شريف محيي الدين إبراهيم - المملكة الملعونة...

في مملكة الحروف، حيث تُعبد الكلمة وتُصلب الفكرة، انقسم الناس إلى قبيلتين:

قبيلة البلاغيين: لا يشغلهم إلا النحو، والإعراب. يعبدون الحرف، ويشنقون من يُخطئ في نصب المفعول به.

وقبيلة التراثيين: ينامون على ركام الكتب القديمة، يتبعون كل ما هو ماضٍ، لا لشيء، إلا لأنه قديم.

وعلى هامش المملكة، حيث تُلقى الأفكار قبل النفايات، كانت تعيش طائفة منسية: شبابٌ يحلمون بعالم مختلف.
لكن لا أحد يصغي إليهم.

"عمر"
رجل جاد، تنقّل طويلًا بين القبيلتين: حفظ ألفية ابن مالك، وتبتّل في مرويات ابن تيمية.
وحين أتعبه الترداد، تمرّد.
خرج يبحث عن معرفة حيّة... ترى، وتسمع، وتتغير.
جلس عمر يقلب في يده جهازًا صغيرًا، تنبعث منه موسيقى، وأحاديث علم، وحكايات. حصل عليه من مملكة "الأغيار"، وهم قوم يسكنون الضفة الأخرى من النهر، ويتحينون كل فرصة لسحق مدينة الحروف.

كان سكان مملكة الحروف يقولون إن الأغيار قومٌ أنجاس، ملاعين، يملكون نارًا لا تُرى، وألسنةً لا تُفهم…
وأن من يقترب منهم يُصاب بلعنة الخراب.

لكن الجهاز لم يكن يعمل دائمًا...
ففي أسفل المدينة، تحت المكتبات المتداعية، كانت هناك شبكة قديمة من الأسلاك، أنشأها قومٌ لا تُذكر أسماؤهم، قبل أن تُحرق كتبهم وتُحظر علومهم.
لم تُغذَّ يومًا من نار، بل من شيء غامضٍ في قلب الأرض، يسمّيه الأغيار "النواة".
حين حصل عمر على الجهاز، ولمس أزراره، نبضت الشبكة من جديد.
لم تكن كهرباء كما نعرفها… بل طاقة منسية، لا تُوقظها إلا الأسئلة.

في مساءٍ غائم،
كان عمر جالسًا قرب النافذة، يُصغي لجهازه؛ صوتُ امرأةٍ تتحدث عن الضوء، عن الذرّة، عن الزمن.
وفجأة، شعر بنظرة تخترق الزجاج.

اقترب من بيته رجلٌ غريب.
لم يتكلم.
لم يطرق الباب.
وقف صامتًا، كأنه ظلّ خرج من كتابٍ قديم، أو شبح فكرة أُحرقت يومًا.

حدّق في النافذة طويلًا، حيث يجلس عمر، مُنصتًا ومتأملًا.
لم يره أحدٌ سواه.
ولم يذكره لأحد.

لكن في عيني الرجل، ومضةٌ مألوفة… نار لا تحرق، بل تُنذر.

وما إن خطا خطوةً نحو العتبة، حتى اشتعل الجهاز في يد عمر بنغمة غريبة، لم يسمع مثلها من قبل.
ارتجف الضوء، وظهرت على الشاشة كلماتٌ خاطفة، كأنها من زمنٍ آخر:

"النار قادمة من الضفة… والكلمات لا تطفئها."

تجمّد في مكانه.
لأول مرة، يشعر أن الجهاز لم يكن أداةً للمعرفة… بل نبوءة.
وأن المعرفة، حين تُحجَب، تتحوّل إلى إنذار.


---

حين اكتشفت زوجته "شاهينار" سرَّه، قالت له بغضب:
– ما هذا الذي تخفيه؟ أصوات نساء؟ وموسيقى؟ أهذا ما يشعل عقلك وأنت تزعم التأمل؟
– هذا علم.
صوت امرأة تتحدث عن الفيزياء. موسيقى تُنعش العقل. وحكايات تُعلّم القلب أن يحيا.
– وهل قال بهذا ابن حزم؟! وهل نقل عن هذا أحد السلف؟! وهل عرفت كتب العقيدة هذا الهُراء؟!
– ربما لم يقولوا… لأنهم لم يعرفوا الكهرباء.
– أستغفر الله! كنت أظنك حافظًا، فوجدتك كافرًا! فيزياء؟ كهرباء؟!

أفشت شاهينار سرّ زوجها
فاتهمه الشيوخ أولًا بالإلحاد، ثم بالخيانة.
قال أحدهم غاضبًا:
– أتقول إن الأغيار الملاعين أفضل منا؟! نحن أرقى الأمم، نُصحّح التاريخ، نزن العقول بميزان النحو.
قال عمر:
– أنا فقط قلت: إننا توقفنا، وهم استمرّوا.
لكنهم لم يسمعوا… فقط اتهموه.


---


وقف عمر ليحاكم أمام مجلس الفصاحة.
لم يُطرح عليه سؤالٌ حقيقي، بل أُلقيت عليه التُّهم:
– مارق، مبتدع، زنديق، خائن.
– نشر أفكارًا غريبة عن الكهرباء والمرأة والعلم!
– وقال إن الأغيار أفضل من أهل البلاغة!
– وامتدح الموسيقى!

قال قاضي البلاغة، وهو يرفع عصًا منقوشة بالحروف، وصوته يجلجل كخطيب فتنة:
– أكلُّ هذا من أجل ما يُسمّى "علمًا"؟!
ألم يقل علماؤنا: "كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"؟
أنت تهين فصاحتنا، وتُدنّس قدسية البيان.
نحكم عليك بالتفريق عن زوجك، والطرد من مجلس الحكمة، ومسح اسمك من سجلات المملكة.

خلف الجموع، وقف خمسة من شباب الطائفة المنسية في الظل، بين الدهشة والخوف.
لم يتكلموا.
لكن وجوههم كانت مشدودة.
قال أحدهم:
– لو صرخنا، لطردونا معه من مجلس الحكمة
قال آخر:
– ربما لهذا… لم ينجُ.
قال ثالث:
– لم نكن مستعدّين.
قال رابع:
– ولا المملكة كانت.
أما الخامس، فقال:
– لكننا رأينا.
ومن رأى... لا ينسى.


---

حوّل عمر بيته إلى معمل صغير.
صار بعض أفراد القبيلتين يزورونه خلسة، يتحلقون حوله.
وفي الليالي، يجلس الشباب الخمسة صامتين أمامه، يصغون كمن يتعلّم لغة أخرى.

ثم اقتربت منه ابنته، شابة ناضجة، تُدعى هالة.
سألته بصوتٍ منخفض:
– أبي... هل الأغيار أفضل منّا؟
هل أنت حقًّا تحبهم، وتنتمي إليهم، وتكره بلادنا؟
نظر إليها طويلًا، وقال:
– أنا أحب هذه الأرض… لكني أكره عبوديتنا لحروفنا.
يا ابنتي، نحن في بلادٍ تُعبد فيها الحروف، وتُصلب العقول،
ويُصفع الطفل إن نسي الضمة،
ويُنفى من يسأل خارج الكتب الصفراء.


---

وحدث الحريق...!!!
اندلعت النيران في المدينة.
تلعثمت المرويات، وفشلت الكتب.
وحده عمر فهم الرسالة.
ركض إلى الميدان،
صرخ، شرح، حذّر.
لكنه نسي الضمة.
فضحكوا، وقال أحدهم:
– عد لتعلّم رفع الفاعل أولًا!

في لحظة خاطفة، اختفى عمر وسط الدخان.
لم يُعثر على جثمانه.
قال بعض من حضروا المشهد إنهم رأوا عمر يرفع يده في الدخان، لا ليحتمي، بل كمن يكتب شيئًا في الهواء...
وأن الطيور كانت تدور حوله، لا تهرب، بل تحوم كما في طقسٍ مقدّسٍ منسي.
بعضهم أقسم أن الطيور كانت تشكّل حروفًا في السماء.
أحد الأطفال قال إنه رأى نارًا تخرج من قلبه لا تحرق، بل تضيء.
لكن لا أحد صدّق الطفل!
سقطت المملكة،
لا لأن الأغيار غزوها،
بل لأن أبناءها كانوا مشغولين بتصحيح الضمة.


---

في اليوم التالي،
جلست شاهينار بين الركام.
أمامها كتابٌ متفحّم، وجهازٌ نصفُه ذائب.
تمتمت، لا أحد يعرف: أكانت تصلي، تبكي، أم تحاول تذكّر جملةً قالها عمر ذات مساء ولم تفهمها.
كانت تنظر إلى الرماد بعينين فارغتين، ثم فجأة، كأن شيئًا انكسر بداخلها، همست:
– يا عمر... أي نارٍ كانت تلك؟

جاء الشباب الخمسة.
وفي المنتصف… كانت هالة.
صامتة، قوية.
أخذ أحدهم شظية الجهاز، ناولها لها.
لم يقولوا شيئًا.
ومضةٌ خاطفة أضاءت في الشظية بين أصابعها!
ثم أغلقت يدها عليها، كأنها تقبض على شرارة من زمنٍ آخر.

تساءلت هالة في أعماقها:
هل نجا أبي… حين احترق؟
أم احترق لأنه أراد أن ينجو؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى