السيد حافظ - وجـوه فى الليالى الضائعة

على بعد عشر خطوات سوف يلتقى بصديق الفكره "عمر شهاب" منذ عشر سنوات لم يلتقيا وأخيرا سمع صوته الحاد الجاد فى الهاتف سائلا عنه.
توفيق ابراهيم
نعم
أريد أن أقابلك
من أنت؟
عمر شهاب
لم يصدق أذنيه للوهلة الأولى.. انغمست عيناه فى دائرة الصوت فى الساحة العامة بدأ يسير.. حتى دخل من منعطف ضيق فى شوارع حى الحسين صفعته نسمات الهواء العاصفة لفصل الشتاء.. تردد برهة ثم اندفع مسرعاً داخل المقهى الذى اتفق مع عمر شهاب على ان يقابله فيه.
تقهقر الزمن عشر سنوات.. قذفت بين خواطره انا شهيد جوع الفقراء والأرض والأكواخ والانسان وقحط الايام الكسيحة.. منذ أن كانا فى…
نظر داخل المقهى لمح صاحب المقهى.. لم يدخل هذه المقهى منذ سنوات ها هو صاحب المقهى قد كبر فى العمر وصار لا يحييه.. ها قد مرت السنوات متبرمه من الأوضاع.. مر عليه بائعوا الأقلام والسبحات والروائح والمصاحف.
بركة الحسين
(منع مجلة الوطن العربى من الدخول إلى مصر لنشرها خبر مقابلة اسماعيل فهمى مع موشى دايان)
دخل المقهى شاب نحيل الجسد متجهم الملامح وتصفح وجوه الحاضرين وجوه الليالى الضائعة.. نظر إلى توفيق.. نظر كلاهما واندفعا بالعناق.. مضغا الشوق العارم صار كلا منهم فى الأربعين من العمر.. نظر توفيق إلى عمر
صار شعرك أبيض
وأنت الأخر صارت ملامح الأربعين على وجهك
(السادات يعلن انه على استعداد للسفر إلى اسرائيل)
نظر توفيق اليه
اننى مثل الشرخ فى جدار الزمن لقد عشت عمرى ضائعاً بين الزواج والحب
نعم
اننى احب يا عمر بجنون
زوجتك؟
لا
من؟
امراة اخرى
تزوجها
لا استطيع
لماذا ؟
لأنها متزوجة
تحب امرأة متزوجة وانت متزوج
نعم
كيف
لا أدرى.. لقد تعلقت بى فجأة وتعلقت بها فجأة
انه لا يسمى حباً.. بل يسمى أى شئ آخر
وزوجتك؟
لا تعلم ولا استطيع ان اناقشها
وزوجها
لا يعلم ولا تستطيع مناقشته
اخترق وعيه فجأة الحديث.. نظر إلى صديقه عمر شهاب وجد حراس الجهل يسيرون فى مواكب وشرطة سريه وعلنية وقضبان فى القفص.
وماذا عنك يا عمر شهاب
لا شئ خرجت من السجن بعد العشر سنوات جئت وجدتك تعيش قصة حب سخيفة
نظر غل الجرسون وطلب منه ان يعدل له (شيشه)
تحرك صاحب المقهى وهو يتشبه على الرجلين ويتفحص كلا منهما
استاذ عمر
قام عمر واحتضنه الرجل طويلا
أزيك يا استاذ عمر.. يا بتاع الوطنية والناس.. انت خرجت امتى
اليوم
كان نفسى اشوفك يا استاذ من زمان والله
نظر إلى توفيق
الله والاستاذ توفيك معاك.. يا اهلا وسهلا.. منذ وقت طويل لم أراك يا استاذ توفيق
صمت توفيق غاص شعره الأبيض فى صدر حبيبته المتزوجة وعيون زوجته التى تتهمه بالخيانة وعيون حبيبته الحزينة من أجل هذا الحب المفاجئ.
عاد الصمت إلى الرجلين .. اشعل عمر سيجارة على نهد الجدران المتآكلة ولدت زوجته ابنه طلال.. كانت هدى ضائعة بين الزوج وبين الأبن بين الحب والأمومة.. بين شارعين بين مدينتين.. ولذا قررت بعد ان دخل عمر السجن ان تطلب الطلاق بعد سبع سنوات عجاف.. احضر الجرسون الشيشة.. القى عمر السيجارة على الأرض.
"بين فخذ النساء كان توفيق يضيع وبين فخذ المآساة كان عمر يضيع جمعتهما لحظة المعاناة .. حفنة مأفونة من الرجال المطحونين أرادوا أم يغيروا وجه العالم لكن الصوت الصافى صار صلباً.
قال عمر وهو يسحب نفساً طويلا من الشيشة
لقد صار لك كرشاً
البطن المنتفخ نتيجة شرب المياه
"نامت فى عين توفيق حبيبته.. نام هو الأخر على بئر المخاوف من زوجها الذى قد يقتله أو من زوجته التى بدأت تستعد لهذا.. نظر إلى عمر صائحاً.
ماذا أفعل؟
قال عمر وهو يشرب الدخان.
اذهب إلى الجحيم
شعر بالخجل وماذا ستفعل انت
الاشياء كلها مستلقيه مسترخاه على شواطى الزمن وعلى ان أبدأ من جديد
ومن أين ستعيش
الساعة المنحوسة ستزول والزمن الفاعل سيستيقظ واذا كانت القاعدة الان هى الاستثناء والاستثناء قاعدة فا…
صرخ توفيق
لا تعطينى نصائح .. لا تخطب فى .. كفانى ما انا فيه لست ثورياً فالثورة مكروها اليوم.. كل صامت عظيم وكل جبان شريف.. وكل كاذب هائل سأدعك لما انت فيه وستموت جائعاً.
قام كل الزبائن.. الصق عينه على الشيشه وصاحب المقهى ينظر له عند مغادرته المقهى استغرب من نفسه.. نظر فى المرآة.. حاول أن يدفع الحساب الا ان صاحب المقهى أصر على عدم دفعه المال.
بيـــان * عمر شهاب حاول أن يكتب بياناً يحتج فيه على زيارة السادات لأسرائيل.. قبض عليه البوليس بينما كانت زوجة توفيق تصرخ لتجمع سكان البيت حيث ان توفيق احضر حبيبته ليضاجعها فى المنزل اثناء غياب زوجته.
اعــلان * تأجل التحقيق فى الفضيحة الأخلاقية لتوفيق ابراهيم نظراً لانشغال رجال الأمن بالمحافظة على الأمن فى الاسماعيلية.
كاريكاتير * فشل مؤتمر الاسماعيلية وأجرت النيابة التحقيق مع عمر شهاب بتهمة الخيانة العظمى والتحريض.
خرج عمر شهاب الضرير متجهاً إلى قصر رئاسة الجمهورية ليطالب بالافراج عن ابنه بينما مظاهرات كبرى من الحزب الحاكم لتأييد خطوات الرئيس.. يسقط عمر تحت أقدام أعضاء الحزب ويدوسون عليه!!!
صرخت هدى فى وجه امها لقد خرج من السجن ودخل مرة أخرى انه نظيف وأنا القذرة لقد تركته فى معركته بمفرده بينما هو لم يتركنا لوحدنا حتى بعد أن عذبوه كل هذا العذاب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى