلا بين رجلين وجزعت حين ادركت ان الحافلة تجاوزت المجمع فصحت: - يا بني ادم اوقف الحافلة لماذا لم تخبرني اننا تجاوزنا المجمع ، نظر لي باستهتار وصفر بفمه وبعد دقائق توقفت الحافلة ، نزلت منها واعدت تهذيب ملابسي ، ثم اخرجت كيس التنمباك وتناولت منه وجسدي يتفصد عرقا ، لم ابتعد كثيرا ، عشر دقائق واصل الى المجمع ، صفعت الشمس نافوخي ، ارتجفت قدماي قليلا حين احسست بسخونة الارض تتسرب الى باطن قدمي من بين نعل الحذاء ، والاتربة زادت الامر سوءا ، كيف سأسلي نفسي خلال هذه العشرة دقائق حتى اتناسى الحر ، فكرت في الغناء ثم عدلت عنه لأحصل على اجر وثواب وبدأت في قراءة سورة البقرة في سري. انني شديد التدين حينما اذهب الى مصلحة حكومية ، فمعونة الهية لقضاء حاجتي بيسر هي السلاح الوحيد في ظل الفوضى. الشمس افقدتني التركيز وحلقي كان جافا ، لكنني سعدت حين رأيت حشود الجماهير من بعيد وهي تعج بالنشاط دخولا وخروجا من المجمع ، نساء رجال مقعدين رجال شرطة ، ما اجمل هذا البلد ، ابتسمت ودلفت الى البوابة الكبيرة ، سألني شاب يرتدي ملابس عادية: الى اين يا شاب؟ اجبته: الحسابات لدي رسوم يجب ان اوردها اليوم. قال: الموظفون في الافطار عد الساعة الحادية عشر . درت على عقبي غير مكترث ببعض المواطنين الذين رفضوا العودة مطالبين بالدخول حيث ارتفعت الاصوات منذرة بشجار الا ان المواطنين وفي اللحظة الاخيرة شعروا بالخوف وخفت صوتهم متحولا الى استجداء ثم رأيتهم يعودون ورائي. لم يكن هناك ظل في الشارع ، رأيت بائعة شاي على ركن جدار قصي ، فتوجهت اليها وجلست طالبا كوب حرجل؛ ضحكت وقالت: انت حامل؟ نظرت الى وجهها النحيل الاسود واسنانها البيضاء ، وضحكت ؛ قلت : معدتي مريضة. قالت: طيب يا شاب .. ليس لدي حرجل ما رأيك في حلبة... رفضت عرضها وطلبت شيريا ، كانت البنابر وهي مقاعد صغيرة ممتلأة بالجالسين الذي ينتظرون عودة الموظفين من الافطار. نساء ورجال معاقين وشيوخ ، كانت هناك امرأة حامل ، بطنها منتفخة وهي تبصق بشكل ايقاعي مستمر على يمينها ، الشمس صفعت جبينها وتحول وجهها الى ظلال لم استبن ان كانت جميلة الوجه ام لا ، كنت اشعر بالخجل متصورا انني الوحيد الغارق في عرقه ، لكنني لاحظت تعرق البعض . سيارة بوكس دفع رباعي ضخمة (ولست خبيرا بالسيارات فربما لا تكون ذات دفع رباعي بل وانا اساسا لا اعرف معنى دفع رباعي) اقتحمت السيارة الضخمة الشارع دون اكتراث بالزحام منطلقة بسرعة كبيرة حتى اثارت الرغام من تحتها وتعفرت ملابس المواطنين ، صاح احدهم: سوق باحترام يا معلم .. لكن صوته لم يصل الى السائق فقد كانت سيارته قد اختفت. كنا نتوزع على الشارع في بنابرنا الصغيرة ، ودماؤنا تغلي من القيظ ، صاح احدهم: سيارة حكومية. لم اعرف ان كان يخبرنا ام يتساءل. غير ان رجلا ستيني قال: ارقامها عادية. قال الرجل: سلوك سائقها يدل على انها ملك لمسؤول.. انه قليل ادب. قفز صوت المرأة الحامل: وأين وجد الوقود مع هذه الأزمة... لقد خرجت من المنزل منذ السادسة صباحا ، ولم اجد مواصلات الا بصعوبة . قال الستيني: وهل هذا سؤال. عم الصمت ، ففي أماكن التجمعات ينتشر افراد الامن الذين يرتدون ملابس عادية ، ويختلطوا بالمواطنين ، ليقوموا بمراقبتهم عن كثب ، غالبا ما يكونوا من الشباب العشريني الذي ليس له مستقبل ، فمنحته الحكومة فرصة ان يكون بني آدم ولذلك يكون شديد الاخلاص أكثر حتى من رئيس الجمهورية. صمت الناس ولم يتداولوا الكثير حول السياسة ، ومرت الدقائق ببطء ، حتى الساعة الحادية عشر ، فتوجهت الحشود الى بوابة المجمع ، الا ان شابا آخر -ليس ذاك الأول- تلقاهم صائحا: لم يعودوا بعد من الافطار سنناديكم حين يعودوا.. لا تزحموا لنا المكان... تراجعت الحشود دون مقاومة ، وعادوا الى بائعة الشاي ، كان احدهم وهو اعرابي طويل القامة يرتدي جلبابا ابيضا وعمامة ، وقد انسالت العروق في رقبته ، كان قد جلس في مكاني ، فتخيرت مجلسا آخر. المرأة الحامل جرت بنبرها قرب ظل صغير برز من تحت الحائط وجلست فقفزت كرشها المنتفخة الى اعلى... تساءلت: الن يضايق ذلك الجنين في الداخل؟ لا زالت تبصق بايقاع منتظم على يمينها. هناك شابان يقفان ايضا ويدخنان ... وشخصيات اخرى عديدة لا اهمية لها .. في الواقع لا توجد اي شخصية لها اهمية في هذه القصة. قلت بغضب مفتعل: يفطرون لمدة ساعة... توقعت رد فعل الجماهير باستجابة ممتعضة لكنهم خذلوني وصمتوا. تداول بعضهم احاديث عن كرة القدم الاوروبية بشكل حماسي جدا ، ويبدو ان هذا الموضوع قد جذب الكثيرين الى المشاركة فيه. جاءت موجة من هواء ساخن لفحت وجوهنا ، وجلدتنا بذرات الغبار . كان علي ان اطلب شيئا لأشربه ، صحت: قهوة . سألتني: بدواؤ ام بدون دواء... قلت : زنجبيل فقط. مضت دقائق اخذت توزع البائعة المشاريب على الجموع ، واخيرا وبعد ان تجاهلتني طويلا جاءت ووضعت كوب القهوة . تركته قليلا امامي ، فالقهوة ككأس الخمر ، لا تشرب على عجل.. يجب ان يناديك فنجال القهوة هو بنفسه. لكنني حين رشفت منه اشتممت رائحة بلاستيك محروق وليس قهوة... انه بن رخيص ولولا الزنجبيل لكنت اشرب عجل سيارة محترق. مضت ساعة اخرى وتحركت الجموع نحو بوابة المجمع ؛ كنت في آخر الجموع ، وفوجئت بهم يعودون بوجوه مكفهرة ، سألت: ماذا حدث ، لم يجبني احد ، امسكت احدهم من كم قميصه ، فنفضه عن يدي وقال: ذهبوا لصلاة الظهر. عدنا الى بائعة الشاي ، كان ظل الجدار قد زاد قليلا فتوزع تحته الناس ، بعضهم فضل عدم الجلوس. وبعضهم ذهب لاداء الصلاة. بان وجه المرأة الحامل... ولم اجد فيه شيئا لا من الجمال ولا من القبح. غير ان بشرة وجهها كانت دهنية وهذا طبيعي لدى الحوامل. وضعت الصعوط على شفتي وجلست ، حرارة الأرض اخترقت نعل الحذاء فأخرجت قدمي ، لم اهتم للشراب المثقوب من ناحية صباع القدم الكبير. لا احد سيهتم اساسا بمثل هذه الاشياء التافهة . يمكنك ان تتغوط على ملابسك ولن يكترث بك احد. لا زالت الحامل تبصق متبعة ايقاعها المنتظم. ومرت الدقائق ، حينها سمعنا صياح شاب: لقد عاد الموظفون هيا الى الداخل.. من ليس لديه غرض لا يدخل .. سواء كنت صديقا ام رفيقا فلا تدخل ... اصحاب الغرض فقط يدخلون... دلفنا الى بوابة المجمع ، كنت وسط الجماهير ، وما ان لفحنا هواء المكيفات البارد حتى ارتفع الضجيج... بعض رجال الشرطة اخذوا يصيحون لتنظيم المواطنين في صفوف وطوابير ، وبعضهم تصيد المواطنين الذين بامكانهم دفع بعض النقود لتسهيل اجراءاتهم ، كنت أراهم وهم يدورون باوراق البعض بسرعة فيحصلوا على الاختام والتوقيعات من باقي الموظفين الذين لهم ايضا جزء من المعلوم . الا ان غرضي كان بسيطا وهو توريد رسوم في النافذة المخصصة لذلك ، وقفت في الصف وامامي قرابة ثلاثين شخصا. الا ان موظف الحسابات لم يحضر بعد . مرت ربع ساعة وبدأت الجموع في التذمر... صاح الاعرابي معرورق الرقبة بغضب: اين بتاع الحسابات... جاءه صوت موظف الحاسابات وهو يحمل كوب شاي غاضبا: لماذا تصرخ.. الا يمكنك ان تتحمل دقيقة. صاح الاعرابي بصوت جهور: تحملنا ثلاث ساعات الا يكفي هذا. بادله الموظف الصياح: لا لا يكفي .. هل انا اعمل في بيت ابوك. اتسعت عينا الاعرابي وصاح: وتأتي بسيرة ابي على لسانك... صاح الموظف: سيرة ابيك وسيرة جميع اهلك .. ماذا ستفعل... جاء شرطي يتبختر كالطاؤوس وقال من بين فتحتي منخاره: انت تعتدي على موظف عام ... صاح احد الرجال: بلا موظف عام بلا كلام فارغ... هذا الموظف فضلا عن تسيبه فهو غير محترم... استلمت المرأة الحامل الحديث وهي تصيح: لماذا تعاملون المواطنين بهذا الشكل الا يكفي ما تفعله الحكومة بنا من فقر وظلم ... ولكن لكم الحق في ان تفعلوا بنا اكثر من ذلك فالبلد لم يعد فيها رجال.... التفت اليها الرجال بغضب وضحك الشباب ، صاع الرجال: هذا الكلام عيب يا استاذة... كيف لا يوجد رجال..ومن نحن السنا رجال... صاحت مصرة على رأيها : لو كنتم رجال لما فعلت الحكومة بنا ما فعلت ... هذا الموظف الحكومي قليل الادب خير مثال على ذلك... انهم يحتقروننا... تسرب الشرطي خلسة وهمس: بوادر تمرد...
صاح الرجال: هذا موظف قليل الادب ..سوف نلقنه درسا. رفع الاعرابي عمامته والقاها بعيدا ثم امسك بتلابيب الموظف وجره من خلف النافذة ... ساد الهرج والمرج ... وبدأت اللكمات تتتالى على الموظف ، صرخ: تعتدون على موظف رسمي ... اتركوني.. اين الشرطة .. اين الامن... قالت المرأة... لستم رجال ان لم تفعلوها به.... تراجعت الى الخلف ... وتزايدت حشود الجماهير محيطة بالموظف .. ورأيت بنطال الموظف يطير من ورائهم... سمعت صراخه المرعوب.... وسمعت صوت المرأة الحامل وهي تقول: افعلوها به ... يا ليتني كنت امتلك ما تمتلكون لما ترددت في ذلك...
حاول باقي الموظفين انقاذ زميلهم .. ووقف رجال الشرطة دون حراك خارج البوابة ... رأيت قميص الموظف يطير والهرج والمرج يغطي صرخاته المرعوبة....
هرولت الى الخارج ، ورأيت ثلاث سيارات للجيش تقف محملة بالجنود ، ظلوا واقفين دون حراك ولكن اسلحتهم جاهزة... اما رجال الشرطة فقد اختفوا تماما ... سمعت صراخ الموظف وبكائه الحار... وصوت المرأة الحامل وهي تصيح: ايوة.. اعملوها فيه.. ربيب الحكومة الصعلوق...
نظرت الى الجنود وقلت لضابط شاب حليق اللحية: ألن تتدخلوا .. انهم يغتصبون الموظف....
تجاهلني ورفع هاتفه اللاسلكي قائلا: لا شيء .. الامن مستتب ... سيفرغوا غضبهم في الموظف ويعودوا الى هدوئهم من جديد يا سعادتو.... نعم لن نتدخل بحسب اوامركم يا سعادتو.... لا لن نسمح لهم بتصعيد الامر ...
مضت دقائق وبدأ الضجيج ينخفض وسمعت زغرودو المرأة الحامل... دلفت الى الداخل ووجدت الرجال وقد عادوا للانتظام في صفوفهم..... ؛ كان الموظف جالسا خلف النافذة وهو يبكي دون ان يتوقف عن تسيير امور المواطنين.... وكانت الحامل في مقدمة الصف.... صاحت: حكومة بنت كلب....
كانت الارض متسخة بالسوائل... والرائحة عفنة... لكنني انتظرت في الصف .. بهدوء شديد.... كان التكييف يصدر برودة رائعة .. وكان الجميع هادئين ... كانوا في الواقع راضين تماما عن واقعهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى