حيدر الناصري - نعلا الملاك الصغير...

قبل أن تدفنا جرّافات الجيش، صارت الحفرة العميقة كحنجرة عليلة، لا تنفث سوى أصوات: الصراخ والسعال والآهات والتوسّلات.

أهالوا التراب؛ فخمدت أجسادنا: أنا وأمي وأختي الصغيرة المتعلّقة بنعليها، وآخرون كان الجيش حملهم من المدن المنتفضة، في ناقلات الجند ليلا، إلى هذه البادية التي لا تبين لها نهاية.

أحسستُ أن هناك خطب، جسدي المخنوق المرضوض المُترب، أنسلخ عنه كما الباقين، وأعرج معهم إلى عالم الملكوت، نحو أسوار الأبديّة الشاهقة.

عند بوّابة الفردوس العظيمة، ألفينا عليها حاجبين، حين عرفا المكان الذي قدمنا منه رحّبا بنا، وأبلغانا أن لنا مكانة خاصة عند الرّب، تميّزنا عن الباقين...

انفرط عقد الجمع، فرحين يتهادون نحو أعماق الجنّة، على ممرّ طويل لا تدرك نهايته، على جانبيه أشجار ثمارها متدلّية، والطيور فيه غادية رائحة.

أمي انتحت مكانا قرب شُجيرة مع أختي، وأنا لحقتُ بخطواتها.

قالت أمي للحاجب، بإصرار يشوبه حزن بليغ:

لن أتحرّك حتى أكلمه، لدي كلام كثير معه، احضر نعلي ابنتي الآن أيها الحاجب.

نظر الحاجب إلى الآخر، وارتسمت على وجهيهما إمارات الحيرة والذهول.

ساد الصمت برهة، وأنهاها صوت جاء من أعماق الفردوس:

- نفّذا ما تطلب.

لم يمر وقت طويل، حتى صار أمامنا صندق ذهبيّ، غطائه شفّاف، فيه نعلا أختي.

سلّمه الحاجب لأمي، وخيّرنا أن يكلمنا الربّ من خلال النخلة، أو من خلال الماء.

أمي اختارت النخلة، وأنا لشدّة حبّي للماء اخترته.

نظرا الحاجب لنا، وقال بصوت حانٍ:

استقرّا على رأي واحد؛ فاخترنا النخلة.

اوصلنا الحاجب إلى ممرٍّ، كأنه مرصوف بالزجاج، لمحنا من تحته أسماكا وكائنات ملوّنة بأحجام مختلفة تسبح.

توقّف الحاجب وقال:

- هذا منتهى مقدرتي، امضوا في هذا الدرب حتى يلاقيكم سياج مُذهّب فيه باب، ادخوا فيه وستجدون نخلة عظيمة هناك في قلب البستان، اقصدوها، وسيكون لكم حديث مع الربّ.

ودّعنا الحاجب، ومضينا حتى وصلنا إلى الباب المذهّبة، دخلنا فلمحنا وسط البستان نخلة وارفة.

قالت أمي والدمع يهمي: هناك تحت فيئها، سأخبره بكلّ ما جرى علينا.

تملّكتنا الرهبة ونحن نقترب، حتى صرّنا تحت أعذاقها، بانكسار وضعت أمي الصندوق أمامها، وشرعت تقصّ على الربّ ما جرى، وهي تنشج وتبكي...

تغيّر لون كلّ شيء في الفردوس إلى لون باهت، توقّفت سقسقة الطيور وتغريدها، وأطلقت أصواتا تشبه النحيب، النخلة اهتزّت مرات، وبدأ الدمع يتساقط منها بشكل غزير، حتى غطّى محيط جذعها، وراح يهبط صوب أذرع الأنهر الصغيرة المنتشرة، التي لم تستوعبه حتى فاضت، وظل يجري ويرتفع...

حتى سمعنا كلاما تناقله سكّان الفردوس، أنه وصل إلى قعر جهنّم وأطفأ نيرانها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى