أمل الكردفاني- المفَسِّر- قصة

إن المُنتحر لا يخسر سوى التوقعات...كان يهرع دوماً ليحكي لي عن حلم رآه، يقصه بجدية بالغة..ثم يطلب مني تفسيره، أمنحه تفسيراً متفائلاً حتى لا يرفضه، بل يتعلق به.
- رأيت في المنام أن نبتة خرجت من الأرض ثم تفتحت عن جوهرة في شكل بيضة كرستالية، أضاءت وجهي ثم العالم بأسره..
وحين أصمت منتظراً باقي الحلم ينتبه لذلك ويحاول استدعاء باقيه:
- انشقت البيضة، فحملتها وطرت إلى السماء لأصلحها..
يكمل سرد حلمه، ويبدو أنه يخلط الحلم بشيء من الخيال. وحين يطول صمته أعرف أن الحلم انتهى:
- تفسيره واضح جداً..هذه البيضة هي ابنتك..ستتزوج من رجل غني جداً..
فيقول:
- ولكن..ليس لدي ابنة..
فأقول:
- سيكون لك عما قريب..
فيسأل:
- كيف وأنا غير متزوج..
فأجيبه:
- ستتزوج..
تهدأ روحه..
بعد أيام أخرى:
- ارسلوني ألى عالم الجن..
حينها أعلم أنه يسرد حلماً:
- كانت مدنهم مقسومة لنصفين..نصف مظلم للجن الكافر ونصف منير للجن المؤمن..
ولا أستطيع أن أفسر مثل هذا الحلم التقريري.
وها قد مضت سنوات، ولم تتحقق تفسيراتي الإيجابية..جاءني صوته على الهاتف:
- ما الذي يخسره من ينتحر..
كدت أن أجيبه:
-ليس سوى الأحلام..
لكنني قلت:
-ليس سوى التوقعات..
قال بصوت خفيض:
حسنٌ..
ثم أغلق الهاتف..
إننا في عالم المؤسسات، هكذا كنت أظن..لكنني حين رأيت صورة جثته المعلقة على عمود كهرباء أدركت أننا في عالم الخيبات...أولئك الذين يتحولون لوقحين، كانت تلك خيباتهم. واولئك الذين عاشوا كمسحوقين تلك خيباتهم، والوجوديين الذين نقموا على الوجود بسبب خيباتهم وقس عليهم المجرمين والدكتاتوريين والمنتحرين والأيتام وضحايا المجرمين والإرهابيين..الخيبات تضع بصمتها دائماً..فتراها ترقص في عدسات العيون...إن ذلك المبتسم هناك..بسمته تلك فرضتها خيبته على شفتيه..وخيبات الإنسان نشأت عن إفهامه خطأً -منذ طفولته- بأن العالم منتظم، رغم أنه فوضوي جداً..، ولذلك فهو يُقحم فيه بأدوات نسقية (تعليم، عمل، أسرة، دولة، أوراق ثبوتية، رياضيات...الخ)..رغم أنها ادوات تسكينية للأعراض،..
- لقد عبر..
هكذا يترجمون كلمة الموت..لأنهم يرفضونه..ويقبلون بالحياة رغم أن جوهر العالم موبوء بالفوضى. وهنا يكتشف الإنسان الواعي بكينونته، عالماً غريباً..عالماً ليس لديه اشتراطات..إنه لا يلعب النرد لكنه النرد نفسه..نرد يلقي بذاته في بقعة الظلمة، دون أن يستقر...وحين نغمض أعيننا في الإغفاءة الأخيرة...نكون بالفعل قد اندمجنا في روح الفوضى...
أنزلوه ولم أقترب، بل ظللت بعيداً، حتى لا أتذكر الحلم الأخير الذي سرده لي..
- كانت تقف بعيداً..وهناك مطر لا أراه..أحبتني..لم تقل هي ذلك لي..بل شعرت بذلك..لقد طارت من غير أجنحة فلحقت بها...وفي قلب العماء السماوي..تحولت لكتلة موجية ولم أعد أراها.. لكنني أدركت بأنني وصلت..
يصطرد:
-طبعاً في الأحلام لا أحد يشرح لك شيئاً بل تفهم كل شيء دون كلام كحديث بين عاشقين..
حاولت تفسير الحلم كعادتي تفسيراً إيجابياً، لكنني لم أستطع:
- الفتاة... الفتاة..
وكان ينتظرني كي أكمل جملتي..، وكانت جملتي تنحبس في حلقي..
- ليست سوى التوقعات...
نظر نحوي ثم مضى..كنت أدرك خطورة أن يفقد عالم الأحلام..وقد كان..
(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى