عبد الزهرة عمارة - الرمال الحمراء

وصلها عند الظهيرة .......
ملابسه العسكرية عليها غبار الحرب ودخان البارود .. وصلها لتوه من الجبهة حيث حرب الخليج أوشكت أن تندلع
طرق الباب عدة طرقات سريعة
فتح الباب ......
وفجأة وبدون استئذان سقطت عليه واحتضنته بقوة وراح بدوره يطوقها بذراعيه ويشبعها لثما وتقبيلا
قالت له وهي تعانقه
ــ حمدا على السلامة
ــ مشتاق جدا .. حصلت على أجازه لمدة يومين
ــ يومان فقط .. ؟ قليله جدا ..
ــ الوضع خطير .. نتحسب في أي لحظة يهاجمنا الأمريكان
ثم عدل عن كلامه وقال
ــ اتركيني قليلا .. رائحة ملابسي نتنة من أرض المعركة .. أريد أن أغتسل
قاطعته بتوسل وتأكيد
ــ لا تقل ذلك .. يهون كل شيء للغالي .. غبار الحرب عطر عندي
ضحك وقال
ــ أحبك كثيرا
ــ وأنا أحبك واطلب من الله أن يحفظك من كل مكروه .. أنا من غيرك أكاد أغرق !
ضمها الى صدره مرة ثانيه عند سماعه لكلماتها ....
وضع ذراعه الأيمن تحت كتفيها وذراعه الأيسر تحت فخذيها وحملها على صدره قاصدا غرفة النوم
ألقت نظرة شاملة عليه .. رأت بدلته العسكرية متسخة وعليها أثار من رمال الصحراء الحمراء ..وبدون تردد قالت
ــ سأعد لك الحمام
تحررت من ذراعيه ببطء وراحت تعد له الحمام وهي ترقص طربا لمجيئه .
بدأت تنزع الحذاء من قدميه تتبعها الجوارب وتقول
ــ ما هي أخبار المعركة .؟.
لم يجبها واستمرت بنزع بدلته العسكرية وتركته قليلا وراحت تقوم بأعداد الغداء
دخل الحمام ولم يغلق الباب وفتح الدوش وراح يفرك شعره بالصابون والماء بيديه التي خشنتها رياح الصحراء ونادى عليها
ــ تعالي أغسلي ظهري
أسرعت كالطلقة وهمت بالواجب وهي تتمتم
ــ يا ألهي كم أسود ظهرك .. لقد ظهرت عليه طبقات محروقة من قيظ الصحراء .. سأدهنها لك بعد الحمام
راحت تعد له أكلته المفضلة .. مرقة الباميا .. بلحم العظــم ..
وتتذكر...
منذ أن تزوجها قبل سبعة أشهر وأمريكا تلوح باجتياح بغداد . حرب جديدة في الخليج ...
وتذكرت عندما استدعي لخدمة الاحتياط والتحق بإحدى الفرق العسكرية كان يعشق هذه الأكلة وكان يضربها أذا وجدها خلاف ذلك .
لقد تركها أكثر من شهر وكانت الإجازات ممنوعة لأن الحرب قد تقوم في أية لحظة ...
قالت في سرها
ــ لابد من استقباله بصورة غير عادية ... يجب أن أحضر له كل ما يشتهيه .. علي واجب مضاعف هذه المرة.. سأجعله في غاية السرور سأوفر له كل ما يحتاجه لأبعد عنه لعنة الحرب وأثار الصحراء.
أكملت الغداء ... وأكمل الحمام .. وأنطلق يأكل بعفوية ويقول
ــ بارك الله فيك لقد وقعت على الجرح .. الباميا كم أحبها .....
كانت مرتديه ثوبا سماويا ضيقا وملتصقة به وعلى وجهها ابتسامه الرضا
ــ بالعافية ..
قالتها وهي تمد يدها لتمسك باللحم وتقطعه وترسله الى فمه وتقول
ــ كُل !.. كُل !.. لقد أتعبتك الصحراء
تركته قليلا ودخلت الحمام وراحت تمشط شعرها بعد الحمام وترتدي ثوبا أحمرا شفافا وتضع على وجهها شيئا من المساحيق وترش على جسمها قليلا من العطر وتتقدم إليه وهو لا يزال يأكل لتقول له
ــ هنيئا ..
التفت إليها ودارت عيونه تتفحص هذا الجمــــال المختبئ ..
قام من المائدة على الفور وذهب مسرعا الى المغسلة وعاد كالثور الهائج وانقض عليها وهي تقول
ـــ على مهلك ... أمامك يومان
ليقول لها
ــ سنة لا تكفي !!
طوقها بذراعيه وقبلها كثيرا ....
ابتسمت وهي تنظر إليه كالمجنون .. وهو يعبث بخصلات شعرها البلور .
داعبها بكل حرارة حتى تعب ... وأخيرا أغمض عينيه وأسبل جفنيه ونام ..
مر اليومان كلمح البصر وغادر الى الجبهة وفي قلبه لظى ...
أجهشت بالبكاء .... هرعت تعانقه بحرارة .. طوقها وطبع على خدها قبلة أحس بالحياة .. ودعته وهي مهيضة الجناح مكسورة الخاطر لا تعرف سخريات القدر
ــ مع السلامة .. يحرسك الله ..
قالتها وهي ترتجف وتضغط على كفيه بقوة ....
ويرد عليها
ــ الى اللقاء
وسكبت الماء من ورائه وهي تقول
ــ ليحفظك الله


كانت المعركة حامية الوطيس .. استخدمت فيها كل الأسلحة المتاحة حتى المحرمة دوليا ..

وضعت الحرب أوزارها بعد أكثر من شهر . أستشهد من العراقيين عدد كثير وأسر البعض وهام على وجهه في الصحراء البعض الأخر
مضت أربعة أشهر ولم يرجع زوجها ..
ساورتها الشكوك ... وأخذ القلق يدب في رأسها .
ــ استشهد .. وقع في الأسر .. هام في الصحراء .. لطفك يا رب ... رحمتك يا الله .
وكان يوما مشهودا عندما طرق الباب ... ليفتح وتراه ملفوفا بالعلم العراقي ... لم تصرخ ... لكنها زغردت في بادئ الأمر ... لكن سرعان ما رمت بنفسها على التابوت ... غابت روحها قليلا
لم تتمالك .. خانتها أعصابها .. جن جنونها ...
راحت تضرب التابوت تريد أن تنتزع أخشابه وصرخت بقوة
ــ أريد آن أراه ...
فتح التابوت .. كشف لها الغطاء ...دققت في وجهه وأخيرا صدمت ... هدأت قليلا وأمعنت النظر جيدا في وجه زوجها ..
صدمت مرة ثانية وصرخت
ــ ليس زوجي
انبهر الحاضرون....
طلب من معارفه للتأكد من الجثة ...
وأخيرا حسم الموضوع حيث ظهرت جثة شخص أخر
رفعت يدها الى السماء تطلب العون ...
مضت أكثر من ثلاث سنين ولم يعد .. كانت تسأل نفسها هل قتل وترك في الصحراء ؟ ...
لم تعرف الإجابة
وإذا جئت اليوم الى دارها ستجد امرأة كللها السواد وأحاطها الحزن وخيم عليها الوجوم .
تجعدت بشرتها وذبل عودها واصفر وجهها وبانت عروقها ...
تصلي كثيرا وتتضرع الى الله عسى ان يجمع شتاتهما كما جمع النبي يوسف بأبيه النبي يعقوب .




عبد الزهرة عمارة

  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى