تزاحمت الأسئلة في ذهنه، ابتسم دون أن يعلق على استفسار زوجته:
-"ما هذا؟ هل نرجع إلى قريتك ؟"
أبهجت قلبه، برعشة محب رأى محبوبته بعد لهفة، رائحة شوارع تلك القرية التي افتقدها كثيرًا، ومناظرها التي تدور أمام عينيه كأنها سلسلة من الصور تشكل مشهدًا يلخص حياته، وهو الذي راقت له الحياة المرفهة كأنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، عاد لقريته، ولم يتعجب أن وجدها كما تركها، مشى مشية المعتد بنفسه وماله، ورأى المواصلات المتكدسة في الطرق الترابية التي تئن من الإهمال بعيدًا عن العاصمة!
أيُّ رغبة مسيطرة، أعادته من الحياة المليئة بالسحر إلى هذه القرية الرافضة لمنطق التغيير؟! وما موقعها على خريطة الكون؟
لم يدرك، بأي صورة، السبب الذي جعله يخرج من بيته منقبض القلب، برغم ما تسلل إلى روحه من إحساس بفعل رذاذ نسمات الصبح النديَّة، وقد اشتم رائحة الفلافل، تسيل اللعاب، مغلفة بمذاق القرية، وقنوات الريِّ التي تنبض بدفقات تحيي موات رقعتها.
رأى من بعيد، في الضباب الذي اكتست به الآفاق، ظل رجال، لم يتمكن من التحقق من هويتهم، ربما يسرقون ما معه من أموال، ثمن الأرض التي ورثها عن أبيه وما كان البيع إلا اضطرارًا، سيودعها في حسابه بمجرد أن يفتح المصرف بابه، فكاد قلبه يتوقف، وابتلع ريقه مارًّا بمحاذاتهم، محاولًا الابتعاد قدر الإمكان، حتى إذا جاءهم لم يجدهم سوى دُمىً، على شكل فزاعات، مصنوعة من القش ومخبأة في ثياب!
لم يرغب يومًا أن يفصح لزوجته عن الآلام التي كان يحملها في قلبه؛ إذ لم يرغب أي شخص في تغيير قريته للأفضل، بل مشهد قديم معاد لفلاحين يصطحبون ماشيتهم نحو الحقول، مرَّ عليهم فعرفهم وهم له منكرون ، رمقهم بنظرة من يشك في استعدادهم لتغيير نمط حياتهم، و في مرمى بصره لمح، دَهِشًا، طائر "الهدهد" اللافت بعُرفه البني الكستنائي الذي يميز رأسه ونصفه الأسفل الأسود المرقط بالريش الأبيض، يطير في شموخ، بعد أن انحنى على الحقل الموازي للطريق يلتقط الدود بمنقاره !
شعر بضُعفٍ في ركبته اليسرى بمجرد أن هرول في مشيته، و بآلام مبرحة أسفل ظهره، لكنه حافظ على هدوئه، وبعد لحظة دار بعينيه في كل اتجاه، يشبعهما من مناظر قريته في نظرة استثنائية تعيده لحياته الأولى و تبعثه من جديد، فتحلق معها في الآفاق !
كان يهم بمتابعة السير، ولكن شيئًا ما أتاه فجأة فباغته؛ وقف شاخصًا ببصره على طائر "الهدهد" الذي بادله النظر في عجب، كأنه يستكشف الغريب الذي عاد إلى القرية مضطرًا دون أن يمنح نفسه الفرصة للشعور بمتعة العودة إليها !
كان الأمر عسيرًا؛ إذ كان صعبًا أن يتذكر فصول الرواية ، في نسق محكم يعطي انطباعًا مريحًا للأعصاب ، لكنه بعد برهة تمكن بصعوبة أن ينشط ذاكرته المتعطلة، آخر مشاهد الحياة الوثيرة - في الغربة- حيث تلقى تهديدًا من صاحب الفيلا التي استأجرها ، يطالبه بتسوية وضع إقامته هو وأسرته، تأخر ستة أشهر عن سداد قيمتها بعد توقف أعماله بسبب الكورونا ، وزاد الطين بلة حب زوجته لنمط الحياة المترف الذي يأخذ في طريقه الأخضر واليابس طوال الوقت مما يجعله عصبي المزاج، ولكن لحسن الحظ كانت الحياة ميسورة الحال، مما أشعره بالرضا؛ فمنذ أربع وعشرين سنة لم يكف عن التنزه والسفر في الشتاء أو الصيف. تبدل الحال بعدما اعتاد ألا يحمل للدنيا همًّا ، لكنها تتقلب بين أحوال شتى !
اعتراه أسى عميق، ما أقسى الحياة في تلك القرية ، التي تئن تحت وطأة الحرمان من أهم مقومات الإنسانية، بعد التمتع بكل ما رأى في حياته. أحست قدماه بوعورة الطريق، وكان يرتدي الملابس العصرية ويدخن السيجار، وقد ركن سيارته -المستعملة- في جراج أسفل منزل حديث البناء على مشارفها ، وقف ينظر إلى السماء متعجبًا من صفاء الجو ! آخر ما تبقى في ذاكرته من تلك الأيام، السيارة الفارهة، المدرسة المرموقة التي قيد أولاده بها، عمله الخاص الذي توقف فجأة، وتهديدات صاحب الفيلا !
وضع نظارته الشمسية، ثم توقف يسأل زوجته: "هل كانت أي قرية -زرتها في العالم- أكثر دفئًا من قريتي؟! "
اقتربت منه، ولم تكف عن النظر إليه بعين قاسية، ووضعت يدها فوق كتفه وكأنها تريد أن تواسيه، وقالت إن قرية "شيراكاو-غو" اليابانية هي الأجمل على وجه الأرض، ثم ابتلعت ريقها متذكرة أحلى أيام حياتها معه في قرية "سيدي بو سعيد" التونسية، لكن السماء أوحت لها بشيء؛ إذ أدركت سبب حنينه لمتعة السير في مسقط رأسه .
شعر "محمد" أنه في المكان المحاط بكل مقومات الطُمأنينة؛ حينئذ تطلع نحو زوجته وقال في استخلاص لتجربته :"في القرية دفء قلوب، خلف الجدران، لا يقطع أنسها المتأصل إلا زوبعة عابرة . لم أشتمُّ يومًا رائحة العطر في طريقي كما أتنسم عبير الياسَمينِ في تلك اللحظة".
رأى حينها أنواع الزهور المختلفة، وقد تفتحت فوق الأشجار على جانبي الطريق، تنظر -تمامًا مثل أهله الأصفياء- في كبرياء تارة، و في خشوع تارة أخرى إلى السماء، غير أنه تيقن من قدرته على إقناع زوجته بالعودة.
www.facebook.com
-"ما هذا؟ هل نرجع إلى قريتك ؟"
أبهجت قلبه، برعشة محب رأى محبوبته بعد لهفة، رائحة شوارع تلك القرية التي افتقدها كثيرًا، ومناظرها التي تدور أمام عينيه كأنها سلسلة من الصور تشكل مشهدًا يلخص حياته، وهو الذي راقت له الحياة المرفهة كأنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، عاد لقريته، ولم يتعجب أن وجدها كما تركها، مشى مشية المعتد بنفسه وماله، ورأى المواصلات المتكدسة في الطرق الترابية التي تئن من الإهمال بعيدًا عن العاصمة!
أيُّ رغبة مسيطرة، أعادته من الحياة المليئة بالسحر إلى هذه القرية الرافضة لمنطق التغيير؟! وما موقعها على خريطة الكون؟
لم يدرك، بأي صورة، السبب الذي جعله يخرج من بيته منقبض القلب، برغم ما تسلل إلى روحه من إحساس بفعل رذاذ نسمات الصبح النديَّة، وقد اشتم رائحة الفلافل، تسيل اللعاب، مغلفة بمذاق القرية، وقنوات الريِّ التي تنبض بدفقات تحيي موات رقعتها.
رأى من بعيد، في الضباب الذي اكتست به الآفاق، ظل رجال، لم يتمكن من التحقق من هويتهم، ربما يسرقون ما معه من أموال، ثمن الأرض التي ورثها عن أبيه وما كان البيع إلا اضطرارًا، سيودعها في حسابه بمجرد أن يفتح المصرف بابه، فكاد قلبه يتوقف، وابتلع ريقه مارًّا بمحاذاتهم، محاولًا الابتعاد قدر الإمكان، حتى إذا جاءهم لم يجدهم سوى دُمىً، على شكل فزاعات، مصنوعة من القش ومخبأة في ثياب!
لم يرغب يومًا أن يفصح لزوجته عن الآلام التي كان يحملها في قلبه؛ إذ لم يرغب أي شخص في تغيير قريته للأفضل، بل مشهد قديم معاد لفلاحين يصطحبون ماشيتهم نحو الحقول، مرَّ عليهم فعرفهم وهم له منكرون ، رمقهم بنظرة من يشك في استعدادهم لتغيير نمط حياتهم، و في مرمى بصره لمح، دَهِشًا، طائر "الهدهد" اللافت بعُرفه البني الكستنائي الذي يميز رأسه ونصفه الأسفل الأسود المرقط بالريش الأبيض، يطير في شموخ، بعد أن انحنى على الحقل الموازي للطريق يلتقط الدود بمنقاره !
شعر بضُعفٍ في ركبته اليسرى بمجرد أن هرول في مشيته، و بآلام مبرحة أسفل ظهره، لكنه حافظ على هدوئه، وبعد لحظة دار بعينيه في كل اتجاه، يشبعهما من مناظر قريته في نظرة استثنائية تعيده لحياته الأولى و تبعثه من جديد، فتحلق معها في الآفاق !
كان يهم بمتابعة السير، ولكن شيئًا ما أتاه فجأة فباغته؛ وقف شاخصًا ببصره على طائر "الهدهد" الذي بادله النظر في عجب، كأنه يستكشف الغريب الذي عاد إلى القرية مضطرًا دون أن يمنح نفسه الفرصة للشعور بمتعة العودة إليها !
كان الأمر عسيرًا؛ إذ كان صعبًا أن يتذكر فصول الرواية ، في نسق محكم يعطي انطباعًا مريحًا للأعصاب ، لكنه بعد برهة تمكن بصعوبة أن ينشط ذاكرته المتعطلة، آخر مشاهد الحياة الوثيرة - في الغربة- حيث تلقى تهديدًا من صاحب الفيلا التي استأجرها ، يطالبه بتسوية وضع إقامته هو وأسرته، تأخر ستة أشهر عن سداد قيمتها بعد توقف أعماله بسبب الكورونا ، وزاد الطين بلة حب زوجته لنمط الحياة المترف الذي يأخذ في طريقه الأخضر واليابس طوال الوقت مما يجعله عصبي المزاج، ولكن لحسن الحظ كانت الحياة ميسورة الحال، مما أشعره بالرضا؛ فمنذ أربع وعشرين سنة لم يكف عن التنزه والسفر في الشتاء أو الصيف. تبدل الحال بعدما اعتاد ألا يحمل للدنيا همًّا ، لكنها تتقلب بين أحوال شتى !
اعتراه أسى عميق، ما أقسى الحياة في تلك القرية ، التي تئن تحت وطأة الحرمان من أهم مقومات الإنسانية، بعد التمتع بكل ما رأى في حياته. أحست قدماه بوعورة الطريق، وكان يرتدي الملابس العصرية ويدخن السيجار، وقد ركن سيارته -المستعملة- في جراج أسفل منزل حديث البناء على مشارفها ، وقف ينظر إلى السماء متعجبًا من صفاء الجو ! آخر ما تبقى في ذاكرته من تلك الأيام، السيارة الفارهة، المدرسة المرموقة التي قيد أولاده بها، عمله الخاص الذي توقف فجأة، وتهديدات صاحب الفيلا !
وضع نظارته الشمسية، ثم توقف يسأل زوجته: "هل كانت أي قرية -زرتها في العالم- أكثر دفئًا من قريتي؟! "
اقتربت منه، ولم تكف عن النظر إليه بعين قاسية، ووضعت يدها فوق كتفه وكأنها تريد أن تواسيه، وقالت إن قرية "شيراكاو-غو" اليابانية هي الأجمل على وجه الأرض، ثم ابتلعت ريقها متذكرة أحلى أيام حياتها معه في قرية "سيدي بو سعيد" التونسية، لكن السماء أوحت لها بشيء؛ إذ أدركت سبب حنينه لمتعة السير في مسقط رأسه .
شعر "محمد" أنه في المكان المحاط بكل مقومات الطُمأنينة؛ حينئذ تطلع نحو زوجته وقال في استخلاص لتجربته :"في القرية دفء قلوب، خلف الجدران، لا يقطع أنسها المتأصل إلا زوبعة عابرة . لم أشتمُّ يومًا رائحة العطر في طريقي كما أتنسم عبير الياسَمينِ في تلك اللحظة".
رأى حينها أنواع الزهور المختلفة، وقد تفتحت فوق الأشجار على جانبي الطريق، تنظر -تمامًا مثل أهله الأصفياء- في كبرياء تارة، و في خشوع تارة أخرى إلى السماء، غير أنه تيقن من قدرته على إقناع زوجته بالعودة.
Log into Facebook
Log into Facebook to start sharing and connecting with your friends, family, and people you know.