سعيد رفيع - العشة الأخرى

١ - مجاويش الكبرى : جزيرة تقع جنوب شرق الغردقة .
٢ - مجاويش الصغرى : جزيرة صغيرة وقريبة من جزيرة مجاويش الكبرى .. والمسافة بينهما كيلومتر واحد فقط .

هكذا يطلق عليها البعض .. بركة القروش .. ويطلق عليها البعض الآخر بركة العشاق .. رغم أنها أبعد ما تكون عن البركة .. فمياهها شديدة الزرقة .. وهو مؤشر على أنها شديدة العمق .
في تلك البركة يتجمع أكبر عدد من القروش ، عدد قليل من القروش السوداء أو الزرقاء ، وعدد أكبر من القروش البيضاء شديدة الافتراس ، التي لا تتردد في مهاجمة كل جسم يتحرك فوق سطح الماء ، حتى لو كان قارباً صغيراً أو متوسطاً ، ولذلك افترست هذه القروش بالفعل عدداً كبيراً من الصيادين .
أما هو فلم يكن يهتم بترويع القروش للصيادين ، بل كان يخرج بقاربه وحيدا ، وكان يكتفي بالجلوس في منتصف القارب ، ممسكاً بالمجدافين ، وموليا وجهه مباشرة صوب الجهة التي يقصدها .
هو رجل في أواسط العمر ، لا يختلف في هيئته عن بقية الصيادين ، يرتدي نفس الثياب ، جلباب أبيض أو أزرق فاتح ، أما بشرته فهي ذات البشرة التي تميز كل الصيادين ، بشرة خشنة لفحتها الشمس ، أما ما يميزه عن غيره فهو ذلك الطول الفارع والجسد المتين البنيان ، وتلك الوسامة التي تفترش وجهه ، وحاجبين سوداوين كثيفين ، وعينين تتسعان للبحر بأكمله .
ويبدو الرجل كذلك مجرداً من الاسم ، فلا أحد يعرف له اسماً ، وعندما يلمحه الصيادون من بعيد يصيح أحدهم : "ها هو ذاك" ، وعندما يقترب بقاربه منهم يكتفون بالتلويح له ، والتلويح قد يعني مجرد التحية العابرة ، وقد يعنى دعوته
للإقتراب ، وعادة ما يستجيب لهذه الدعوة ، فيجدف بقاربه صوب قاربهم حتى يلتصق القاربان ، وعندئذ تجري عملية المقايضة ، هو يعطيهم ما لديه بالقارب من السمك الناشف ، وهم يعطونه ما يقابل ذلك من الماء والأرز و السكر والشاي .
هذا هو دأبه ، أن يصطاد سمك الحريد ويجففه لكي يستبدله من الصيادين بحاجته من الماء والغذاء ، ثم يعود به إلى عشته على الحافة الغربية لجزيرة مجاويش الصغرى ، يفعل ذلك طوال ساعاته وأيامه المتشابهة ، فهو يستيقظ بعد الفجر بقليل ، لينصب الشباك فوق الشعاب المرجانية التي تحيط بالجزيرة من كل جانب .
وبعد أن ينصب الشباك يتحرك بقاربه الصغير ، حاملاً حصيلة الحريد الجاف ، الذي قام بتجفيفه خلال الأيام السابقة ، ثم يشرع في التجديف صوب الصيادين ، لكي تبدأ معهم عملية مقايضة جديدة ، يعود بعدها إلى جزيرة مجاويش الصغرى ، كي يتناول غداءه ، الذي يتكون في الغالب من الأرز والسمك .
الصيادون جميعا يحكون نفس القصة ، القصة واحدة رغم تعدد الرواة ، لا توجد سوى بعض الاختلافات الطفيفة ، فالجميع يتفقون على أن الرجل يعيش بمفرده في عشة صغيرة على جزيرة مجاويش الصغرى ، وأنه يتردد على عشة أخرى في جزيرة مجاويش الكبرى المجاورة ، وأن الرجل اعتاد أن يبيت في هذه العشة الأخيرة يوم الخميس من كل أسبوع ، ثم يغادرها إلى جزيرة مجاويش الصغرى قبل أن ينتصف نهار اليوم التالي ، هكذا خبروه منذ سنوات طويلة ، بل وخبروا أكثر من ذلك عنه ، فهم يعرفون أن الرجل ينتقل بين الجزيرتين سباحة ، يترك قاربه الصغير راسيا على شاطئ جزيرة مجاويش الصغرى ، ثم يلقي بنفسه في الماء ، ويشرع في السباحة صوب جزيرة مجاويش الكبرى ، مسافة كيلومتر ، يقطعها في سباحة متواصلة ، يستريح خلالها مرتين أو ثلاث مرات فوق رؤوس الشعاب التي تبرز من فوق الماء ، والتي يعرف مواقعها جيداً في طريقه ، وفي سباحته بين الجزيرتين كان عليه دائما أن يعبر بركة القروش ، التي لا مناص من عبورها للوصول من جزيرة لأخرى ، رحلة أسبوعية شاقة لم يتخلف عنها الرجل أبدا ، يبدأها في نفس الميعاد بعد ظهر الخميس ، ويعود منها بعد ظهر الجمعة .
تسألهم عن السبب الذي يدفع الرجل لهذه المخاطرة الأسبوعية ، فيقولون لك أنهم لا يعرفون لذلك سببا ، ثم يبادر أحدهم فيقول أنه يعرف السبب ، فالرجل متزوج من حورية تقيم في العشة الأخرى في جزيرة مجاويش الكبرى ، وأن الحورية اشترطت عليه أن يقيم معها يوماً واحداً في الأسبوع ، من ظهر الخميس إلى ظهر الجمعة ، وأن هذه الحورية هي التي تصر على أن يأتيها الرجل سباحة ، بعد أن يترك قاربه على جزيرة مجاويش الصغرى .
يقول الصيادون أنهم سمعوا هذه القصة من شيوخهم الأكثر خبرة بشئون البحر ، وفيما عدا ذلك يقول الصيادون أنهم لا يعرفون أي شيء آخر عن الرجل ، لا يعرفون من أين جاء ، وكم عمره وكيف يمكنه منفرداً أن يصطاد ويجفف كل هذا العدد الكبير من أسماك الحريد ، فالرجل يرفض الإجابة على كل هذه الأسئلة ، بل كثيرا ما يتظاهر بالصمم ، وعندما يكرر أحدهم السؤال فإن الرجل لا يفعل شيئا أكثر من أن يشيح بيده ، معرباً عن عدم رغبته في الإجابة .
قليل من الصيادين من واتته الجرأة على الدخول إلى عشة جزيرة مجاويش الكبرى لاستطلاع ما بداخلها ، فعل بعضهم ذلك في الأيام التي يكون الرجل بالجزيرة الأخرى ، وأكدوا جميعاً أن العشة خالية تماماً إلا من بعض الرماد الذي يشير إلى إشعال النار في أحد الأركان ، لا أثر على الإطلاق لوجود ساكن للعشة ، إنسيا كان أم جنيا ، بل أن من دخلوا العشة لم تواتهم الجرأة على البقاء بها طويلا ، كانوا يلقون نظرة سريعة داخلها ثم يهرولون إلى الخارج ، كلهم أجمعوا على أنهم بمجرد ولوجهم إلى العشة كانوا يشعرون أن ثمة عيونا ترقبهم من مكان ما ، وأن رعشة كانت تسري من أقدامهم إلى شعر رؤوسهم .
تلك أمور حسمت منذ وقت طويل ، حتى أن تصرفات الرجل لم تعد مؤخراً تثير دهشة أو تساؤلاً من أحد ، فقد قبل الصيادون أن يتعاملوا معه كما هو ، حتى سباحته الأسبوعية بين جزيرتي مجاويش الصغري ومجاويش الكبرى لم تعد تثير فيهم أي دهشة ، وبدأ الصيادون يتعاملون مع الرجل باعتباره مصدرا لا ينفد للسمك الناشف ، الذي يحصلون عليه منه بثمن بخس .
أما قصة عشقه أو قصة زواجه من حورية جميلة ، يلتقي بها يوما واحداً في الأسبوع في تلك العشة بجزيرة مجاويش الكبرى ، فلم تعد هي الأخرى تثير اهتمام الصيادين ، فقد أجهدوا أنفسهم كثيراً في محاولة تحري هذا الأمر ، ولكنهم لم يصلوا إلى شيء ، فلم يسبق لأي منهم أن رأى تلك الحورية في الجوار ، كما أن الصيادين الذين خاطروا بدخول العشة ، أثناء غياب الرجل ، لم يجدوا بداخلها أثراً للحورية .
أما شيوخ الصيادين ، الذين هجروا الصيد بعد أن تقدم بهم العمر ، والذين يفترض أنهم يعرفون أكثر عن أسرار البحر ، قد عجزوا بدورهم عن تقديم أية إجابة شافية لتساؤلات الشباب ، يكتفي الشيوخ فقط بتحذير الشباب من الإقتراب من العشة ، ولعل الشيخ لطيف ، هو أكثر شيوخ الصيادين تحذيراً للشباب من مغبة ذلك ، إذ يقول الشيخ لطيف : "إن للبحر أسراراً لا يبوح بها لأحد ، وأن أي محاولة لكشف هذه الأسرار عنوة ستعود على صاحبها بما لا تحمد عقباه" ، قال الشيخ لطيف ذلك مراراً ، وأعاد قوله للصياد الشاب الذي جاء ليخبره بأنه شاهد بأم عينيه القروش وهي تفترس الرجل ، وهو عائد من جزيرة مجاويش الكبرى ، حدث ذلك بعد ظهر الجمعة ، ولكن على عكس ما توقع الشاب ، فإن الشيخ لطيف لم يندهش كثيراً ، بل عاد من جديد ليحذر الشاب من الخوض في مثل هذه الأمور . وعلى أية حال يبدو أن ما قاله الشاب للشيخ لطيف كان صحيحاً ، فقد أكده صيادون آخرون ، قالوا هم أيضا أنهم شاهدوا القروش وهي تفترس الرجل ، ورد عليهم الشيخ لطيف بنفس التحذير ، ولم يكتف هذه المرة بمجرد التحذير ، بل قال لهم : "عودوا إلى البحر غداً .. ستجدون رجلاً آخر يجول بقاربه .. وستجدون قاربه عامراً بالسمك الناشف.. سوف تستمر الدورة.. دورة العشق .. لن ينقطع عشاق الحورية .. سيكون هناك دائماً عاشق .. يبيع لكم السمك الناشف .. ويسبح بين الجزيرتين .. لكي يلتقي عشيقته .. التي تبادله العشق .. فإذا فتر عشقه لها .. إستبدلته على الفور بعاشق جديد" .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى