مريم بن بخثة - قبلة تحفر الذاكرة

بيدين متشابكتين كان علي و فاطمة يسابقان الريح بين المروج الخضراء تارة و تارة أخرى فوق التلال المترامية تسبقهما ضحكاتهما المتوهجة , و في أحايين كثيرة يهرولان وراء قطيع الماشية لا يملان من الركض و الضحك ، و حين تختفي الشمس معلنة رحيلها يكون تعب اليوم قد سلب كل طاقتهما فيلوذان إلى حجر الجدة ينعمان بدفئه و هي تحكي لهما الأحاجي أو يغرقان في نوم مباغت و أحلام طفولية تعيدهما إلى حيث كانا طيلة النهار، متعانقين شبه عاريين إلا من ثوب خفيف بسبب حر الصيف .

كان ذلك ديدنهما كلما حلت العطلة الصيفية ، يعيش فيها عليفرحه الطفولي مع فاطمة ابنة عمه ، كان لهما عالمهما الخاص ما بين رعي الغنم و السقاء و الركض في المروج أو مباغتة الدجاج و بين الركض في البراري حتى ينقطع تنفسهما، و كلما أقبلت الظهيرة كانا يستلقيان ممددين على العشب يحكيان لبعضهما،هو عن حياته مع أقرانه في المدينة كان يبدو كرجل صغير مفتخر معتد بنفسه و هي تحدثه عن حياة البادية و جمالها رغم الشقاء ،بضفائرها الشقراء كانت فاطمة جميلة التقاطيع رغم لفحات الشمس المنعكسة على بشرتها تبدو كقطعة نفيسة سيقان متناسقة ،وجه مستدير، عينين سوداوين كبيرتين ، فم مكتنز أحمر ،خدين متوردين، و قوام ممشوق رغم صغر سنها كانت تبدو متميزة .

حين تتوسط الظهيرة ظليهما يسوقان القطيع إلى ظل ظليل و يفتحان صرة الطعام لقمة من يده لفمها و لقمة من يدها لفمه، لم يكن حس الجنس حاضرا في جولاتهما ، و لم تكن تطرأ تلك الأفكار الساخنة بخلدهما، فقط كانا سعيدين برفقة بعضهما، حتى فاجأته ذات يوم قائلة : - علي تعالى لأريك كيف يفعل الكبار ، و جذبته نحوها بشدة واضعة فمها على فمه .

كانت تلك أول قبلة يحصدها علي الصغير، رغم اندهاشه بما فعلته فاطمة إلا أنه أحس بسعادة عارمة تغمره.

مضت الأيام متتالية ليحل الخريف ثم الصيف ، دار الزمن دورته شب العود و استقام ، انشغل علي بدراسته و امتلأ جسد فاطمة لتصير فتاة يافعة قادرة على الاعتناء بالماشية و حلب الأبقار و الكنس و الطبخ و أتقنت الخياطة و التطريز لم يسمح لها والدها أن تحدو حدو علي فتدرس، كان عيبا أن تذهب الفتاة للمدرسة ، " كل فتاة هي امرأة بالمستقبل ووظيفتها في الحياة أن تعرف كيف تكون زوجة و ربة بيت " ، ذلك كان شعار والدتها التي كانت تردده على مسامعها كلما عبرت عن رغبتها في التعلم ،ثم ما فتئت أن انتقلت إلى بيتها الجديد زوجة راعية للزوج و الأهل ، بعدها تناسل الأولاد تباعا كل فصل صيف بطفل جديد تنجبه حتى تجاوزت ثمان ولادات، و غابت ملامح فاطمة التي كانت غالية على قلب علي ، الذي نسيها في غمرة حياة المدينة و بعده عن القرية ، صارت له أشياء أخرى يختبرها في معترك الحياة و مرافقة أقرانه بالمدينة ، كبر ليصير رجلا يافعا مثقفا ، جاب الحياة بطولها و عرضها و تعلم فن التقبيل و المشاغبة ، لكن الذاكرة دائمة ظلت وفية لطفولة و قبلة بريئة مازالت محفورة ككنز مرصود و إنغيبت متاهات الحياة كل ما يتعلق بها.

على أبواب الأربعين يسافر علي رفقة أسرته لتقديم العزاء في حق عمه الذي غادر الحياة ، كثرت الوجوه و تعددت الأشكال و عجز علي على التعرف على الكثير من أهله ، فالبادية صارت محطة قديمة قدم طفولته ، جلس بين الجموع يقدم التحيات لمن عرف و من لم يعرف ، فالواجب يحتم أن يصافح من تربطهم به صلة الدم و المصاهرة ، تفاجأ كثيرا من عدم قدرته على معرفة الجميع ، لكن حرجه ظل يتزايد حين صافحته امرأة مسنة و هي تناديه باسمه بلا تكلف:

والله زمان يا السي علي / واغبورات هذي,

ابتسم محييا المرأة و الأسئلة تطن في رأسه عن هوية هذه العجوز التي تعرفه و هو يجهلها، و كأنها قرأت ما يجول بخاطره ردت عليه مستنكرة:

- ويحك أنا فاطمة بنت عمك هل نسيتني؟

نظر إليها مستغربا وهو يردد:
- " سبحان الله كم تغيرت والله لم أعرفك"

و لسان حاله يقول لها مستنكرا ، "ويحك أيتها المرأة أين أضعت فاطمة النحلة الجميلة".

أحدث المراجعات

قصة جميلة، راهنت على الحكاية، واختارت الحديث عن طفلين جمعتهما الطفولة وفرقت بينهما الكهولة، ليلتقيا في وقت متأخر من العمر، يجمعهما فيه حدث قديم يستعصي على النسيان، لي ملاحظة حول خصوصية السرد، أقترح فيها الانطلاق من لحظة اللقاء، ثم استغلال تقنية الاسترجاع لعرض أحداث الطفولة .. بذا نتجاوز السرد الزمني الخطي الطويل، ونقف عند لحظة زمنية محدودة تقتضيها خصوصيات السرد القصير ,,
والتحية لأختنا مريم
  • Like
التفاعلات: مريم بن بخثة

تعليقات

شكرا لك اخي محمد فري على التعليق و اعتذر على التاخير في الدر .الفكرة جميلة و ساشتغل عليها ان شاء الله ممتنة لك و لمرورك دم بخير
 
أعلى