القط هذا الكائن الناعم الذكي، ذكرا كان أو أنثى، يظل الحيوان المحبوب والمفضل في العالم، الصديق والمرافق النظيف والحساس.
أحب القطط كثيرا، لكن من موقعي ككاتب مراقب للوضع الاجتماعي والحضاري، وبعيدا عن العاطفة الهشة والمنزلقة والرخوة، أرى أن حضور هذه الكائنات البديعة في الفضاء العام الجزائري وبهذا العدد الكبير المثير، أمر مقلق، يجب مساءلته وقراءته بشجاعة وصدق ومن دون تأجيل.
في الجزائر، يجب الإقرار بأننا أمام ظاهرة بيئية وصحية وحضارية مربكة وجادة تتمثل في الحضور الفوضوي المتصاعد للقطط في الفضاءات العامة.
من دون خوف، غزت القطط الشوارع، والأزقة، والأرصفة والحدائق العمومية، وتجرأت على المطاعم، تتجول بين الطاولات بكل ثقة، قطط بكل الألوان، بكل الجمال، وبكل الأعمار.
قطط بكل حرية تتعايش بينها وبينها والجزائري، وبكل حرية تتعارك بينها، تتسافح، تتكاثر بكثرة، بكل أريحية تقوم بتنظيف نفسها في أي مكان، تلحس فروتها بفن وبهدوء في أي مكان، لها الوقت كله، بطمأنينة تأخذ حمامها الشمسي في أي مكان، تتمدد، تنقلب، تحك فروة ظهرها بالأرض ثم تنهض، تمضي ثم تعود، خالية البال، حرة، سيدة الأمكنة العمومية جميعها.
وكما قد يحدث مع البشر، تتعرض هذه الكائنات الجميلة لحوادث السير، مرات كثيرة نشاهد جثثها الصغيرة مسحوقة على الطرق السيارة السريعة أو الطرق العادية.
ما حدود الإنسانية والمسؤولية؟
بهذا التعايش بين الجزائري والقطط، أصبحت مدننا وقرانا جميعها دون استثناء مستعمرات للقطط الضالة الحرة، وهو ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر: إنها وضعية صحية وبيئية واجتماعية مقلقة ومحيرة، لا تنتظر التأجيل.
صحيح، إن المجتمعات المتحضرة والمتقدمة هي المجتمعات التي تحترم فيها ثلاثة عناصر هي: المرأة والشجرة والحيوان.
في البدء، كانت القطط مقدسة عند المصريين القدامى، وكانوا يعتبرونها قوة حماية لهم، بل إن أول شكل لأول إلهة مصرية كانت برأس قطة.
أذكر، قبل سنوات قليلة، قال لي أحد الخبراء الأجانب المتخصص في علم المكتبات والذي زار مصر في إطار مهني علمي وهو فترة تكوين المكونين في اقتصاد المكتبات إنه تفاجأ إذ وجد القيمين على دار الكتب المصرية يربون القطط داخل المكتبة لاستعمالها في محاربة القوارض التي تمثل تهديدا حقيقيا للمخطوطات والكتب النادرة.
وأنا أستعيد حكاية هذا الخبير في علم المكتبات وأراقب حضور القطط في الفضاء العام الجزائري، قلت في نفسي: "لكم هي قادرة هذه القطط الناعمة على التدبير والتآلف والحب".
أما في بلدان شمال إفريقيا، فتحتل القطط مكانة كبيرة في التراث الشعبي الشفوي من حكايات وألغاز وأشعار، مما يدل على حضورها الوازن في الحياة اليومية.
في المخيال الجزائري والمغاربي بصورة عامة، يُعتقد بأن ملاقاة قط أسود اللون على الطريق، في الصباح، هو نذير شؤم.
في حضور القط، يتحول الجزائري المعروف بقسوته وعنفه إلى إنسان ناعم، شفاف وقد سلم كل أسلحته، ليصبح كتلة من العواطف والحب والرقة، كل ذلك تدل عليه سلوكيات كثيرة نراها يوميا في الشارع.
لكن، من أين يا ترى استقى الجزائري كل هذه العواطف والمحبة تجاه القطط؟
يعيش الجزائري في مجتمع تطغى فيه الثقافة الدينية الشعبية، حتى أصبح كائنا دينيا بامتياز، كل شيء يربطه بالدين من الرياضيات إلى كرة القدم مرورا بالذكاء الاصطناعي والانتخابات الرئاسية ولون البطيخ، هذا ما يجعلنا نتساءل: هل المعاملة اللطيفة الشفافة مع القطط تجد تفسيرا لها في طغيان هذه الثقافة الدينية الشعبوية؟
بمجرد أن تفتح حديثا مع الجزائري في موضوع يرتبط بالقطط، إلا ويذكرك، وعلى الفور بالصحابي أبو هريرة رضي الله عنه، أكبر راوية للحديث النبوي الشريف، حيث روى منها 5374 حديثا، ويسرد عليك علاقته وحبه للقطط منذ صغره، حتى أنه حمل لقبا ارتبط بالقطة: أبوهريرة.
ثم ينتقل إلى ذكر علاقة الرسول (ص) بالقطط، ومعاملتها لها، وتفضيله لها، فيروي لك كيف أن الرسول كان يحب قطة اسمها "معزة"، وقد روي عنه أحاديث تخص القطط في علاقتها بالنظافة والأنس، ومما جاء في واحد منها: " إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوَّافينَ عليكم والطوافات".
في المدن والقرى الجزائرية، بكل أمان وسكينة، تتحرك القطط في الشوارع، داخل المحلات التجارية، تتجول بين طاولات المطاعم، في مواقف السيارات، فوق العربات، تحت العربات، بين أرجل المارين، فوق الأرصفة... وكأن هذه الأماكن هي ملكيتها الخاصة.
لقد أصبحت الجزائر بمدنها وقراها بلادا مفتوحة ومباحة للقطط الضالة.
من دون شك، فحضور القطط في الفضاء العام يمثل عاملا طبيعيا في الحفاظ على التوازن الإيكولوجي والبيولوجي، لكن هذا الحضور وبهذه الوضعية الفوضوية أضحى مشكلة حقيقية على المستوى الصحي والبيئي والحضاري.
مع ذلك وأمام هذا الوضع الذي لا يحتاج إلى تأجيل، نتساءل: كيف يمكننا حل هذه المشكلة التي تتعقد أكثر فأكثر، يوما بعد يوم، دون أن نسيء أو نضر بأصدقائنا القطط؟
إننا نعثر على الجواب، أولا، في ضرورة تشجيع الجمعيات المدنية المدافعة عن حقوق الحيوانات، كما أن حل المشكلة يتطلب التزام المتخصصين وأخص بالذكر: البياطرة وعمال قطاع الصحة العمومية.
إننا أمام إشكالية سوسيو-صحية ومدنية لا يجب غض الطرف عنها.
على هؤلاء جميعا (جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوانات والبياطرة وعمال الصحة العمومية) أن يفكروا ودون تأخير في إطلاق حملة تحسيس وتوعية تتصل بمصير أصدقائنا القطط، وذلك بالبحث عن فضاءات لحمايتهم تكون مخصصة لهم.
إن الجزائر بلد يملك عددا معتبرا من العيادات البيطرية، وفيها كثير من الأطباء البيطريين، ومن باب واجب المواطنة على هؤلاء أن يشرعوا في برنامج خاص بتعقيم القطط لضبط عملية التخصيب والحد منها، على أن يكون هذا البرنامج مدروسا بدقة ومفكر فيه بعمق حتى لا نسقط في اختلال طبيعي آخر.
وعلى جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوانات أن تضغط وتطالب السلطات المحلية بفتح ملاجئ خاصة لاستقبال هذه الكائنات الرقيقة، وأن تكون هذه الفضاءات تشتمل على ظروف استقبال رحيمة وكريمة وصحية.
إن ملاجئ القطط، كما هي ملاجئ الكلاب، ليست سجونا ولا أمكنة للتعذيب أو العنف أو الحجر.
وللتخفيف من حدة هذه المشكلة، يجب تشجيع العائلات على تبني بعض الأصدقاء من فصيلة القطط، إنهم خير الرفاق لو تعلمون.
وتظل القطط، فوق هذا وذاك، مصدرا للسعادة والفرح الإنسانيين.
أحب القطط كثيرا، لكن من موقعي ككاتب مراقب للوضع الاجتماعي والحضاري، وبعيدا عن العاطفة الهشة والمنزلقة والرخوة، أرى أن حضور هذه الكائنات البديعة في الفضاء العام الجزائري وبهذا العدد الكبير المثير، أمر مقلق، يجب مساءلته وقراءته بشجاعة وصدق ومن دون تأجيل.
في الجزائر، يجب الإقرار بأننا أمام ظاهرة بيئية وصحية وحضارية مربكة وجادة تتمثل في الحضور الفوضوي المتصاعد للقطط في الفضاءات العامة.
من دون خوف، غزت القطط الشوارع، والأزقة، والأرصفة والحدائق العمومية، وتجرأت على المطاعم، تتجول بين الطاولات بكل ثقة، قطط بكل الألوان، بكل الجمال، وبكل الأعمار.
قطط بكل حرية تتعايش بينها وبينها والجزائري، وبكل حرية تتعارك بينها، تتسافح، تتكاثر بكثرة، بكل أريحية تقوم بتنظيف نفسها في أي مكان، تلحس فروتها بفن وبهدوء في أي مكان، لها الوقت كله، بطمأنينة تأخذ حمامها الشمسي في أي مكان، تتمدد، تنقلب، تحك فروة ظهرها بالأرض ثم تنهض، تمضي ثم تعود، خالية البال، حرة، سيدة الأمكنة العمومية جميعها.
وكما قد يحدث مع البشر، تتعرض هذه الكائنات الجميلة لحوادث السير، مرات كثيرة نشاهد جثثها الصغيرة مسحوقة على الطرق السيارة السريعة أو الطرق العادية.
ما حدود الإنسانية والمسؤولية؟
بهذا التعايش بين الجزائري والقطط، أصبحت مدننا وقرانا جميعها دون استثناء مستعمرات للقطط الضالة الحرة، وهو ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر: إنها وضعية صحية وبيئية واجتماعية مقلقة ومحيرة، لا تنتظر التأجيل.
صحيح، إن المجتمعات المتحضرة والمتقدمة هي المجتمعات التي تحترم فيها ثلاثة عناصر هي: المرأة والشجرة والحيوان.
في البدء، كانت القطط مقدسة عند المصريين القدامى، وكانوا يعتبرونها قوة حماية لهم، بل إن أول شكل لأول إلهة مصرية كانت برأس قطة.
أذكر، قبل سنوات قليلة، قال لي أحد الخبراء الأجانب المتخصص في علم المكتبات والذي زار مصر في إطار مهني علمي وهو فترة تكوين المكونين في اقتصاد المكتبات إنه تفاجأ إذ وجد القيمين على دار الكتب المصرية يربون القطط داخل المكتبة لاستعمالها في محاربة القوارض التي تمثل تهديدا حقيقيا للمخطوطات والكتب النادرة.
وأنا أستعيد حكاية هذا الخبير في علم المكتبات وأراقب حضور القطط في الفضاء العام الجزائري، قلت في نفسي: "لكم هي قادرة هذه القطط الناعمة على التدبير والتآلف والحب".
أما في بلدان شمال إفريقيا، فتحتل القطط مكانة كبيرة في التراث الشعبي الشفوي من حكايات وألغاز وأشعار، مما يدل على حضورها الوازن في الحياة اليومية.
في المخيال الجزائري والمغاربي بصورة عامة، يُعتقد بأن ملاقاة قط أسود اللون على الطريق، في الصباح، هو نذير شؤم.
في حضور القط، يتحول الجزائري المعروف بقسوته وعنفه إلى إنسان ناعم، شفاف وقد سلم كل أسلحته، ليصبح كتلة من العواطف والحب والرقة، كل ذلك تدل عليه سلوكيات كثيرة نراها يوميا في الشارع.
لكن، من أين يا ترى استقى الجزائري كل هذه العواطف والمحبة تجاه القطط؟
يعيش الجزائري في مجتمع تطغى فيه الثقافة الدينية الشعبية، حتى أصبح كائنا دينيا بامتياز، كل شيء يربطه بالدين من الرياضيات إلى كرة القدم مرورا بالذكاء الاصطناعي والانتخابات الرئاسية ولون البطيخ، هذا ما يجعلنا نتساءل: هل المعاملة اللطيفة الشفافة مع القطط تجد تفسيرا لها في طغيان هذه الثقافة الدينية الشعبوية؟
بمجرد أن تفتح حديثا مع الجزائري في موضوع يرتبط بالقطط، إلا ويذكرك، وعلى الفور بالصحابي أبو هريرة رضي الله عنه، أكبر راوية للحديث النبوي الشريف، حيث روى منها 5374 حديثا، ويسرد عليك علاقته وحبه للقطط منذ صغره، حتى أنه حمل لقبا ارتبط بالقطة: أبوهريرة.
ثم ينتقل إلى ذكر علاقة الرسول (ص) بالقطط، ومعاملتها لها، وتفضيله لها، فيروي لك كيف أن الرسول كان يحب قطة اسمها "معزة"، وقد روي عنه أحاديث تخص القطط في علاقتها بالنظافة والأنس، ومما جاء في واحد منها: " إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوَّافينَ عليكم والطوافات".
في المدن والقرى الجزائرية، بكل أمان وسكينة، تتحرك القطط في الشوارع، داخل المحلات التجارية، تتجول بين طاولات المطاعم، في مواقف السيارات، فوق العربات، تحت العربات، بين أرجل المارين، فوق الأرصفة... وكأن هذه الأماكن هي ملكيتها الخاصة.
لقد أصبحت الجزائر بمدنها وقراها بلادا مفتوحة ومباحة للقطط الضالة.
من دون شك، فحضور القطط في الفضاء العام يمثل عاملا طبيعيا في الحفاظ على التوازن الإيكولوجي والبيولوجي، لكن هذا الحضور وبهذه الوضعية الفوضوية أضحى مشكلة حقيقية على المستوى الصحي والبيئي والحضاري.
مع ذلك وأمام هذا الوضع الذي لا يحتاج إلى تأجيل، نتساءل: كيف يمكننا حل هذه المشكلة التي تتعقد أكثر فأكثر، يوما بعد يوم، دون أن نسيء أو نضر بأصدقائنا القطط؟
إننا نعثر على الجواب، أولا، في ضرورة تشجيع الجمعيات المدنية المدافعة عن حقوق الحيوانات، كما أن حل المشكلة يتطلب التزام المتخصصين وأخص بالذكر: البياطرة وعمال قطاع الصحة العمومية.
إننا أمام إشكالية سوسيو-صحية ومدنية لا يجب غض الطرف عنها.
على هؤلاء جميعا (جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوانات والبياطرة وعمال الصحة العمومية) أن يفكروا ودون تأخير في إطلاق حملة تحسيس وتوعية تتصل بمصير أصدقائنا القطط، وذلك بالبحث عن فضاءات لحمايتهم تكون مخصصة لهم.
إن الجزائر بلد يملك عددا معتبرا من العيادات البيطرية، وفيها كثير من الأطباء البيطريين، ومن باب واجب المواطنة على هؤلاء أن يشرعوا في برنامج خاص بتعقيم القطط لضبط عملية التخصيب والحد منها، على أن يكون هذا البرنامج مدروسا بدقة ومفكر فيه بعمق حتى لا نسقط في اختلال طبيعي آخر.
وعلى جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوانات أن تضغط وتطالب السلطات المحلية بفتح ملاجئ خاصة لاستقبال هذه الكائنات الرقيقة، وأن تكون هذه الفضاءات تشتمل على ظروف استقبال رحيمة وكريمة وصحية.
إن ملاجئ القطط، كما هي ملاجئ الكلاب، ليست سجونا ولا أمكنة للتعذيب أو العنف أو الحجر.
وللتخفيف من حدة هذه المشكلة، يجب تشجيع العائلات على تبني بعض الأصدقاء من فصيلة القطط، إنهم خير الرفاق لو تعلمون.
وتظل القطط، فوق هذا وذاك، مصدرا للسعادة والفرح الإنسانيين.