بدوي الجبل - يا سامر الحي!.. شعر

يا سامر الحي هل تعنيك شكوانا ... رقَّ الحديد وما رقوا لبلوانا
خلّ العتابَ دموعاً لا غناَء بها ... وعاتبِ القوم أشلاء ونيرانا
آمنت بالحقد يزكي من عزائمنا ... وأبعد الله إشفاقاً وتحنانا
ويل الشعوب التي لم تسق من دمها ... ثاراتها الحمر أحقاداً وأضغانا
ترنح السوط في يمنى معذبها ... ريَّان من دمها المسفوح سكرانا
تغضي على الذل غفراناً لظالمها ... تأنق الذل حتى صار غفرانا
ثارات يعرب ظمأى في مراقدها ... تجاوزتها سقاة الحي نسيانا
ألا دم يتنزى من سلافتها ... أستغفر الثأر بل جفت حميّانا
لا (خالد) الفتح يغزو الروم منتصراً ... ولا (المثنى) على رايات شيبانا
أما الشام فلم تبق الخطوب به ... روحاً أحب من النعمى وريحانا
ألمَّ والليل قد أرخى ذوائبه ... طيف من الشام حيانا فأحيانا
حنا علينا ظماءً في مناهلنا ... فأترع الكأس بالذكرى وعاطانا
تنضر الوردَ والريحان أدمعُنا ... وتسكب العطر والصهباء نجوانا
السامر الحلو قد مر الزمان به ... فمزق الشمل سماراً ولدمانا
قد هان من عهدنا ما كنت أحسبه ... هوى الأحبة في بغداد لاهانا
فمن رأى بنت مروان حنت تعباً ... من السلاسل يرحمْ بنت مروانا
أحنو على جرحها الدامي وأمسحه ... عطراً تطيب به الدنيا وإيمانا
أزكى من الطيب ريحاناً وغالية ... ما سال من دم قتلانا وحرحانا
هل في الشام رعاك الله والدة ... لا تشتكي الثكل إعوالاً وإرناناً.
تلك القبور فلو أني ألم بها ... لم تعْد عيناي أحباباً وإخوانا
يعطى الشهيد فلا والله ما شهدت ... عيني كإحسانه في القوم إحسانا
وغاية الجود أن يسقي الثرى دمه ... عند الكفاح ويلقي الله ظمآنا
والحق والسيف من طبع ومن نسب ... كلاهما يتلقى الخطب عريانا
قل للألى استعبدوا الدنيا بِسيفهم ... من قسم الناس أحراراً وعبداناً
إني لأشمت بالجبار يصرعه ... باغ ويرهقه ظلماً وطغيانا
لعله تبعث الأحزان رحمته ... فيصبح الوحش في برديه إنسانا
والحزن في النفس نبع لا يمر به ... صادٍ من النفس إلا عاد ريانا
والخير في الكون لو عريت جوهرة ... رأيته أدمعاً حرى وأحزانا
سمعت باريس تشكو زهو فاتحتها ... هلا تذكرت يا باريس شكوانا
والخيل في المسجد المحزون جائلة ... على المصلين أشياخاَ وفتيانا
والآمنين أفاقوا والربوع لظى ... تهوى بها النار بنياناً فبنيانا
رمى بها الظالم الطاغي مجلجلة ... كالعارض الجون تهداراً وتهتانا
أفدي المخدرة الحسناء روَّعها ... من الكرى قدَر يشتد عجلانا
تدور بالقصر عدْواً وهي باكية ... وتسحب الطيب أذيالاً وأردانا
تجيل والنوم ظلُ في محاجرها ... طرفاً تهدهده الأحلام وسنانا
فلا ترى غير أنقاض مبعثرة ... حوين فناً وتاريخاً وأزمانا
. . . تلك الفضائح قد سميتها ... هلا تكافأ يوم الروع سيفانا
نجا به الظلم سكران الظبي أشراً ولا سلاح لنا إلا سجايانا
إذا انفجرت من العدوان باكية ... فطالما سمتنا بغياً وعدوانا
عشرين عاماً شربنا الكأس مترعة ... من الأذى! فتملي صِرفها الآنا
ما للطواغيت في باريس قد مسخوا ... على الأرائك خداماً وأعوانا
الله أكبر هذا الكون أجمعه ... لله لا لك تدبيراً وسلطانا
ضغينة تتنزى في جوانحنا ... ما كان أغناكم عنها وأغنانا
تفدى الشموس بضاح من مشارقها ... هلال شعبان إذ حيا بشعبانا
دوت به الصرخة الزهراء فانتفضت ... رمال مكة أنجاداً وكثبانا
وسال أبطحها بالخلي آبية ... على الشكيم تريد الأفق ميدانا
وبالكتائب من فهر مقنعة ... نضاحك الشمس هندياً
مُرَّانا تململ الفاتحون الصِّيد وازدلفوا ... إلى السيوف زرافات ووحدانا
السابقات وما أرخوا أعنتها ... والحاملات المنايا الحمر فرسانا
سفر من المجد راح الدهر يكتبه ... ولا يضيق به جهداً وإمعانا
قرأت فيه الملوك الصيد حاشية ... والهاشميين طِغراء وعنوانا
شد الحسين على الطغيان مقتحماً ... فزلزل الله للطغيان أركانا
نور النبوة في ميمون غرته ... تكاد تلثمه الأجفان فرقانا
لاث العمامة للجلي ولست أرى ... إلا العمائم في الإسلام تيجانا
يا صاحب النصر في الهيجاء كيف غدا ... نصر المعارك عند السلم خذلانا
أكرمت مجدك عن عتب هممت به ... لو شئت أوسعته جهراً وتبيانا
ما للسفينة لم ترفع مراسيها ... ألم تهيئ لها الأقدار ربانا
شقِّي العواصف والظلماء جارية ... باسم الجزيرة مجرانا ومرسانا
ضمى الأعاريب من بدو ومن حضر ... إني لألمِح خلف الغم طوفانا
يا من يدل علينا في كتائبه ... نَظارِ، تطلع على الدنيا سرايانا


مجلة الرسالة - العدد 626
بتاريخ: 02 - 07 - 1945

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى