لم تكن من عاداتي ارتياد المقاهي، لكنني اعتدت مؤخرًا الجلوس فيها كل صباح أحتسي القهوة قبل ميعاد بصمة العمل.
في يوم غَيومٍ من أيام الشتاء، كانت معالم الأصالة ترتسم على وجهها الصَّبوح وهي تساعد ولدها الوحيد في إدارة القهوة. بدا عليها أثر الزمن جليًّا؛ فاشتعل رأسها شيْبًا، أسفل طرحتها، وبرزت عظام وجهها، وحرصت على أن ترتدي نظارة سوداء. قالت -كما فعلت مرارًا- إنها كانت فاتنة في صباها برغم فقد بصرها مؤخرًا، ثم صاحت بصوت واهن:
-«منهم لله الإرهابيين، هنلاقيها منين ولا منين، قتلوا تسعة من ولادنا في سينا، كفاية إننا نقول يا رب مع كل أدان».
رأيت البرق وهو يضرب ويشق السحب، دخل أحد الزبائن يطلب علبة سجائر، وما أن سمعتْ صوته إلا وقالت:
-«يا مصطفى يا مصطفى أنا بحبك يا مصطفى، كانت بتغنيها داليدا، عارفين إنها من شبرا؟ سمعتهم في الراديو بيقولوا انتحرت!»
لقَّمتُ القهوة وشرعتُ في صنعها؛ إذ كانت، رغم إعاقتها، بمفردها لبعض الوقت، ووجدتُ في ترقُّبها لذةً لا تقل عن متعة شربها بتمهلٍ.
بعد جلوسي بلحظات، تأملتُ مرتادي القهوة، وقد انزوى في أحد أركانها، شاب قوي البنية متوسط القامة خمري البشرة متسخ الأظافر، ينفث دخان المعسِّل الكثيف إلى الداخل؛ فيحمر وجهه، وسرعان ما تظهر علامات انسجام المزاج على ملامحه، ثم يتراقص بجسمه ويديه ورأسه كمن يتفاعل مع أغنية مطربه المفضل، ومددت يدي في دهشة، غير مرة؛ لمصافحته كلما ترك مقعده متجهًا نحوي، كأننا أصدقاء قدامى!
جلس بجانبي شيخٌ بلغ من العمر مداه، سمْح الوجه أنيق المنظر، متلاحق الأنفاس، بدين، له لحية بيضاء قصيرة، وكان يبدو حكيمًا قد اكتملت نظرته للحياة، وكأنه قد خاض منافسات ونزاعات، وتعرض للهلاك مئات المرات، وقال:
-«ربنا ينصرنا في موال سد النهضة، الواد الإثيوبي مستقوي، لكن عندهم خلافات وحروب، برغم إنه حصل على نوبل في السلام! عندنا رجل كبير وعاقل؛ كشف كذبهم لجميع الدول!»
نظر إليَّ في إمعان ثم قال:
-«رأيك إيه يا فندي؟»
كان السؤال من القوة والمفاجأة ما جعلني متحيرًا، وقلت:
-«لأي حد يحب مصر بلدنا دار، ولو يفكر يوم يعادي هتبقى نار، وراها جيش شغله يخطط ليل نهار، وفي حضن قلبه هموم الكل الصغار قبل الكبار، رغم إن جيش الدفاع غير الدمار.
لكن الحقيقة صبحت لكل الناس واضحة وضوح الشمس في كبد السما وسط النهار، السد ضار، لكن كبيرنا تفكيره غير؛ على كل دم هنا أو هناك ضميره حار.
السد عمره ما كان من غير صحاب، السد عمره ما كان ملك الحبش ولا عمره كان أداة حصار، السد روحه في مصر وفي قلب السودان عمار.
لكن المهم في يوم نقوم الصبح نحضن بعضنا ونقول لبعض: ياه، السد كان كابوس وغار».
ارتجف متسائلًا بصوت مبحوح: «فكرك هتنتهي بسهولة كده؟!»
لم يقطع هدوء المكان سوى صوت الريح تعصف والرعد يقصف، ثم انهمر المطر. حينئذ قدِمَ رجل عبوس أشعث الشعر، نحيف أشبه بهيكل عظمي، له وجه شاحب اكتسى بالهزال، في سن الخمسين أو يزيد، يردد بعض الأدعية في تمتمة، كان غارقًا في الهمِّ بلا شك، وقد وضع يده على صدره، ثم جلس ممسكًا برأسه بشكل يثير الشفقة.
ألقى التحية بصوت متحشرج على الجالسين ثم ردَّ على سؤالي عن حاله:
-«تزوج أبي بابنة خالته التي انتقلت إلى جوار ربها منذ سنوات، ومرض هو بعد رحيلها، وانشغلنا عنه، فلم يرافقه سوى عمي الذي تقاعد قبل بضع سنين، شعرنا بالذهول من حبه لصلة الرحم وقربه الشديد منه، لدرجة أن أبي أوصى له ببعض مقتنياته.
ليلة الوفاة، أذهلنا برغبته في النوم في سرير شقيقه؛ لذا فقد اضطُرتْ زوجتي إلى المبيت في منزل أسرتها، وكذا زوجات إخوتي!
قال بصوت خرج من بين ضلوعه:
-«سيب المفتاح في الباب، بلاش أزعجك ساعة صلاة الفجر».
جلستُ على السرير ومددتُ يدي أفتح الدولاب، أُصغي لصوت صريره وأنا أصحو من نعاسي، لم أعثر على مبرر منطقي لما قام به، ملابس والدي الفاخرة، ساعته، هاتفه المحمول، ماكينة الحلاقة المستوردة، بل وكل مقتنياته، أخذ كل شيء؟! عمي؟!
قبل دقائق، أخبرني محامي العائلة أنه استغل دخوله في غيبوبة سكر ووضع بصمةَ إبهامِه على الورق ناقلًا كل ممتلكاته لنفسه!»
ما إن فرغ هذا الرجل من حكايته الصادمة حتى قلتُ في اشمئزاز:
-«ما هذا الهراء الذي لا يقبله أي منطق؟!
أشعرُ أن الأمر غريب جدًا لدرجة تجعله مستحيلًا، لا أحد يستطيع تأليف كذبة بهذا الحجم المأساوي!»
اقترب ميعاد بصمة الحضور؛ فاندفعت واضعًا حساب القهوة في يد "عطيات" التي لم تكف عن الدعاء لي متجاوزة، بصورة تثير العجب، أمي في حنانها، ثم هرعت إلى العمل ووصلتُ إلى مكتبي ممتقع الوجه، وصدري يعلو ويهبط بلا توقف أفكرُ في ذلك النذل الذي خلَّف وراءه بصمةٍ سوداءَ في جبين البشرية، لم أشعر بهذا الإحساس نحو شخص كما شعرت في تلك اللحظة، واندفعتُ لأفتح جهاز الكمبيوتر، وبلا كلمة أخرى اكتفيتُ بثرثرة القهوة عن الكلام باقي اليوم!
أحمد عبدالله إسماعيل
في يوم غَيومٍ من أيام الشتاء، كانت معالم الأصالة ترتسم على وجهها الصَّبوح وهي تساعد ولدها الوحيد في إدارة القهوة. بدا عليها أثر الزمن جليًّا؛ فاشتعل رأسها شيْبًا، أسفل طرحتها، وبرزت عظام وجهها، وحرصت على أن ترتدي نظارة سوداء. قالت -كما فعلت مرارًا- إنها كانت فاتنة في صباها برغم فقد بصرها مؤخرًا، ثم صاحت بصوت واهن:
-«منهم لله الإرهابيين، هنلاقيها منين ولا منين، قتلوا تسعة من ولادنا في سينا، كفاية إننا نقول يا رب مع كل أدان».
رأيت البرق وهو يضرب ويشق السحب، دخل أحد الزبائن يطلب علبة سجائر، وما أن سمعتْ صوته إلا وقالت:
-«يا مصطفى يا مصطفى أنا بحبك يا مصطفى، كانت بتغنيها داليدا، عارفين إنها من شبرا؟ سمعتهم في الراديو بيقولوا انتحرت!»
لقَّمتُ القهوة وشرعتُ في صنعها؛ إذ كانت، رغم إعاقتها، بمفردها لبعض الوقت، ووجدتُ في ترقُّبها لذةً لا تقل عن متعة شربها بتمهلٍ.
بعد جلوسي بلحظات، تأملتُ مرتادي القهوة، وقد انزوى في أحد أركانها، شاب قوي البنية متوسط القامة خمري البشرة متسخ الأظافر، ينفث دخان المعسِّل الكثيف إلى الداخل؛ فيحمر وجهه، وسرعان ما تظهر علامات انسجام المزاج على ملامحه، ثم يتراقص بجسمه ويديه ورأسه كمن يتفاعل مع أغنية مطربه المفضل، ومددت يدي في دهشة، غير مرة؛ لمصافحته كلما ترك مقعده متجهًا نحوي، كأننا أصدقاء قدامى!
جلس بجانبي شيخٌ بلغ من العمر مداه، سمْح الوجه أنيق المنظر، متلاحق الأنفاس، بدين، له لحية بيضاء قصيرة، وكان يبدو حكيمًا قد اكتملت نظرته للحياة، وكأنه قد خاض منافسات ونزاعات، وتعرض للهلاك مئات المرات، وقال:
-«ربنا ينصرنا في موال سد النهضة، الواد الإثيوبي مستقوي، لكن عندهم خلافات وحروب، برغم إنه حصل على نوبل في السلام! عندنا رجل كبير وعاقل؛ كشف كذبهم لجميع الدول!»
نظر إليَّ في إمعان ثم قال:
-«رأيك إيه يا فندي؟»
كان السؤال من القوة والمفاجأة ما جعلني متحيرًا، وقلت:
-«لأي حد يحب مصر بلدنا دار، ولو يفكر يوم يعادي هتبقى نار، وراها جيش شغله يخطط ليل نهار، وفي حضن قلبه هموم الكل الصغار قبل الكبار، رغم إن جيش الدفاع غير الدمار.
لكن الحقيقة صبحت لكل الناس واضحة وضوح الشمس في كبد السما وسط النهار، السد ضار، لكن كبيرنا تفكيره غير؛ على كل دم هنا أو هناك ضميره حار.
السد عمره ما كان من غير صحاب، السد عمره ما كان ملك الحبش ولا عمره كان أداة حصار، السد روحه في مصر وفي قلب السودان عمار.
لكن المهم في يوم نقوم الصبح نحضن بعضنا ونقول لبعض: ياه، السد كان كابوس وغار».
ارتجف متسائلًا بصوت مبحوح: «فكرك هتنتهي بسهولة كده؟!»
لم يقطع هدوء المكان سوى صوت الريح تعصف والرعد يقصف، ثم انهمر المطر. حينئذ قدِمَ رجل عبوس أشعث الشعر، نحيف أشبه بهيكل عظمي، له وجه شاحب اكتسى بالهزال، في سن الخمسين أو يزيد، يردد بعض الأدعية في تمتمة، كان غارقًا في الهمِّ بلا شك، وقد وضع يده على صدره، ثم جلس ممسكًا برأسه بشكل يثير الشفقة.
ألقى التحية بصوت متحشرج على الجالسين ثم ردَّ على سؤالي عن حاله:
-«تزوج أبي بابنة خالته التي انتقلت إلى جوار ربها منذ سنوات، ومرض هو بعد رحيلها، وانشغلنا عنه، فلم يرافقه سوى عمي الذي تقاعد قبل بضع سنين، شعرنا بالذهول من حبه لصلة الرحم وقربه الشديد منه، لدرجة أن أبي أوصى له ببعض مقتنياته.
ليلة الوفاة، أذهلنا برغبته في النوم في سرير شقيقه؛ لذا فقد اضطُرتْ زوجتي إلى المبيت في منزل أسرتها، وكذا زوجات إخوتي!
قال بصوت خرج من بين ضلوعه:
-«سيب المفتاح في الباب، بلاش أزعجك ساعة صلاة الفجر».
جلستُ على السرير ومددتُ يدي أفتح الدولاب، أُصغي لصوت صريره وأنا أصحو من نعاسي، لم أعثر على مبرر منطقي لما قام به، ملابس والدي الفاخرة، ساعته، هاتفه المحمول، ماكينة الحلاقة المستوردة، بل وكل مقتنياته، أخذ كل شيء؟! عمي؟!
قبل دقائق، أخبرني محامي العائلة أنه استغل دخوله في غيبوبة سكر ووضع بصمةَ إبهامِه على الورق ناقلًا كل ممتلكاته لنفسه!»
ما إن فرغ هذا الرجل من حكايته الصادمة حتى قلتُ في اشمئزاز:
-«ما هذا الهراء الذي لا يقبله أي منطق؟!
أشعرُ أن الأمر غريب جدًا لدرجة تجعله مستحيلًا، لا أحد يستطيع تأليف كذبة بهذا الحجم المأساوي!»
اقترب ميعاد بصمة الحضور؛ فاندفعت واضعًا حساب القهوة في يد "عطيات" التي لم تكف عن الدعاء لي متجاوزة، بصورة تثير العجب، أمي في حنانها، ثم هرعت إلى العمل ووصلتُ إلى مكتبي ممتقع الوجه، وصدري يعلو ويهبط بلا توقف أفكرُ في ذلك النذل الذي خلَّف وراءه بصمةٍ سوداءَ في جبين البشرية، لم أشعر بهذا الإحساس نحو شخص كما شعرت في تلك اللحظة، واندفعتُ لأفتح جهاز الكمبيوتر، وبلا كلمة أخرى اكتفيتُ بثرثرة القهوة عن الكلام باقي اليوم!
أحمد عبدالله إسماعيل