محمد سعيد العريان - رجلان وامرأتان

لم يكن من طبيعتها الزهو والمباهاة، ولكنها تشعر الليلةَ بين لِداتها وصواحبها أنها قد بلغت مرتبةً من حقها أن تُزْهي بها وتفتخر؛ إنها خطيبة (سامي)، وهذا خاتم الخطبة في إصبعها يزهو ويتألَّق شعاعه؛ وأي صواحبها لم تعرف (سامي) أو تسمح به، وإنه من الشهرة وذيوع الصيت حديثُ كل فتىً ونجوى كل فتاة!

وراحت (رشيدة) تخطر بين رفيقاتها تتقبل التهاني وتوزّع الابتسامات مغتبطةً سعيدة، لا تكاد تستقر على مقعد من خفة الفرح ونشوة المسرة. . .

. . . ثم انفضَّ السامر وخلت (رشيدة) إلى نفسها تحلم بما كان وبما يكون، وتتهيأ لليوم السعيد المنتظَر!

فتى في ربيع العمر، لم يفتنه الشباب ولم يبطره الغنى، تنوَّر أملاً بعيداً فمضى يشق الطريق إليه في عزم وقوة، وبلغ؛ وبرز اسمه في الطليعة من أدباء الجيل ولم يزل في أول الطريق، وذاع اسمه كما ينفذ شعاع الصبح فتكتحل كلُّ عين من نوره ويصحو كل نعسان؛ وشدَت القمارِيّ بأغانيه في الرياض، وهتفتْ بها العذاري، وتغنَّى الفِتيان. . .

. . . ودُق الجرس ذات مساء في دار رشيدة، وجاء سامي يخطبها. . .، وتوافد لِداتها وصواحبها يهنئنها ويتمَّنين لها. . .

. . . وراحتْ تتخيَّل نفسها إلى جانبه يمشيان ذراعاً إلى ذراع تحدِّثه ويصغي لها، والناس تهتف باسمها واسمه، والعيون تتبعهما حيث يتنقلان من روضٍ إلى روضٍ في طريق مفروش بالزهر، والأصابع تشير إليهما في همس: أئنه لَهُوَ، وإنها. . .

ولذَّها الحُلمُ السعيد، فطارت بغير جناح تحلّق في وادي المنى سكرَى!

وتابعتْ على عينيها صُور؛ وأفاقتْ من سكرتها مذعورة لصورةٍ عَرَضَتْ؛ وتخيَّلتْه يحفّ به فتياتٌ يسألْنه ويجيب وفي عيونهن معانٍ وفي عينيه معنى؛ ولذعتها نار الغيرة وساورها القلق، وراحت تسأل نفسها: أتُراه - وهو مَن هو - لم يفتح قلبَه لفتاة قبلها ولن يفتحه؟ فكيف، ومِن أين لها، وإن اسمه لحديثٌ على الشفاه ونجوى في القلوب!. . . أم تراه يخ لها فلا يغلبها على قلبه أحد؟

وابيضّتْ ذؤابة الليل وما تزال أحلامُ اليقظة تُراوح بيم جنبيها في الفراش!

ومضت ليال، وأَنِستْ رشيدةُ إلى فتاها وأَنِس بها؛ وتتابع اللقاء بينهما في الحلم حيناً وفي اليقظة؛ وتكاشفَا نفساً لنفس فاطمأنَّت وزال ما كان يساورها مِن هم، واسترسلت في أحلام السعادة والمجد، وهي تحصي ما بقي من أيامها حتى يكون لها.

وجاء اليوم الموعود وزُفَّتْ رشيدةُ إلى سامي. . .

(يا هَنَاها!)

ذاك حديث كل صواحبها؛ أفتراها كانت تسمع ما يتحدَّثن؟

أما هو فكان من شأنه في شغل عما يتحدث الناس؛ لقد وجد الاستقرار والراحة منذ وجد رشيدة؛ فانصرف إلى غايته دائباً لا يشغله من شئون الحياة إلا فنُّه والأمل الذي يتتوّره على مبعدة.

وأما هي. . . أين هي من أحلامها التي كانت تداعبها في اليقظة وُتِلمُّ بها في المنام؟

هذا عام مضى منذ دخل سامي في حياتها وشاركته في داره؛ فماذا تحقق من أمانيها وماذا بقي؟ وماذا يجدي عليها صيتُه ومجدُه وشهرته وإنها لحبيسة الدار لا تتحدث إلى أحد ولا يتحدث إليها أحد؛ وزوجها الذي خلق لها دنيا عريضة من الأوهام والأماني حبيسٌ في غرفته مكبٌّ على أوراقه ودفاتره!

هذه الصحف التي تتحدث عنه، وهذه الكتب التي تصدر باسمه، وهذه الجماعات التي تدعو دعوته وتُشيد به. . . كل هذه أوهام وخداع وتلبيس على الحقيقة. لقد حسبتْ يوماً أنها ستكون أسعدَ زوجةٍ فيمن تعرف من صواحبها؛ لأن هذه أوهام المكتوبة كانت تُخيَّل لها وتخدعها عن الحقيقة؛ أما اليوم، وا أسفا!

إنه ليحبها وإنها. . . نعم، لقد كانت تحبه؛ ما في ذلك شك؛ أما اليوم. . . آه! ليتها تستطيع أن تقول. . . ليتها تستطيع أن تعرف. . .!

إنها لتحس في بعض الأحايين أنها تكرهه، شوقاً إليه!. . . ليت شعري، ما الحب؟ وما البغض؟. . . أهُما معنيان متناقضان أم هما اسمان لمعنى؟

وما الحقيقة؟ أهي شيء واحدٌ أم شيئان، ولونٌ واحدٌ أم ألوان؟ إنه هو هو، وإنها هي هي؛ لم يتغيَّر شيءٌ منها ولم يتغيَّر شيءٌ منه؛ ولم يَزَلْ هو كلَّ شيء في حياتها ولم تزَلْ؛ وهذه الأشياء التي كانت تحببه إليها يوماً هي هي التي تيغَّضه إليها اليوم.

إن الباطل الصُّراح أحبُّ إلى النفس من الحقيقة المتلوِّنة!

واحتوشتها الأفكار فلم تعرف ماذا تأخذ وماذا تدع؛ فأطرقت، وأرسلت عينيها؛ وكان سامي في غرفتي يكتب ويؤلف!

. . . وفرغ من موضوعه بعد هدأة من الليل، فرفع أوراقه بين عينيه والمصباح وراح يقرأ، وأعجبه عمله؛ فهتف: رشيدة، تعالي اسمعي!

وماذا يجدي عليه رضا الناس إن لم ترض رشيدة؟ ولكن رشيدة كانت مطوية على نفسها في الفراش تبكي؛ ودنا منها، فجفَّفتْ دموعها واعتلًّتْ؛ وجلس على حافة الفراش محزوناً أسوان يسألها عن علتها؛ وما كانت علتها غيره!

وطوى أوراقه صامتاً، وأوى إلى الفراش منكسراً ذليلاً؛ وأصبح كما يصبح كل يوم وكما أمسى؛ وأصبحت كما أمستْ!

وجاءت صديقتها (سعاد) لزيارتها؛ وما زارتها في بيت زوجها قط؛ وخلت رشيدة إلى صديقة صباها تحدثها وتستمع إليها، وخلا سامي إلى نفسه يعمل. . .

وقالت سعاد: وإني لأسمع عنك وأعرف، فيسرني هناؤك. . . وإنك لحقيقة أن تسعدي بسامي. . .!

وابتسمت رشيدة وسكتت!

ونهضت الزائرةُ فشيَّعتها صديقتها على ميعاد

وذهبتْ رشيدة لتردَ الزيارة لصاحبتها؛ ولقيتْها سعادُ في غلائلَ وشفوفٍ وَجلْوةِ عروس، وأحسنتْ استقبالها؛ ثم وَدَعَتْها لحظة لتِسرَّ إلى زوجها حديثاً وعادت، وأحست رشيدة أن صديقتها في شغل؛ فأوجزت، وسألتها: أرجو ألا يكون في زيارتي ما يشغلك عن شيء!

وابتسمت سعاد وأجابت: ليس شيئاً ذا بال؛ كنا علي أن نشاهد رواية في السينما، فطلبتُ إليه أن يذهب وحده إذا أراد! لقد شاهدناها مرة منذ يومين!

وغمغمت رشيدة بكلام، ثم أطرقت؛ أتراها كانت تحدَّث نفسها أو تحدِّثُ مضيفتها، وماذا همَّتْ أن تقول؟

وخفَّفتْ فنهضتْ، وفي قلبها حسرة، وفي صدرها غيرة، وفي رأسها فكر!

وقالت سعاد لزوجها وقد ذهبت رشيدة: (زوجة ساميّ!)

واستطردت: (إنها صديقتي منذ الطفولة! ألا تقرأ له؟ قل لي: لماذا لا تحاول أنت. . .؟ إن له مستقبلاً عظيما! لقد بَلغ. . . هل سمعْت. . وله جاهٌ وشفاعة. . . إنني ورشيدة صديقتان، لم نفترق منذ كنا، حتى تزوَّجتْ، وخطبّها على غفلة. . .!)

. . . وأدارتْ رشيدةُ مفتاح المذياع وجلستْ مرتفقةَ إليه تنتظر؛ إن زوجها هناك؛ وما بها شوق إلى أن تستمع إليه، لولا أن صوته في المذياع يردُّها لحظاتٍ إلى ماضيها، أيام كانت في بيت أبيها مُسَّماة عليه؛ تلك أيام خَلَتْ؛ وكان صوته يلذها ويبعث فيها نشوة. . . أوه! أين اليقظة من الحلم؟ أَكُتِبَ علينا ألا نرى السعادة إلا طيفاً في المنام أو حُلماً في اليقظة؟

وتَسرِّحت رشيدةُ في أوهامها. . .

. . . وكأنما أحسّ سامي من رشيدة فتوراً وانقباضاً، فأهمَّه ما أحسّ، وراح يحاول أن يصلح ما بينه وبينها، وعطف عليها يسألها في رقة: ماذا بك يا رشيدة؟

وانفجرت رشيدة غاضبة ضاخبة، وكشفت الحجاب، ونفضت عليه ما تكظم من الغيظ منذ عام؛ وطأطأ رأسه يوازن ويقدّر ويحكم؛ وبدت له الحقيقة سافرة وانكشف عنها غطاؤها؛ وآثرها بالرَّضا فقدَّم لها معاذيرَه!

وتغيَّر سامي منذ اليوم، فأغلق دار كتبه واقبل على زوجته؛ وفي المساء كانا يمشيان ذراعاً إلى ذارع في الطريق على أعين الناس؛ وصحبها إلى السيما، وسهرا معاً في الأوبرا، وتعشَّى معها في مطعم؛ وراقصها على نغمات الموسيقى في الحديقة، وعاد معها إلى الدار مخمورا قبيل الصباح!

وعرف سامي منذ الليلة أن في الحياة ألواناً من اللذة لم يذقها بعدُ وقد أوشك شبابهُ؛ فاشتهى وتمنَّى. . .

وفاءت رشيدةُ إلى الرضا وسَرَّتها حياتها الجديدة فطلبت المزيد!

وكانا يمشيان على ضفاف النيل حين اعترض سبيلهما سربُ من الحسان. وقالت إحداهنّ وأومأت إلى سامي: أئنه لَهُو! فأحنى رأسه مبتسما وأتبعها عينيه؛ وأغضتْ زوجتُه!

ولم تجد رشيدة من نفسها في الليلة التالية رغبة في الخروج؛ فخلفها في الدار ومضى وحده؛ وأشرقت الشمس قبل أن يعود، وهَّمت زوجته أن تتكلم فتركها وما تريد ومضى إلى فراشه. . .

وعرف عنوانَه من لم يكن يعرف من عشاق أدبه؛ فكثر زائروه وزائراته؛ وراح يقتضي الناسَ ثمنَ إعجابهم بفنه لذائذَ وشهوات. . .

وتدحرجت الكرةُ على المنحدر المائل واستمرتْ تهوي. . .

. . . وجاءت سعاد لتزور صديقتها، وقالت: أين سامي؟ منذ بعيد لم نسمع ولم نقرأ. . .!

وابتسمت رشيدةُ وسكتتْ؛ شأنها في يوم مضى؛ ثم أطرقت وعضت على شفتيها تحاول أن تحبس زفرة ألم!

ونهضتْ الزائرة وخلت رشيدة إلى نفسها تبكي؛ وَخيِّلتْ لما أمانيها أنه هناك، في غرفته، يكتب ويؤلف، وأنه يوشك أن يفرع من موضوعه فيهتف بها: رشيدة! تعالي اسمعي! كما كان في ليلة منذ ليال!. . . ولكنه لم يفعل، لأنه ليس هناك!. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . ثم استيقظت وهي مرتفقة إلى المذياع، ورنّ صوته في مسمعيها قادماً من بعيد، صوت ندي رطب، يتحدث في وداعة ولين. لم يكن حديثه إليها، ولكنها وجدت بَرْدَه على قلبها، فدمعتْ عيناها فرحانة؛ وهتفت: سامي! عُدْ إليْ!

ولم يسمع نداءها، ولكن خاتمة حديثه في المذياع كان جواب النداء. . .

محمد سعيد العريان


مجلة الرسالة - العدد 370
بتاريخ: 05 - 08 - 1940

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى