جبرا ابراهيم جبرا - متوالية شعرية بعضها للطيف وبعضها للجسد

-1-

ما لطيف مرابطا دوما ببابي،
في غرفة جلوسي ، في
غرفة نومي في
مكتبتي، جالسا على منضدتي،
يعبث باوراقي، يشخبط بقلمي،
مكررا نفسه كما في الف مرآة ،
هامسا، عابسا، يزم
بشفتيه اللذيذتين ، ضاحكا
مرسلا شعره على وجهي،
على عيني، فقحما يديه
بين كتبي، وذراعاه تتراقصان ،
وجسمه يفعي كالف افعى
في غابة تغيب فيها عن وعيها
نشوة حتي الملائكة ..
الا بالله يا حبيبتي
لتولي لطيفك أن يرأف بي،
وافهميه
ان الزائد زائد عن حده ،
وأنني في الزحمة من وجوهه
قد لا أرى وجهك انت،
وفي الزحمة من أصواته
قد يضيع على صوتك انت
لكنه لن يطيعك، ادري،
فهو يعلم انني في قرارتي
يلذ لي ان يكرر وجهه
امام عيني،
عاكسا بمراياه حضورك
المتواثب أبدا في دمي،
لأتساءل في النهاية حائرا:
ايكما الطيف عندي، وايكما الجسد
ايكما حقا واقعي، وايكما حقا حلمي؟

-2-

تساءلت ، لعيد ميلادك
اباقة ورد اهديك
أم زجاجة عطر فرنسي
أكعكة من اشهر حلواني
في المدينة ،
ام عقد من عقيق يماني؟
ولكن كلها بالنقود ما اسهل ان تشتري،
وما للحب دور في صنعها.
ما الذي اهديك اذن
فما وحده الحب يصنعه
وبالنقود لا يباع ولا يشترى؟
قال شيطاني: قصيدة !
بل قصائد!
قصيدة لعينيها،
وأخرى لخديها،
وقصيدة لشفتيها
الاجمل من عقيق يماني
(والاطيب ، لو ذقتهما،
من كعكة اشهر حلواني)
اينافسني في حبك
هذه الايام شيطاني؟
ام انتما متعاونان ؟
فهو بعيني يردك ،
فينطق ماكرا بلساني:
وها نحن نهديك معا
لعيدك الميمون
اجمل ما اشتركنا
في صنعه حبا وأماني:
قصائد
هي ورد ومطر وحلوى
وقلائد، بمال الدنيا
لا تشتري، لانها
اعز ما في كنوز العشاق
والشياطين
من كلمات ومعاني
باقية ، ربما، ابد الدهر،
كاروع ما في الدنيا
من مبالى

-3-

احمني، يا طيفها احمني
بحسن ، بحلاواتك احمني
من هذا القبح كله ،
هذه المرارات البذيئة ،
افتح لي ذراعيك واغمرني
بشعرك ، ادخلني
في صدرك واجعلني
اذوب وأتلاشى فيك
يا طيفها،
يا مبقيا على حياتي
وسط هذا الموات
في كل ما أرى وكل ما أسمع .
يا طيفها، يا ملجئي
في العواصف العاتيات ،
يا مقيما في عمق عيني.
في غور اعماقي
وفي كل سطر من كتبي واوراقي،
يا من فارقت تلك التي احببتها
وصاحبتني الف ميل الى هنا،
وبقيت معي. ومعها، في الوقت ذاته ،
لتحضرها بقدرة الجنى لعناقي
وتبيح لي فتنتها
حماية لي من كل ما أرى
وكل ما اسمع
ما الذي كنت لولاك سافعل
يا طيفها؟
وتقول لي ضاحكا:
لولا عشقك لها هناك
لما كنت انا هنا..
سرك علمتنيه ،
ووضعت خاتمك السحري في
اصبعي
فقد سكتت كل نغمة اهواها
وارسلت وجودك الطيفي في
خلايا موسيقي الذين
عرفت اني بهم اتنفس ،
وما علي الا
ان اعزف سوناتة
لسكارلاني أو فيفالدي
حتي تتواثب انت امامي
ياطيفها
تواثب آربيل على حطام السفينة ،
لتنقذني من قبح ما اري
وقبح ما أسمع ،
ما أروعك ، يا طيفها،
تلتف حولي التفاف راقصة
على بحيرة في غابة
فتجعلني البحيرة والغابة معا،
وانت فى طراوة الفجر
من هذا النهار، وانا
في عمر الدهور الغابرة.
احمني، يا طيفها، احمني،
واجعلني اذوب واتلاشي
بين ذراعيك كلما
نشبت مخالب القبح في جسدي
فتعيدني كيانا صحيحا،
وبعدها ترقص لي
وتجعل مني بحيرة وغابة
وقدماك في خفة الريح
تلتفان في وفوقي،
وفي كل اتجاه حولي ،
دونما غاية اراها،
والى ما لا نهاية

-4-

كيف اخاطبك ، اخبريني،
لا لكي تستمر براكينك في
قذف الروائع حمما وشظايا،
ولا لكي تهدأ عواصفك فتتحول الى
مطر ينهمر،
فانت بعض من الارض
اذا ما اشتد هولها
لتدمر وتحيي،
وانت في قلب السر
من الصخرة المحلقة في وجه السماء،
ومن الوردة المخضلة بالندى في وجه
اللهب
كيف اخاطب البرق اذا ومض ،
والشلال اذ تساقط هادرا،
وراحت ذبذبات الحنجرة
تموسق الدنيا بحب تهلل به الملائكة
اخبريني كيف اشع كالشمس
بالكلمات على شفتيك
واجعل الزوابع الموج تغمغم
عشقا في أن اذنيك ؟

-5-

(يجلس الحب في عينيها
ويمرح
ويبث في كل صوب
موتا لذيذا،
ويسرح الحب
من ثمة على شفتيها
ويصدح بينما اغاني....)(1)
هذه لعبتها
واعية او غير واعية :
ان تصرع الناظرين ولو غفلة
بطرفة من ناظريها
شر تحييهم بحديث
يغرد بين شفتيها،
فتقتلهم مرة أخرى وهي تدري
انهم يستعذبون الموت
بين يديها
وان سالتها ما الذي هي تفعل
اقمست انها بريئة بهواها
من دم الناظرين اليها وهم صرعاها
فليجلس الحب في عينيها
ويمرح
وليسرح على شفتيها
ويصدح !

-6-

رباه ، لماذا بين المحبين جعلت الرحيل
دوما مستعجلا .
فيه الذهاب لا ريب فيه
والمشكوك فيه هو الاياب ؟
لماذا جعلت الانطلاق فراقا
كل مرة لألف ميل ،
والعودة وعدا مبهما لا ضمانة فيه ،
وجعلت خطوط الهواتف بين المحبين
مقطوعة او عاطلة
والبريد بينهم يزحف كالسلحفاة ؟
ألكي تجعل العودة واللقاء
بركانا من لذة يتفجر،
ويكرر التفجر،
كضرب من التعويض ؟
ولكن ، وأنت القادر على كل شي ء،
ما ضر لو أنك مع المحبين
تساهلت بين الحين والحين ،
فاختزلت الفراق المر على الاقل بعشره
أو لخمسه ،
واطلت القاء العذب ، وجعلته
مضروبا، على الاقل بعشرة
او بعشرين ؟
وما ضر لو جعلته مضروبا بألف ؟

-7-

حديثي اليك انت
دون الناس جميعا
هو سلواي ومتعتي،
اذ ارقب وجهك
يفيض بحماساتك
وحيراتك ،وحيرتي،
وأرى كيف تتماوج
خطوط الحلم بين يديك
كدخان سيجارتك ، صاعدا
حول خديك ، فعينيك ، فشعرك ،
وتتكلمين ، وتتكلمين، وانا
اتكلم ، واتكلم ، وكأننا
ننهل من انهر الجنة
معا في فناجين قهوتك
وقهوتي لادرك
ان فردوس جنوني
بعينيك ، وخديك ،ويديك
هو ما أحيا من أجله :
واذا عذبني حسي
بان كل ما حولي
كآبة وهذر ودمامة ،
وجدت ان جمالك وحده
هو خلاص الكون عندي،
ومنقذي

-8-

أجل ، عرفتها، عرفتها كلها،
ورايت الوجوه الحلوة تكلح وتنهار
والعيون الحوراء تتحجر وتشع
غباءها
والرؤوس الكبيرة تعلن الخواء،
والدنيا التي رقصت ذات يوم
على كفي
كإلاهة فرقها الشبق
رأيتها تفرفط ساقطة
في الطين وفي الرغام
والضاحكات يوما في صباحات
العشق
رحن يعولن كالنائحات
في المأتم المهجورة ..
ثم جئت انت ،
كرؤيا طلعت ، كروح
شقت حجب الليل ،. وسطعت
اعجوبة لحياة في زمن الموت
ونبشت في اعماقي
شيطان الفرح بالصور
المستحيلات ،
وفجرت وعيي من جديد
كلمات ، كلمات
يمازج فيها صوتك صوتي
وافكارك خيالاتي التي
دفقتها علق شلالا ذات نهار
كما من أعلى الجبل ، متخذا
شكل شعرك ، كتفيك ،
شكل ذراعيك ونهديك،
وكان ملمسك على الشفتين
في صمتي
فلمس الهمسات ،
غواية الحس وغواية العقل معا،
وفي الغوايتين راحت النفس ذاهلة
تصعد في معارج الكون
صعود السنة النار
وأعدت لي صياغة الدنيا
الاهة تنهض من الطين ومن الرغام
ريانة كوجنتيك ، شفتيك ،
منحوتة كرخام قوامك ،
عارية مسربلة بالوان الجلنار.

-9-

يا للتوق، يا للحلو الذي
يفتح ابواب السماوات كلها
ليملأها وجه واحد
ما أروعه ، ما اعذبه!
وأصوات ماء يتساقط
قطرات، ثم يجدى
غدرانا تثرثر،
ولهاث من بين الصخور
يلاحق الجريان ، يضاحكه
ويباكيه، شهقا،
تحرقا الى التلاشي
في فيضه ، في لجج منه
تتعانق ، تتناغم .
والوجه نداؤه الصامت
يصرخ من عينين ضارعتين ،
والشفتان منفرجتان على
الام عشق هو الماء
يتجمع قطرات هن ذة
ليغدو لجة أخرى
تصارع اللجج ، تعانقها،
تتناغم ، تتلاطم ..
يا للتوق ، يا للحلم .

-10-

كم مرة اردت اقتلاعك من اعماقي
حيث جذورك قد ضربت في كل
اتجاه،
كم مرة التففت حولك عن سبق
اصرار
فنشدت الحب عند غيرك عامدا.
متلمسا غيد هذه ونعومه تلك ،
وتغزلت بايد غير يديك كأنها
سحابات غمام تظللني من شمس
حارقة ،
واجدا في ساعة او ساعتين من سقيا
الشفاه
ما لو اجده في أشهر من التوق
والردق ،
شامتا بعشقي وآلامه ، راجيا
ان أثير غيرته فيلفظني ويريحني
ولكنني ما وجدتني كل مرة الا
واقعا من جديد على اوراد من
عشقك،
تائهة بالكبر والغنج والالق :
فبإيماءة من يديك ورفة من مقلتيك
لا يبقي في الارض جميل امامي
الا حضورك ، غائرا في العمق مني
وضاربا خيام نشوته ، اينما تلفت ، في
طرقاتي.

-11-

كيف استطعت ان تتغلغي
في موسيقاي كلها،
وتسكنيها قطعة قطعة ، كانها
اقاليم شتي ضمن مملكتك ؟
كلما عزفت توكاتا لباخ ، أو بسكاليا،
جئت راكضة مع الانغام ، محومة
كألف طير فوق راسي،
تتلوى ذراعاك امام عيني،
ويتطاير شعرك ، وتتضاحك شفتاك
والانغام تصعد بي الفضاءات مجنحا
الى الكواكب المدومة ،
وانت تصعدين معها، ومعي،
بقوامك المتثني،
راقصة ، مسترخية ، ترتقين عيني
وتعبثين بقدميك في اعماقي،
اخرجي، بالله اخرجي من موسيقاي،
اتركيني لها، وأبقى هناك بعيدة
عن الضيوغ والبسكاليا
فموسيقاي تجننني فرحا بروعتها،
اما انت فعذابا تجننيني معها
أما آن لك ان تكفي عن عذابي
وتغادري اقاليم فرحي وجنوني؟



* هوامش
(1) للشاعر الانكليزي جون، "اسيس وغالاطية"،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى