محمد بنميلود - شمسٌ مُضحكةٌ أكثر من اللّازم

نَسْتَيْقِظُ لنتبادل النّكات. أوّل شيء مضحك يقابلنا هو الشّمس، إنّها مضحكة أكثر من اللاّزم. كلّما رأيتُها إلاّ وسقطتُ أرضًا من الضّحك والقهقهات المتتالية.
لا أستطيع الحفاظ على صرامتي أمام مشهد شمس صفراء في السّماء تشرق وتغرب، ثّم تشرق لتغرب من جديد!
ثمّ إنّها ساخنة إن لمستها بيدك، ساخنة ومضحكة خصوصًا أنّها صفراء! الأصفر لا يمكن أبدًا أن يكون لونًا جِدِّيًّا؛ يكفي أن تكون البطّيخة صفراء حتّى أفقد ثقتي إلى الأبد في اللّون الأصفر.
أنا شخصيًّا تضحكني كلمة: بطّيخة. قد لا تضحك الجميع، وهذا هو ما يجعلها مضحكة أكثر، ألاّ تُضحك أيّ أحد. زِدْ أنّ الأصفر لون تهريجيّ بامتياز، خصوصًا الأصفر الفاقع الّذي هو لون بطّيخة غير ناضجة.
وهو أيضًا لون شمس الصّيف. في الصّيف، الكلّ يذهب إلى الشّاطئ ليسبح ويضحك على الشّمس بإفراط، من الصّباح حتّى المساء.
أَمْرٌ عاديٌّ جدًّا أن ينخرط المصطافون كلّهم في هستيريا ضحك جماعيّ بسب منظر شمس تقوم بحركات بهلوانيّة فوق الماء، كدلفينة عازبة، وإلاّ فماذا سيفعلون إن لم يتمرّغوا فوق الرّمل ضحكًا وحبورًا؟!
اسْتَيْقَظْتُ هذا الصّباح وتذكّرت نكتة حلمت بها، دائمًا أحلم بنكات مضحكة للغاية، حين أستيقظ أسجّلها في دفتر ضخم قبل أن أنساها.
الجميع يحلمون بآلاف النّكات كلّ ليلة، الّذين يتذكّرونها يحكونها لنا، والّذين لا يتذكّرون أيّ شيء يكتفون بالضّحك مجَّانًا.
أَضْحَكُ سواء أكانت النّكتة مضحكة أم غير مضحكة، إن كانت غير مضحكة تبدو لي مضحكة أكثر. ذات مرّة نظّمت جمعيّة أمسية فنيّة، كان الجمهور غفيرًا في المرآب الكبير الّذي قالوا عنه أنّه مسرح. اعتلى المُهرِّّّجان الخشبة المصنوعة من صناديق خضار، لإضحاكنا. كانا فعلاً غاية في الفشل الذّريع في التّهريج. الجمهور ظلّ صارمًا. أنا انفجرت ضحكًا، ضحكتي المُضحكة أضحكت البعض فقهقهوا، بعد ذلك انخرطت القاعة كلّها في ضحك جنونيّ وتساقطٍ من الكراسي البّلاستيكيّة البيضاء إلى الأرض الباردة المبلّلة بلعاب الضّحك. سال دمع البعض، وأغمي على البعض.
أنهى المهرّجان فقرتهما وغادرا الخشبة عابسَين إلى الكواليس، لكنّنا واصلنا ضحكنا رغم ذلك دون أن نفهم سبب الضّحك. قام رجل محترم وقال: إنّ المهرّجيْن كانا حقًّا مضحكيْن يا سادة. فضحكنا أكثر حين قالها، وأيضًا أكّدنا كلامه بالتّصفيق.
أراد المنظّمون تقديم فقرات أخرى متنوّعة ومملّة. لكنّنا طالبنا بعودة المهرِّجَيْنِ إلى الخشبة.
وقف رجل آخر وقال وهو يحرّك يديه يمينًا ويسارًا ويرسم في الهواء دوائر ومثلّثات: إنّهم خدعونا في كل شيء، وإنّنا نريد تبادل النّكات بسلام، وإنّنا نريد أن نضحك كما نشاء دون أن يطلب منّا أحد الصّرامة أمام أمر جلل، وإنّ الشّمس تضحكنا حقًّا لأنّها تشبه بطّيخة مشتعلة، وإنّ النّاس يحلمون فقط بنكات مضحكة ولذلك ينامون أكثر ممّا يستيقظون، وينسون للأسف كلّ تلك النّكات فتضيع هباء منثورًا، وإنّ الّذي يتذكّر نكتة يحكيها لنا بسرعة كي ندّونها في دفتر ذهبيّ ضخم، لأنّ النّكات تُنسى بسرعة، فلا أحد يحفظ نكاتًا مسلِّية عن ظهر قلب، بل لا يتذكّر أبدًا أيّ نكتة إلاّ إذا سمع نكتة أخرى تُحكى، وهذا أمر سيّئ أن تحتاج نكتة فلا تجدها حتّى مقابل الدّراهم، وإنّ النّهار الغائم مضحك هو أيضًا، إذ إنّ رؤية الشّمس مضحكة وأيضًا اختباؤها خلف الغيوم مضحك أكثر، وإنّ الجنازة هي أفضل مكان للانفجار بقهقهة أو لكتمها بمجهود كبير حتّى تسيل من عينيك دموع الفرح والبهجة.
بعد ذلك استدار جهتنا، وقال: ما رأيكم أيّها الإخوة المحترمون هنا أن نتبادل بعض النّكات!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى