ولادة للروح

لا يستطيع أحدنا إنكار تأثير الناس في حياته وإن كان بقدرٍ متفاوت، فالإنسان يحن الى إنسان ٍ مثله ينشد لديه حباً أو صداقةً أو رفقةً يشعر فيها بالأمان، بالحرية، بالسعادة، بالتجرد، بالقدرة على البوح دون خوفٍ من العواقب، برؤيةٍ انعكاس روحه في مرآة شخص ٍ آخر يمشي معه دروب الحياة الصعبة المفروشة بالأشواك والدموع، ولكنه كثيراً ما يعاني إلى أن يجد هذا الشخص وربما لا يجده مطلقاً..

لكن ننسى أننا برغم ثقل ذلك الشعور جزء من حياةٍ كاملة وأرضٍ شاسعة، لديها أسرارها وخفاياها وشخوص حكاياتها الذين يظلون في الكواليس مع أنهم من يرسم ويلون أيام البشر بأكملها، فينبض كلٌ منها بطريقته ويحكي كلٌ منها بلغته هامساً علنا نسمعه، مدركاً أنه يؤدي رسالته التي قد تتقاطع مع أحدنا لتسكن القلب الذي تمرد على الطبيعة التي كانت تبهره في طفولته..

ولكل إنسان ٍ مفتاح ومخطوطة ورحلةٌ يمشيها حتى نهايتها، ومع أننا كبشر قد نطرب لأبياتٍ أو أغنياتٍ تراثية تصف البيئة والطرقات والأشجار إلا أن العديد منا لم يفكر في محاورة هذه المخلوقات الصامتة التي تحمل في داخلها بركاناً من المشاعر كشاهدةٍ على الزمان وتغير الناس، كجزءٍ أصيلٍ من الحياة بتنا نتحدث عنه أو نصوره أو نرسمه أو نكتبه لكننا لا نعيشه، لا نسأله عن معناه في أيامنا، لا نستنطق الشوارع والحارات والأزقة المتهالكة، لا نحكي مع الشمس رغم أن مزاجنا كبشر يرتبط بضوئها ويتقلب معه كأمواج البحر، ننظر للقمر كقطعة أثاثٍ نثق أنها لن تغادرنا لذا لا نعيرها اهتمامنا إلا نادراً، نصف الجدران بالصماء مع أننا في أمثالنا نؤمن بأن لها آذاناً، ننظر إلى السماء إذا ضاقت صدورنا دون أن ندرك تجذرها في أرواحنا كورقةٍ زرقاء نكتب عليها حكاياتنا الملونة، نستوحش من الليل مع أنه لطالما كان الحضن الوحيد الذي احتوانا عندما نسينا الناس، ولا نعي جمال الأشجار والطرقات إلا عندما تخلو الدروب من المارة فتزدان بالصمت والعتمة ماخلا بعض الأشعة الصفراء الباهتة في عين أعمدةٍ قديمة للإنارة، ولا نفهم معنى خطانا إلا حين نسمع صوتها ودندنتها في جوف الظلمات، فيبدو لكل شيء معنىً أعمق لأنه يأتينا على استحياء كحلمٍ لا يدوم طويلاً، يسبر أغوار ذاكرتنا عندما يغلبنا النعاس، ليوقظنا مواء قطةٍ جائعة أو نباح كلبٍ ضال أو رفرفة جناحي حمامةٍ استفاقت فجأة ً على غير عادتها، فنتأملهم، نتعلم منهم، نتسائل عن أسرارهم، كيف يروننا وفيم يفكرون؟ ولماذا يقتربون منا أحياناً وكأنهم يعرفوننا بلهفةٍ وحنان..

بشريتنا أجمل ما فينا، لكنها عندما تحد من رؤيتنا وتقوض إحساسنا بما حولنا تتحول إلى مشكلة ٍتمنعنا من الوصول إلى جوهر الوجود ومعنى الحياة..
هذا المعنى الذي لا يبلغه مكابرٌ أو غارقٌ في ماديته وأهوائه وأحقاده، ونصله بعد الكثير من الألم والفقدان والعذاب والحرمان، فيطهر أعماقنا ويعيد الروح لنقائها الأول، كمولودٍ أو كنقطةٍ يتبعها سطرٌ جديد، ككلماتٍ تحتوي القلب مثل حضن حبيبٍ عاد بعد طول انتظار..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى