د. أحمد كرماني عبد الحميد - تراتيل الظل الأسود.. فستان الدانتيل...

ذلك الفستان الأسود، ينساب على مهل، حين تحملينه بتلك الأنوثة الطاغية تعزفين في مشيتك إيقاعاً خفياً، لا أعلم لم يذكّرني بالماء حين يعانق الشطآن !! وتلك الالتفاتة العابرة التي تشعل المدى كبرق مفاجئ في سماء الليل. تتلعثم أمامها الكلمات، ثم تأتي يداك لتمسك بحاشيته السفلى لتضبطا انسيابه، ولتضيفا إليه رعشة الحياة.
الفستان، مهما كان من دانتيل أسود يطرز الحلم، يظل قماشاً معلقاً على شماعة الوجود حتى يأتي الجسد، فيحيله شعراً ناطقاً، وينفث فيه روحاً تتراقص مع الضوء، وتستجيب للهواء، وتكتب على مسام الليل نبضاً لا يُقال إلا بلغة الجسد. إنه يحتاج إلى تلك الأنوثة التي تعرف كيف تجعل من الفستان قصيدةً لا تُقال إلا بلغة العينين، ولا تُفهم إلا حين يلتف الخصر حول القماش، ويترجرج الموج في مشية ليست كالمشي، بل هي صلاة لخطوات الأرض، ولهمسات الليل.

IMG-20250603-WA0002.jpg

فستان الدانتيل ، ذاك الفستان ، يحتاج إلى تلك الأنوثة التي تعرف أن الأسود ليس لون الحداد، بل لون الليل حين يكتنز بالأسرار، ولون العتمة حين توشك أن تتوهج بالنجوم، لون الهمس حين يصير أغنية، ولون الصمت حين يتوهج بالحضور.
ذلك الفستان الأسود من الدانتيل، لا يصبح فستاناً حقاً إلا حين يصبح ظلك ظل امرأة تمشي، ونور امرأة تتكلم، ووشوشة امرأة تتنفس الحضور، إنه لا يكتمل إلا بكِ، لا يكتمل إلا حين تلبسه تلك التي تعرف فقه الدانتيل: أن تحيك من الخيوط شِبَاكاً للضوء، أن تطرز على الحواف أسرار الوقت، أن تجعل من الملمس وعداً، ومن الالتفاف حول الجسد احتفالاً لا يُرى إلا بالعينين المغمضتين، ولا يُفهم إلا حين تُفَكُّ طلاسمه بأنامل ترتجف من شدة الوجد.
ذلك الفستان الأسود من الدانتيل، لا يصبح فستاناً إلا حين تهمسين فيه بأنوثتك، فتتفتح أزراره كوردة سوداء، وتتماوج خيوطه كأنها تراتيل جسدٍ يتنفس الشعر، وينبض بالقصيدة.
ذلك الفستان، يا سيدتي، لا يكتمل إلا حين تصيرين أنتِ قصيدته الكبرى، وظله الأبدي، وأنفاسه المخبأة في طياته، فتكتبين عليه بما لا يُقال، وتتركين فيه ما لا يُنسى..

د. أحمد كرماني عبد الحميد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى