تمثال
شدا بأغنيةٍ مجلوبةٍ من خزانة زمنٍ فات، غنّاها قديمًا رجلٌ ذو بشرةٍ سمراء تشبه بشرته، وطيبةٍ في عينيه تشبه طيبته، كانت المدة الزَّمنية بين غناء الأصل وغناء الصّورة مائة عامٍ، وما زاد الأمر غرابةً أنّ صوتيهما الرّخيمين تطابقا إلى درجةٍ مذهلةٍ.. لم يستطيع الجزم بصحة تلك المقارنة سوى التّمثال الشَّاخص في الميدان؛ تمثالٌ نُحِتَ من حجارةٍ كأيّ تمثالٍ، لكنّه منذ أن ارتوى بالدّم، دبّت فيه روحٌ طيبةٌ، حرص على إخفائها. ورغم تباعد واختلاف الزمنين، فقد أصغى التمثال بالطّريقة نفسها إلى الرّجلين، وتشابهت ردَّتا فعله في الحالتين؛ فقد دأب وهو المنحوت من الجرانيت على شرب قرار الأغنية وجوابها، ودندنة مطلعها ومذهبها؛ ولولا خشيته أن يُصاب المارّة بذعرٍ يفضي إلى لوثةٍ عقليّة، لهتف بأعلى صوته مستحسنًا الغناء المنساب كالحرير؛ فقد كان للرجلين صوتٌ حزينٌ له بحَّةٌ أذابت الحجر، وأطربت البنايات القديمة الممتدّة في مواجهة البحر، والبحر -لو تعلمون- مُوسِيقِيٌّ قديمٌ، مسَّه الغناء، وراح يعزف اللَّحن على الماء؛ فهو مثل الرَّجلين مُبتلًى؛ دأب محبوه على البوح له بأسرارهم، وحفظ السرّ -صانكم الله- يُثقل القلوب، وقلب البحر رهيفٌ رهيفٌ، رغم عنفوانه الظَّاهر، انهمك في العزف والاستماع؛ فرقَّ، وغلبه البكاء، وأرسل نوارسه الذّاهلة عن صفحة الموج؛ كي تغسل أحزانها بالنّور الصَّاعد من الميدان، والنّوارس اندفعت بلهفةٍ، واجتازت بأجنحتها المحلّقة شارع الكورنيش، وحطّت فوق كتفي ورأس التّمثال الذي بكى بحرقةٍ، وسالت الدّموع من عينيه.
بائع تينٍ شوكيّ
قديمًا مرّ أمام التّمثال بائع تينٍ شوكيّ يدفع عربته الخشبيّة، يقشر ثمرات التّين بالسّكين، فيُدمي الشّوك كفيه الخشنتين اللتين طبع الزّمن عليهما آثار الشّقاء. للبائع وجهٌ أسمر يشبه نحتًا فرعونيًّا سطَّرت الأيَّام عليه خطوطًا غائرةً، تنبئ بأهوالٍ رأتها عيناه، يعتمر عمامةً، ويرتدي جلبابًا فضفاضًا كعادة من وفد إلى الإسكندرية من صعيد مصر. أنجب سبعةً من الذّكور، سدُّوا عين الشَّمس، والشَّمس صبيّة عذراء، هامت بابنه الأصغر، وراحت تلقي بخجلٍ أشعّتها الحانية عليه كرسائل غرامٍ في كلّ مكانٍ ذهب إليه. ولمّا نفى الإنجليز سعدًا إلى مالطا، خرج الشَّعب إلى الميدان رجالًا ونساءً، يصبُّون الغضب من حناجرهم كما يُصَبُّ الماء المغليّ، وحمل رجلٌ قويّ البنية ابن الصَّعيديَّ الأصغر على كتفيه، فراح يهتف بحماسةٍ ضد المحتلّ، والشّمس كعادتها تراقب الشَّابَّ الأسمر المتصبّب عرقًا بعينين مبهورتين، وفجأةً، أطلَّ من وراء الحاجز جنديٌّ إنجليزيّ أمهق، له شعرٌ أشقر وعينان ملونتان، غاظه الهتاف؛ فسدَّد رصاصةً من بندقيته إلى صدر الشَّابّ المصريّ؛ فشهقت الشَّمس بجزعٍ، والرّفاق اجتمعوا حول الجثمان، والدّم الغزير، سال على أرض الشّارع المرصوف بالبازلت، وتسلَّل من الثُّقوب الصَّغيرة إلى قاعدة التّمثال الحجريّة، ولشدّ ما كانت دهشة التّمثال أن تفتحت في قدميه أوردة وشرايين امتصّت الدّم، وانتشرت داخل جسده؛ إذ بقى في الظّاهر تمثالًا عاجزًا عن الحركة، وتحوَّل في الخفاء إلى كائنٍ حيٍّ، يسمع ويرى، فأبصر الشَّابَّ، وقد وُضِعَ في محفّة حملوها على الأعناق، وحسب ما قصّه جارٌ على صاحبه، وقد جلسا في اليوم التَّالي على القاعدة الحجريّة أنّ الأب الصَّعيديّ، وقف أمام جسد ابنه متخشّبًا، فتمنّى النّاس أن تسيل دموعه؛ مخافة أن يقتله حزنه المكتوم، غير أنَّ دموعه ظلّت عزيزةً كعورةٍ خجل أن تُكشَف أمام الحاضرين الذين لم يدركوا ساعتها أنّ دموع الأب السّاهم تسيل داخله كماء نارٍ يكوى ضلوعه.
جرى الوقت وجرى، والأيّام واظبت على أن تسقي الأب دواء النّسيان، لكنّ الدّواء كان مغشوشًا، وصورة ولده ظلّت مطبوعةً في ذاكرته، حتَّى ساءت حاله؛ فلجأ إلى البحر يشكو إليه علّته. ولمّا كان البحر يضجّ بالأسرار، أخرج إلي الأب المكلوم من تحت الماء الفائر رجلًا مهيب الطّلعة، يكسو الشّيب شعره، يحمل بين يديه كأسًا بها شرابٌ شفافٌ؛ ارتوى به الأب المثقل بالأحزان. وقبل أن يعود الحكيم إلى قاع البحر، لقَّن الأب أغنيةً، أخبره بأنّها التّرياق والعزاء، واشترط عليه أن يغنيها عند التّمثال. وفي عصر اليوم التّالي دفع الصّعيديّ عربته الخشبيّة، وراح يشدو بالأغنية؛ فانتحب التّمثال، وبكت الشّمس، وتجمَّعت النَّوارس، وطربت البنايات، وانهمك البحر من عزفه. ولمّا أنهى بائع التّين الشَّوكيّ الغناء، تشقّق التّمثال، وخرج الشُّابُّ الأسمر من جوفه، وقد اكتسى بثيابٍ خضراء، فأقبل على أبيه المذهول، الذي لا يصدق ما تراه عيناه، وبعد تحديقٍ وتدقيقٍ عانق بائع التّين ولده الأصغر بلهفةٍ، في الوقت الذي التأمت فيه حجارة التّمثال، وعادت كما كانت.. وبعد حديثٍ ومناجاةٍ هبط اللّيل؛ فودّع الشَّابُّ أباه، وعبر شارع الكورنيش، وتوجّه إلى البحر مستقرّه الجديد.
بائع عطر
(العِرق يمدّ لسابع جدّ)؛ ومن نسل بائع التّين الشّوكيّ جاء حفيدٌ، يعمل بائع عطرٍ جوَّال، في الثالثة والثلاثين من عمره، لم يتزوج بعد.. وفي ذات نهارٍ عرض بضاعته كما جرت العادة برشِّ دفقة عطرٍ على جلد يد أحد الزبائن، ورغم ضآلة الدّفقة، فقد طغت رائحتها، وهيمنت على الميدان والفضاء، وسرعان ما هبطت ملائكةٌ، ودُقَّت دفوفٌ، وهتف هاتفٌ دعا البائع إلى التَّوجُّه إلى البحر ليلًا؛ فهناك سيجد مراده. البائع المشدوه استولى عليه الخوف والذّهول؛ فامتنع عن تلبية النداء؛ خشية اقتحام المجهول.. ولمَّا تكرَّرت الدَّعوة في الأيام التّالية، غلبه الفضول؛ فتجاسر، واتَّجه إلى الشَّاطئ، وخلع جلبابه، وسار مرتجفًا، وما إن مسّ جسده الماء، حتَّى جذبته يدٌ خفيّة إلى عمق البحر، وهناك خرجت من تحت الماء فتاةٌ تلتمع كلؤلؤةٍ، هي في حقيقتها حفيدة حكيم البحر الذي زُفّت ابنته منذ مائة عامٍ إلى ابن بائع التّين الشّوكيّ الذي يعيش تحت الماء حيًّا يرزق لا يصيبه مرضٌ، ولا يجري عليه حساب الزّمن المألوف.. وجه الفتاة الوضَّاء أزاح ظلام اللَّيل الدَّامس؛ فأسكر جمالها بائع العطر بغير خمرٍ، وسرى الخدر في جسده، وذهل عن العوم، وأشرف على الغرق، لولا أنَّ الفتاة العفيّة، سحبته إلى الشّاطئ، وبعد دقائق عاد إليه الوعي، وما لبث أن سحرته حلاوة عينيها؛ ففُتِنَ بها، وهام. ولمَّا حلَّ الفجر، وصار الفراق أمرًا محتومًا، ودَّعته الفتاة، وهمَّت بالعودة إلى قصرها الأبيض تحت الماء؛ فتشبَّث بردائها، ورجاها أن تنتظر، فلقّنته الأغنية ذاتها، لعلّ أبويها يأذنان لها مرَّةً أخرى بالخروج، وأوصته أن يغنَّى الأغنية عند التّمثال مستقرّ أبيها الأول.. ومن تلك اللّيلة، دأب بائع العطر على الشَّدو بأغنيته بمجرد وصوله إلى الميدان على أمل أن يسمع الهاتف يدعوه.. والأيام مرّت، تتبعها الشُّهور حتّى بلغ العدّ سبع سنواتٍ كاملةٍ، وبائع العطر على حاله محرومٌ يكابد الشّوق، ويحرقه الوجد، ويمنّي النَّفس نهارًا، ويرابط على الشّاطئ ليلًا، حتّى صار كهلًا في الأربعين، يغنّي ليل نهار بحرقةٍ ولوعةٍ وانتظارٍ؛ فيبكي لحاله التّمثالُ والشَّمس والبنايات، ويرسل البحرُ النّوارسَ تواسيه، وتطالبه بالتَّروي والصّبر إلى أن يحين اللقاء؛ فسبع سنين تحت الماء بمقدار شهر مما يَعدّه أهل الأرض.. ومع مرور الوقت خفّ جسد البائع، وقلبه شفّ، وصار يطيل النَّظر إلى السَّماء؛ فيبصر ما لا يبصره الآخرون، الذين يمرون به، فيتهكمون على غنائه، ولا تكفُّ ألسنتهم عن وصفه بالعَتَه والجنون.
شدا بأغنيةٍ مجلوبةٍ من خزانة زمنٍ فات، غنّاها قديمًا رجلٌ ذو بشرةٍ سمراء تشبه بشرته، وطيبةٍ في عينيه تشبه طيبته، كانت المدة الزَّمنية بين غناء الأصل وغناء الصّورة مائة عامٍ، وما زاد الأمر غرابةً أنّ صوتيهما الرّخيمين تطابقا إلى درجةٍ مذهلةٍ.. لم يستطيع الجزم بصحة تلك المقارنة سوى التّمثال الشَّاخص في الميدان؛ تمثالٌ نُحِتَ من حجارةٍ كأيّ تمثالٍ، لكنّه منذ أن ارتوى بالدّم، دبّت فيه روحٌ طيبةٌ، حرص على إخفائها. ورغم تباعد واختلاف الزمنين، فقد أصغى التمثال بالطّريقة نفسها إلى الرّجلين، وتشابهت ردَّتا فعله في الحالتين؛ فقد دأب وهو المنحوت من الجرانيت على شرب قرار الأغنية وجوابها، ودندنة مطلعها ومذهبها؛ ولولا خشيته أن يُصاب المارّة بذعرٍ يفضي إلى لوثةٍ عقليّة، لهتف بأعلى صوته مستحسنًا الغناء المنساب كالحرير؛ فقد كان للرجلين صوتٌ حزينٌ له بحَّةٌ أذابت الحجر، وأطربت البنايات القديمة الممتدّة في مواجهة البحر، والبحر -لو تعلمون- مُوسِيقِيٌّ قديمٌ، مسَّه الغناء، وراح يعزف اللَّحن على الماء؛ فهو مثل الرَّجلين مُبتلًى؛ دأب محبوه على البوح له بأسرارهم، وحفظ السرّ -صانكم الله- يُثقل القلوب، وقلب البحر رهيفٌ رهيفٌ، رغم عنفوانه الظَّاهر، انهمك في العزف والاستماع؛ فرقَّ، وغلبه البكاء، وأرسل نوارسه الذّاهلة عن صفحة الموج؛ كي تغسل أحزانها بالنّور الصَّاعد من الميدان، والنّوارس اندفعت بلهفةٍ، واجتازت بأجنحتها المحلّقة شارع الكورنيش، وحطّت فوق كتفي ورأس التّمثال الذي بكى بحرقةٍ، وسالت الدّموع من عينيه.
بائع تينٍ شوكيّ
قديمًا مرّ أمام التّمثال بائع تينٍ شوكيّ يدفع عربته الخشبيّة، يقشر ثمرات التّين بالسّكين، فيُدمي الشّوك كفيه الخشنتين اللتين طبع الزّمن عليهما آثار الشّقاء. للبائع وجهٌ أسمر يشبه نحتًا فرعونيًّا سطَّرت الأيَّام عليه خطوطًا غائرةً، تنبئ بأهوالٍ رأتها عيناه، يعتمر عمامةً، ويرتدي جلبابًا فضفاضًا كعادة من وفد إلى الإسكندرية من صعيد مصر. أنجب سبعةً من الذّكور، سدُّوا عين الشَّمس، والشَّمس صبيّة عذراء، هامت بابنه الأصغر، وراحت تلقي بخجلٍ أشعّتها الحانية عليه كرسائل غرامٍ في كلّ مكانٍ ذهب إليه. ولمّا نفى الإنجليز سعدًا إلى مالطا، خرج الشَّعب إلى الميدان رجالًا ونساءً، يصبُّون الغضب من حناجرهم كما يُصَبُّ الماء المغليّ، وحمل رجلٌ قويّ البنية ابن الصَّعيديَّ الأصغر على كتفيه، فراح يهتف بحماسةٍ ضد المحتلّ، والشّمس كعادتها تراقب الشَّابَّ الأسمر المتصبّب عرقًا بعينين مبهورتين، وفجأةً، أطلَّ من وراء الحاجز جنديٌّ إنجليزيّ أمهق، له شعرٌ أشقر وعينان ملونتان، غاظه الهتاف؛ فسدَّد رصاصةً من بندقيته إلى صدر الشَّابّ المصريّ؛ فشهقت الشَّمس بجزعٍ، والرّفاق اجتمعوا حول الجثمان، والدّم الغزير، سال على أرض الشّارع المرصوف بالبازلت، وتسلَّل من الثُّقوب الصَّغيرة إلى قاعدة التّمثال الحجريّة، ولشدّ ما كانت دهشة التّمثال أن تفتحت في قدميه أوردة وشرايين امتصّت الدّم، وانتشرت داخل جسده؛ إذ بقى في الظّاهر تمثالًا عاجزًا عن الحركة، وتحوَّل في الخفاء إلى كائنٍ حيٍّ، يسمع ويرى، فأبصر الشَّابَّ، وقد وُضِعَ في محفّة حملوها على الأعناق، وحسب ما قصّه جارٌ على صاحبه، وقد جلسا في اليوم التَّالي على القاعدة الحجريّة أنّ الأب الصَّعيديّ، وقف أمام جسد ابنه متخشّبًا، فتمنّى النّاس أن تسيل دموعه؛ مخافة أن يقتله حزنه المكتوم، غير أنَّ دموعه ظلّت عزيزةً كعورةٍ خجل أن تُكشَف أمام الحاضرين الذين لم يدركوا ساعتها أنّ دموع الأب السّاهم تسيل داخله كماء نارٍ يكوى ضلوعه.
جرى الوقت وجرى، والأيّام واظبت على أن تسقي الأب دواء النّسيان، لكنّ الدّواء كان مغشوشًا، وصورة ولده ظلّت مطبوعةً في ذاكرته، حتَّى ساءت حاله؛ فلجأ إلى البحر يشكو إليه علّته. ولمّا كان البحر يضجّ بالأسرار، أخرج إلي الأب المكلوم من تحت الماء الفائر رجلًا مهيب الطّلعة، يكسو الشّيب شعره، يحمل بين يديه كأسًا بها شرابٌ شفافٌ؛ ارتوى به الأب المثقل بالأحزان. وقبل أن يعود الحكيم إلى قاع البحر، لقَّن الأب أغنيةً، أخبره بأنّها التّرياق والعزاء، واشترط عليه أن يغنيها عند التّمثال. وفي عصر اليوم التّالي دفع الصّعيديّ عربته الخشبيّة، وراح يشدو بالأغنية؛ فانتحب التّمثال، وبكت الشّمس، وتجمَّعت النَّوارس، وطربت البنايات، وانهمك البحر من عزفه. ولمّا أنهى بائع التّين الشَّوكيّ الغناء، تشقّق التّمثال، وخرج الشُّابُّ الأسمر من جوفه، وقد اكتسى بثيابٍ خضراء، فأقبل على أبيه المذهول، الذي لا يصدق ما تراه عيناه، وبعد تحديقٍ وتدقيقٍ عانق بائع التّين ولده الأصغر بلهفةٍ، في الوقت الذي التأمت فيه حجارة التّمثال، وعادت كما كانت.. وبعد حديثٍ ومناجاةٍ هبط اللّيل؛ فودّع الشَّابُّ أباه، وعبر شارع الكورنيش، وتوجّه إلى البحر مستقرّه الجديد.
بائع عطر
(العِرق يمدّ لسابع جدّ)؛ ومن نسل بائع التّين الشّوكيّ جاء حفيدٌ، يعمل بائع عطرٍ جوَّال، في الثالثة والثلاثين من عمره، لم يتزوج بعد.. وفي ذات نهارٍ عرض بضاعته كما جرت العادة برشِّ دفقة عطرٍ على جلد يد أحد الزبائن، ورغم ضآلة الدّفقة، فقد طغت رائحتها، وهيمنت على الميدان والفضاء، وسرعان ما هبطت ملائكةٌ، ودُقَّت دفوفٌ، وهتف هاتفٌ دعا البائع إلى التَّوجُّه إلى البحر ليلًا؛ فهناك سيجد مراده. البائع المشدوه استولى عليه الخوف والذّهول؛ فامتنع عن تلبية النداء؛ خشية اقتحام المجهول.. ولمَّا تكرَّرت الدَّعوة في الأيام التّالية، غلبه الفضول؛ فتجاسر، واتَّجه إلى الشَّاطئ، وخلع جلبابه، وسار مرتجفًا، وما إن مسّ جسده الماء، حتَّى جذبته يدٌ خفيّة إلى عمق البحر، وهناك خرجت من تحت الماء فتاةٌ تلتمع كلؤلؤةٍ، هي في حقيقتها حفيدة حكيم البحر الذي زُفّت ابنته منذ مائة عامٍ إلى ابن بائع التّين الشّوكيّ الذي يعيش تحت الماء حيًّا يرزق لا يصيبه مرضٌ، ولا يجري عليه حساب الزّمن المألوف.. وجه الفتاة الوضَّاء أزاح ظلام اللَّيل الدَّامس؛ فأسكر جمالها بائع العطر بغير خمرٍ، وسرى الخدر في جسده، وذهل عن العوم، وأشرف على الغرق، لولا أنَّ الفتاة العفيّة، سحبته إلى الشّاطئ، وبعد دقائق عاد إليه الوعي، وما لبث أن سحرته حلاوة عينيها؛ ففُتِنَ بها، وهام. ولمَّا حلَّ الفجر، وصار الفراق أمرًا محتومًا، ودَّعته الفتاة، وهمَّت بالعودة إلى قصرها الأبيض تحت الماء؛ فتشبَّث بردائها، ورجاها أن تنتظر، فلقّنته الأغنية ذاتها، لعلّ أبويها يأذنان لها مرَّةً أخرى بالخروج، وأوصته أن يغنَّى الأغنية عند التّمثال مستقرّ أبيها الأول.. ومن تلك اللّيلة، دأب بائع العطر على الشَّدو بأغنيته بمجرد وصوله إلى الميدان على أمل أن يسمع الهاتف يدعوه.. والأيام مرّت، تتبعها الشُّهور حتّى بلغ العدّ سبع سنواتٍ كاملةٍ، وبائع العطر على حاله محرومٌ يكابد الشّوق، ويحرقه الوجد، ويمنّي النَّفس نهارًا، ويرابط على الشّاطئ ليلًا، حتّى صار كهلًا في الأربعين، يغنّي ليل نهار بحرقةٍ ولوعةٍ وانتظارٍ؛ فيبكي لحاله التّمثالُ والشَّمس والبنايات، ويرسل البحرُ النّوارسَ تواسيه، وتطالبه بالتَّروي والصّبر إلى أن يحين اللقاء؛ فسبع سنين تحت الماء بمقدار شهر مما يَعدّه أهل الأرض.. ومع مرور الوقت خفّ جسد البائع، وقلبه شفّ، وصار يطيل النَّظر إلى السَّماء؛ فيبصر ما لا يبصره الآخرون، الذين يمرون به، فيتهكمون على غنائه، ولا تكفُّ ألسنتهم عن وصفه بالعَتَه والجنون.