د. أبو زيد بيومي - في حضرة الذئاب

لبس الذئب المسوح الخشنة، وأمسك مسبحة طويلة، من حبات خشبية غليظة، مر على الراعي الذي اعتاد أن يسوق أغنامه لترعى في هذه الناحية.
قال الذئب من بعيد بصوت متهدج:"السلام عليك أيها الراعي".
فزع الراعي عندما رآه مقبلا عليه، وقف من فوره، وهو يمسك بعصاه، التي رفعها ولوَّح بها في وجهه، ثم صرخ فيه: "أي سلام يكون من الذئاب، وأي أخوة بيننا؟!
ابتسم الذئب في خفَر غطى وجهه: "تمهل يا أخي، ألا ترى الهيئة التي أنا عليها؟! .. لقد تركتُ عالم الذئاب منذ زمن، بعد أن رأيت ما هم عليه من الوحشية، وقسوة القلب. فتنسَّكتُ بعد أن زهدتُ في دنيا، يجري فيها الناس كجري الذئاب في البرية، ولا يحصلون من متاعها إلا على القليل، ثم ينتهي بهم الأمر إلى جوف قبر، تنسيهم شدته، ما حصّلوه من متاع الدنيا".
تسللت كلمات الذئب بنعومتها، إلى قلب الراعي، الذي ما كان منه، إلا أن أرخى يده الممسكة بالعصا. لكنه بادر الذئب متسائلا: "وإذا كنتَ قد تنسَّكتَ وزهدتَ، فكيف تعيش الآن؟!".
قال الذئب:"عوَّدتُ نفسي على أكل القليل من العشب، حتى بات العشب عندي بمنزلة اللحم. فتأكدت، حينها، أن قليل الدنيا مثل كثيرها، وأن الإنسان يعيش في شقاء، وهو يسعى خلف أمنيات لا تنتهي".
كان الذئب يتحدث إلى الراعي، وهو يقترب بخطوات وئيدة، حتى وصل إلى حيث يقف. رأى الراعي أن هيئة الذئب توافق كلامه، فصدقه، ولذا تركه ليقترب منه أكثر.
مد الذئب يده ليسلم، بعد أن رأى وجه الراعي ، وقد انفرجت أساريره. فمد الراعي يده بالسلام، وأجلسه إلى جانبه. قدَّم له بعض تمرات؛ ليأكلها، فأبدَى الذئب ترددا في قبولها، قائلا:"أخشى أن أتعوَّد على هذا الطعام الشهي، فأترك أكل العشب".
قال الراعي، وقد علَت وجهَه علاماتُ التعجب:" أصار التمر عندك طعاما شهيا؟! فماذا لو قدمتُ لك بعض اللحم؟!".
عندها، هبَّ الذئب واقفا، وقد علَت نبرة صوته، وصرخ مستنكرا: "هذا ما لا يكون أبداً، لقد جاهدت نفسي طويلا، حتى لا أعود إلى ما كنت عليه، ثم تأتي أنت لتفسد عليّ نُسُكي؟!".
اعتذر الراعي، مُبيِّنا للذئب، أنه لا يقصد أبدا إفساد نسكه. وشدّه برفق، ليعيده إلى جلسته: "هوّن عليك يا أخي، ما أردت إلا أن أكرمك".
قال الذئب: "إن أردت أن تكرمني، فعليك فقط أن تعينني".
في عجَب، سأله الراعي: "وكيف أعينك؟!".
قال الذئب:"أن تسبَّح معي، وأن نقيم سوياً كل صلاة تحضرنا".
قال الراعي:"سمعا وطاعة، يا شيخي".
ضحك الذئب:"أوَ صرتُ شيخَك؟!".
رد الراعي وهو يبتسم:"بلى ... من يدعوني إلى الطاعة فهو شيخي. ولكي أضمن بقاءك هنا، سأسمح لك أن ترعى العشب بين أغنامي. والآن، قم يا شيخي لنبدأ عهدنا بالصلاة".
حاول الراعي أن يقدم الذئب ليصلي به، فأبى، قائلا:"لقد كرم الله ابن آدم على سائر الخلق، فأنت أولى بالإمامة".
تقدم الراعي ليصلي بالذئب، وما إن بدأ صلاته، حتى أغمض عينيه، إلى أن استغرق فيها بكيانه كله، وخشع خشوعا لم يعهده من قبل. حدثته نفسه وهو يصلي، "إنها بركات سيدي الذئب، كم أنا محظوظ بصحبة هذا الشيخ المتنسِّك. من المؤكد أن البركة ستحل بي، وبأغنامي، التي حتماً ستملأ هذا الوادي، ويضيق بها المدى، سيزداد القطيع، ويكثر اللبن، وتربو الأموال، و ....و.....و..... ".
خشي الراعي أن يشعر شيخُه الذئب بانشغاله عن الصلاة، بتلك الأفكار الحالمة، فعاد إلى خشوعه. وزيادة في الخشوع، أطال في ركوعه وسجوده. كان ما يزال يغمض عينه، حتى حانت تلك اللحظة التي انتهت فيها الصلاة. التفت ليسلم عن اليمين، وعن الشمال، فلم يجد الذئب بجانبه، لكنه وجد مسبحته ومسوحه، التي كانت عليه.
نظر خلفه فلم يجد أغنامه. كان الذئب قد ساقها بعيدا، صرخ فيه الراعي: "ارجع بأغنامي أيها المخادع".
التفت إليه الذئب، وقد لمعت أنيابه من بعيد، ثم ضحك بصوت مرتفع، وقال ساخرا:"إليك أول دروس شيخك ... لا تغمض عينيك وأنت تصلي، ولا تكثر من أحلامك وأنت في حضرة الذئاب".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى