راهَنَت المَدينَة على صَباح عادي، وطاعِن في الهُدوء ، لكِنَّها فوجِئَت بِيَوم حافِل بِإرْباك
وفَوْضى لم تَتَعوّدْهُما ، كان ذَلِك في آخِر اللَّيْل حين طَرقَت حافِلة مَجْهولَة الهَوِيّة المَحَطّة
الطُّرقِية و النَّوم مازال ماسِكاُ بِتَلَابيب عُيونِها ، الرُّكّاب أجْبِرواعلى إخْلَاء مَشْفى المَجانين في
مدينة كبيرة لا يتَّسِع فيها مَكان لِقَدم إبْرَة ، المَبْنى هَدَّد بِالسُّقوط والإنْتِحارإذا لم يَتدخَّل المَسْؤولون لِتَرْميمِه وإصْلاح شَأنِه ، كان قد بلغ من الكِبرعِتِيّا ، تَتساقَط من حيطانِه حُصَيّات
وأتْرِبَة ، حاصَرت القُوات المُساعِدة المَشْفى وأخْرجَت القاطِنين ثم حَشرَتْهم مُكَدَّسين داخل
عَرَبَة تَكتَّمَت نَوافِذُها الزُّجاجِية المُعْتِمة على ما بِداخِلَها ، في المَحَطّة كان في
إنْتِظارِهِم شُرْطة غاضِبة مُتَذَمِّرة تَمَّ فَجْأة إيقاظُها في دِرْوَة اللَّيْل لإجْلاء القادِمين ، قادَتْهُم عَناصِر الشُّرطة عَنْوَة خارِج مَوْقِف الحافِلات يَتقَدّمُهم طَبيب كان يَسْهر على مُتابَعة حالاتِهِم
المَرَضِيّة حتّى أصْبح من كَثْرَة المُتابَعة أوفْرُهُم حَظّاً في الجُنون ، كان يُوَقِّع بِحِذائِه إيقاعاً
عَسْكرِيّاً ويقدم " سلام السلاح " لأشْخاص وَهْمِيّين يَعْبُرون اللَّيل، يَنْفُخ في صَفّارَة تعَلَّقَت
بِعُنُقه وحَشَرت أنْفَها في حَبْل مَضفور أحْمَر ، على بُعْد أمْتار من المَحَطّة صادَف الطّبيب
مَداراً موحِشاً تَسْكُنُه نباتات قاتِمَة وتَحْتلّ وَسَطَه أحْجار شَبيهَة بِشَواهد القُبور ، طَرَد
مُرافِقيه وانْخَرَط في تَنْظيم حَرَكَة مرور وَهْمِيّة حوْل المَدار حَيْث شَرَعَت تمُرُّ أشْباح سِيّارات
لَم تَتَخَلَّص بعْدُ أجْفانُها من النَوْم ، يُؤَدِّي التَّحِيَّة لِبَعْضِها ويَتَوَّعد بَعْضَها بالحُقْنَة الَّتي
كان يَحْقُن بِها مَرْضاه ، في الطريق بَدأَ عِقَد المَجْموعَة يَنْفَرِط وهي تَتَوغَّل داخِل الحاضِرة ،
إسْتَوْقَفَت الإسْكافي العَجُوزعَريشَة من صَفائِح الحَديد مَسْقوفَة بِخَشَب رَخيص وخاصَّةٌ بِرُكّاب
"الأوتوبيس " ، خَلَت في ذلك الوَقْت من الزَّائِرين ، جَلَس على مِصْطَبَة داخِلَها ، بَسَط
مُعَدّاته أمامَه وَرتَبَها ، بَدَأ يُقَلِّب بَيْن يَدَيه جَزْمَة عَسْكَريّة ، عَلِقَت داخِلها قَدَم عَلَيْها دِماء
جافَّة ، إسْتَحْضَرالعَجوز صاحِبَها وجَعَله يَقِف على رِجْل واحِدة ً أ مامَه ، وَعَدَه بإصْلاح
حِذائِه وتَحْرير القَدَم من قَبْضَتِه العَسْكَرِيّة ثم تّرْميمِها وإعادَتِها إلى حَيْث كانت وهكذا سَيَقوم
الجُنْدي "صَحَّة سْلَام " ، لَكِن عَلَيه قَبْل ذَلك أن يَجْلس بِجانِبِه وأن لا يَمْكُث واقِفاً على رِجْل
واحِدة كَمالِك الْحَزين ، كان العَجوز يُخَلِّص القَدَم لما مَرَّت أمام العَريشَة دَرّاجَة
هَوائِيّة تَسْتَغيث وعلى ظَهْرِها اللِّص الذي غَرَّر بِها وامْتَطاها بِالقُوَّة ، تعَقَّبَها ذو الْقَدم المَبْتورة
يَحْجَل لإنْقادِها ، تَبِعَه الإسْكافي راجِياًّ مِنْه الإنْتِظار حَتّىَ يُقَوِّم قَدَمَه ، كانت الدَّراجَة تَعْدو
بِالسّارِق في دُروب حافِلَة بِمُنْعَرَجات ومُنْعَطَفات خَطيرة لم يَتَحمَّلْها فأطْلَق صُراخَه
المَشْفوع بِالبُكاء ، تَوَسَّل إلَيْها أن تَتَوقَّف حَتى يَنْزل وتُجَنّ إن شاءَت ذلك ،
توَقَّفَت ،لَكِن بَعْد أن إ صْطدَمت بِحاويِّات لَم تجْتَمِع على ضَلال ، ثم بَقَرَت بُطونَها ،
خَلْف إحْداها قَعَد شَخْص باسِطاً رِجْلِيْه وبَيْنَهما جَلَس القُرْفُصاء رُكام مِن التِّين الأسْوَد
المُهْتَريء ، دَعَا الشَّخْص السَّارق الذي إنْبطَح فَجْأة بِجانِبِه ، إلى المَأْدُبَة،أعْرض عَنْها هذا
الأخير ، كان الرُّعْب قدأفْقَدَه الشَّهِيّة ، وقَفَ واتَّخَد سَبيلَه في اتِّجاء آخر بَيْنما عَجَلَاتا
عُود الرِّيح تُواصِلان دَوَرانَهُما في الفَراغ ، في الطَّريق عَثَر على شِردِمَة من المَجانين تَحَلَّقَت
حَوْل بِرْكَة سَقَطت في مائِها الضَّحْل بَعْض أفْراد النُّجوم ، الشردمة كانت قد شَرعَت
في إصطياد تلك الكائِنات السَماوِيّة ، فَكَّر الذي غَرَّر بِعود الرّيح أنَّ هَذِه النَّيازِك
رَمَتْها مَنْجَنيقات السَّماء على شياطين كانت تَسْتَرِق السَّمْع إلى الأَعالي ومِن حُسْن حَظِّها أنَّها لَم
تَسْقُط في اليابِسَة وإلَاّ توَزَّعَت أضْلَاعُها شَظايا ، الصَّيّادون كانوا يَضَعون الأسْماك النُّجوم في
جُيوب سَراويلِهِم وسَرْعان ما كانَت تَحْرِق جُلود أرْجُلِهِم ثم تَسْقُط ثانيَّة في الماء ، ظَلّوا على
حالِهِم تِلْك ، حتى لاحَظوا أن النُّجوم بَدَأت تَتَناقَص شَيْئاً فَشَيْئاً إلى أن خَلَت مِنْها البِركَة ،
وكان الصَّباح آنَذاك قَد تَأهَّب لِغَزْو المدينَة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحماد بوتالوحت
وفَوْضى لم تَتَعوّدْهُما ، كان ذَلِك في آخِر اللَّيْل حين طَرقَت حافِلة مَجْهولَة الهَوِيّة المَحَطّة
الطُّرقِية و النَّوم مازال ماسِكاُ بِتَلَابيب عُيونِها ، الرُّكّاب أجْبِرواعلى إخْلَاء مَشْفى المَجانين في
مدينة كبيرة لا يتَّسِع فيها مَكان لِقَدم إبْرَة ، المَبْنى هَدَّد بِالسُّقوط والإنْتِحارإذا لم يَتدخَّل المَسْؤولون لِتَرْميمِه وإصْلاح شَأنِه ، كان قد بلغ من الكِبرعِتِيّا ، تَتساقَط من حيطانِه حُصَيّات
وأتْرِبَة ، حاصَرت القُوات المُساعِدة المَشْفى وأخْرجَت القاطِنين ثم حَشرَتْهم مُكَدَّسين داخل
عَرَبَة تَكتَّمَت نَوافِذُها الزُّجاجِية المُعْتِمة على ما بِداخِلَها ، في المَحَطّة كان في
إنْتِظارِهِم شُرْطة غاضِبة مُتَذَمِّرة تَمَّ فَجْأة إيقاظُها في دِرْوَة اللَّيْل لإجْلاء القادِمين ، قادَتْهُم عَناصِر الشُّرطة عَنْوَة خارِج مَوْقِف الحافِلات يَتقَدّمُهم طَبيب كان يَسْهر على مُتابَعة حالاتِهِم
المَرَضِيّة حتّى أصْبح من كَثْرَة المُتابَعة أوفْرُهُم حَظّاً في الجُنون ، كان يُوَقِّع بِحِذائِه إيقاعاً
عَسْكرِيّاً ويقدم " سلام السلاح " لأشْخاص وَهْمِيّين يَعْبُرون اللَّيل، يَنْفُخ في صَفّارَة تعَلَّقَت
بِعُنُقه وحَشَرت أنْفَها في حَبْل مَضفور أحْمَر ، على بُعْد أمْتار من المَحَطّة صادَف الطّبيب
مَداراً موحِشاً تَسْكُنُه نباتات قاتِمَة وتَحْتلّ وَسَطَه أحْجار شَبيهَة بِشَواهد القُبور ، طَرَد
مُرافِقيه وانْخَرَط في تَنْظيم حَرَكَة مرور وَهْمِيّة حوْل المَدار حَيْث شَرَعَت تمُرُّ أشْباح سِيّارات
لَم تَتَخَلَّص بعْدُ أجْفانُها من النَوْم ، يُؤَدِّي التَّحِيَّة لِبَعْضِها ويَتَوَّعد بَعْضَها بالحُقْنَة الَّتي
كان يَحْقُن بِها مَرْضاه ، في الطريق بَدأَ عِقَد المَجْموعَة يَنْفَرِط وهي تَتَوغَّل داخِل الحاضِرة ،
إسْتَوْقَفَت الإسْكافي العَجُوزعَريشَة من صَفائِح الحَديد مَسْقوفَة بِخَشَب رَخيص وخاصَّةٌ بِرُكّاب
"الأوتوبيس " ، خَلَت في ذلك الوَقْت من الزَّائِرين ، جَلَس على مِصْطَبَة داخِلَها ، بَسَط
مُعَدّاته أمامَه وَرتَبَها ، بَدَأ يُقَلِّب بَيْن يَدَيه جَزْمَة عَسْكَريّة ، عَلِقَت داخِلها قَدَم عَلَيْها دِماء
جافَّة ، إسْتَحْضَرالعَجوز صاحِبَها وجَعَله يَقِف على رِجْل واحِدة ً أ مامَه ، وَعَدَه بإصْلاح
حِذائِه وتَحْرير القَدَم من قَبْضَتِه العَسْكَرِيّة ثم تّرْميمِها وإعادَتِها إلى حَيْث كانت وهكذا سَيَقوم
الجُنْدي "صَحَّة سْلَام " ، لَكِن عَلَيه قَبْل ذَلك أن يَجْلس بِجانِبِه وأن لا يَمْكُث واقِفاً على رِجْل
واحِدة كَمالِك الْحَزين ، كان العَجوز يُخَلِّص القَدَم لما مَرَّت أمام العَريشَة دَرّاجَة
هَوائِيّة تَسْتَغيث وعلى ظَهْرِها اللِّص الذي غَرَّر بِها وامْتَطاها بِالقُوَّة ، تعَقَّبَها ذو الْقَدم المَبْتورة
يَحْجَل لإنْقادِها ، تَبِعَه الإسْكافي راجِياًّ مِنْه الإنْتِظار حَتّىَ يُقَوِّم قَدَمَه ، كانت الدَّراجَة تَعْدو
بِالسّارِق في دُروب حافِلَة بِمُنْعَرَجات ومُنْعَطَفات خَطيرة لم يَتَحمَّلْها فأطْلَق صُراخَه
المَشْفوع بِالبُكاء ، تَوَسَّل إلَيْها أن تَتَوقَّف حَتى يَنْزل وتُجَنّ إن شاءَت ذلك ،
توَقَّفَت ،لَكِن بَعْد أن إ صْطدَمت بِحاويِّات لَم تجْتَمِع على ضَلال ، ثم بَقَرَت بُطونَها ،
خَلْف إحْداها قَعَد شَخْص باسِطاً رِجْلِيْه وبَيْنَهما جَلَس القُرْفُصاء رُكام مِن التِّين الأسْوَد
المُهْتَريء ، دَعَا الشَّخْص السَّارق الذي إنْبطَح فَجْأة بِجانِبِه ، إلى المَأْدُبَة،أعْرض عَنْها هذا
الأخير ، كان الرُّعْب قدأفْقَدَه الشَّهِيّة ، وقَفَ واتَّخَد سَبيلَه في اتِّجاء آخر بَيْنما عَجَلَاتا
عُود الرِّيح تُواصِلان دَوَرانَهُما في الفَراغ ، في الطَّريق عَثَر على شِردِمَة من المَجانين تَحَلَّقَت
حَوْل بِرْكَة سَقَطت في مائِها الضَّحْل بَعْض أفْراد النُّجوم ، الشردمة كانت قد شَرعَت
في إصطياد تلك الكائِنات السَماوِيّة ، فَكَّر الذي غَرَّر بِعود الرّيح أنَّ هَذِه النَّيازِك
رَمَتْها مَنْجَنيقات السَّماء على شياطين كانت تَسْتَرِق السَّمْع إلى الأَعالي ومِن حُسْن حَظِّها أنَّها لَم
تَسْقُط في اليابِسَة وإلَاّ توَزَّعَت أضْلَاعُها شَظايا ، الصَّيّادون كانوا يَضَعون الأسْماك النُّجوم في
جُيوب سَراويلِهِم وسَرْعان ما كانَت تَحْرِق جُلود أرْجُلِهِم ثم تَسْقُط ثانيَّة في الماء ، ظَلّوا على
حالِهِم تِلْك ، حتى لاحَظوا أن النُّجوم بَدَأت تَتَناقَص شَيْئاً فَشَيْئاً إلى أن خَلَت مِنْها البِركَة ،
وكان الصَّباح آنَذاك قَد تَأهَّب لِغَزْو المدينَة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحماد بوتالوحت