المتوكل طه - أبو شيبان...

لعل إيمانَ أبي شيبان لم يحتمل أن يرى "الاحتلال الاسرائيلي في القدس"! ويسقط عليه هذا الأمر قدراً ثقيلاً! فالأهون عليه أن يغادر هذا الواقع والقدر المحتوم ويغادر وَعْيه، لأن هذا الوعي لا يستوعب قسوة "الحقيقة" المناقضة لكل وَعْيه واحتمالاته.
وبمغادرته إلى عوالم كثيرة، فإنه يكون في حالة دفاع دائم عن إيمانه الذي تقهقر أمام ذلك الحدث الداهم الثقيل.
وبالتأكيد، فإن إيمان أبي شيبان لم يتغيّر، لكنه هُزم كشخص. فثمة مؤمنون لا يحتمل إيمانهم أن يُهزم، لأنهم يدركون أن هناك مُجبرات وفجائع وحقائق مبهظة في الحياة، لهذا يقاومونها ويرفضونها ويتألمون لذلك، وقد يُهزَمون كأشخاص، لكن إيمانهم لا يُهزم! لأنهم على يقين أن الإيمان كينونة وليس كائناً.
* * *
نشعر بندم شديد! لكننا كنّا صغاراً لا نُدرك أن اجتماعنا ولحاقنا بأبي شيبان وصراخنا خلفه مستهزئين سيورثنا هذا الندم الممضّ!
كان رجلاً قد تجاوز السبعين، يمشي هائماً على وجهه المفزوع بلحية شائكة بيضاء، وسروال متّسخ، حافياً زائغاً، وكثيراً ما كانت روزته تنفتح فتبدو كالعباءة على كتفيه، فتظهر شلحته المتسخة وسرواله الفضفاض المُهترئ.
وأبو شيبان كان رجلاً ولا كل الرجال.. عاقلاً.. دمثاً.. قليل الكلام.. محتشماً.. خجولاً.. ذا مروءة وكرم، لكن صبيحة اليوم الثاني من نكسة حزيران العام 1967 كانت كافية لأن يخرج أبو شيبان على غير هدى إلى الناس يسألهم عمّا جرى، فصار يمسك بقبّة هذا ويد ذاك، ويلكز هذا ويصرخ في وجه ذاك، وهو غير مُصدّق، ويكرّر جُملته الواحدة: هل هُم في القدس الآن؟ ثم يصرخ: الاحتلال في القدس.. يا باي، ويلطم على وجهه، ويبكي! فيضرب الناس كفّاً بكفّ ويقولون: لقد جُنّ أبو شيبان!
وظلّ أبو شيبان ينظر في الوجوه، ويتفحّص الخلائق الذين انغمسوا في أعمالهم صارخاً في وجوههم، يشدّ مَنْ يجده، حتى باتوا يتحاشونه، كأنهم يفرّون من سؤاله الذابح!
كان طبيعياً أن تصدف أبا شيبان دائراً كالزوبعة في الأزقة والشوارع، يتمتم بكلامه المُبهم وخطواته السريعة التائهة، حتى غاب عن الأنظار، ولم يفطن أحد لغيابه، فقد وجدوه متكلّساً في حقل الليمون جوار البلدة لشِدّة البرد، فظنوه مجمّداً أو مغمياً عليه، لكن طبيب الوحدة الصحية أكد أنه ميت منذ ما يزيد على شهر، والعجيب أن جثته لم تتعفّن ولم تتغضّن، وظلت بطراوتها وأنفاسها الدافئة كأنه حيّ يرزق.
وظلّت البلدة دون سؤال!
*****

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى