شريف محيي الدين إبراهيم - الوعى الثالث ومملكة الذهب

في مساءٍ مُثقَلٍ بالضباب، توغّل "ليان" في الغابة الكبرى، يحمل ورقةً قديمة مهترئة، كتبتها أمّه "سيرينا" قبل أن تختفي منذ أعوام.

كانت الورقة تقول:

"حين تسمع زئيرًا لا يشبه زئير الوحوش، اتبع الوحش ذا الرؤوس الثلاثة… وابحث عن راميس."

لم يكن يعرف من هو "راميس"، ولا ما معنى "زئير لا يشبه زئير الوحوش"، لكنه شعر أن تلك الكلمات لم تكن مجرّد وصية… بل نداء.

الغابة كانت كثيفة، الأشجار شاهقة، والضوء شحيح.
الظلال تتحرّك من تلقاء نفسها، والهواء يفوح منه شيء يشبه الحنين القديم.
وكان داخله أشبه بغابةٍ أخرى… مظلمة، متشابكة.
كلّما تذكّر أمّه، شعر بخوفٍ لا يجرؤ على تسميته.

وحين سمع الزئير الغريب، ارتجف…
خرج من الضباب وحشٌ أسطوري بثلاثة أعناق، ينتهي اثنان منها برأسين:
رأس ينفث نارًا، ورأس يطلق زمهريرًا قاتلًا، أمّا الثالث… فكان مبتورًا، ينزف منه شررٌ باهت.

تقدّم الوحش نحو "ليان"، وانحنى أمامه، كأنما ينتظره منذ زمنٍ بعيد.
شهق الفتى وتردّد، ولم تكن الوخزة في صدره من خوف الوحش، بل من الإجابات التي ظلّ يطاردها.

بدت الورقة في جيبه وكأنها تنبض.
فركب ظهر الوحش، كأنما يحمل معه خيانةً قديمة، لا يدري إن كانت تخصّه… أم تخصّ أمّه.


***

بعد مسيرٍ طويل، توقّف الوحش عند شجرة محترقة، يتصاعد منها دخان داكن.
وهناك، كان يجلس رجلٌ نحيل، ذو لحية رمادية، وعينين غائرتين فيهما نورٌ مكبوت.

شعر "ليان" وكأن خيطًا دافئًا ينسحب من قلبه إلى عيني الرجل.
لم ينطق، لكن الاسم لمع في ذهنه: "راميس… هذا هو."

قال ليان بصوتٍ خافت:
ــ هل تعرف أمي… سيرينا؟

رفع الرجل عينيه وحدّق فيه طويلًا، ثم أومأ:
ــ أعرفها… أكثر ممّا عرفتُ نفسي.

ــ وهل تعرف لماذا طلبتْ مني أن أبحث عنك؟

تنهد "راميس" وقال:
ــ لأنني كنتُ ملكًا وساحرًا مذهلًا على مملكةٍ كاملة من الذهب.
كنا نحيا في الخلود.
كل شيء من ذهب: البيوت، الناس، الأشجار، الطعام.

وبقوة ما أوتيتُ من سحرٍ عظيم لم يُمنح لأحدٍ قبلي، أخرجتُ ما لم يُخرجه ملكٌ أو ساحر على مرّ العصور… هذا الوحش الرهيب الذي تمتطيه، بثلاثة رؤوس تمثّل: القوّة، الحكمة، والوفاء.

لكنّ أمّك… جاءت.
"سيرينا" لم نحسبها عدوة، بل سؤالًا.
حين دخلت، بدأت القلوب تتغيّر… وبدأ الذهب يذوب.
اتهمتها بالخيانة، لكنها لم تردّ.
وقبل أن تهرب… قطعت الرأس الثالثة: رأس الحكمة.

شعر "ليان" بوخزٍ عميق، كأن قلبه صرخ:
أهذا ما فعلتْه؟
أمّي التي كانت تغنّي لي وتغسل وجهي بالندى؟
هل كانت ساحرة تُذيب الذهب… أم إنسانة تُذيب القسوة؟
هل خُدعتُ بحبّها؟

لكن "راميس" واصل حديثه:
ــ ومنذ ذلك الحين… تاه كلّ شيء.

فأطرق "ليان" رأسه، وتمزّق داخله.
شعورٌ بالذنب، ليس فقط نحو المملكة… بل نحو أمه.
هل أحبّها أكثر ممّا تستحق؟

واصل "راميس":
ــ أما أنا… فقد حبستني "سيرينا" داخل الوحش نفسه…
في الرأس الثالثة، حيث لا حياة، بل رماد.
كنتُ أرى العالم بعين الوحش وأبكي… ولا أحد يسمع.
لكن عندما ركبتَ أنت الوحش، شعرتُ أن الحكمة قد عادت إلى مكانها.
فانشق الرأس المقطوع، وخرجتُ منه…
كأنني قُذفتُ من رحم النار إلى هذا الرماد.

وما إن أنهى كلماته، حتى تلاشى جسده كالدخان، وعمّ المكان صمت يشبه البكاء.

التفت "ليان" إلى الوحش، فوجده قد نبتت له رأسٌ ثالثة… كاملة.
وكان ينظر إليه كخادمٍ مخلص.
***

تابع "ليان" السير حتى بلغ شجرة تينٍ معمّرة، يجلس تحتها حكيم الغابة العجوز ،بعينين كأنّهما قرأتا كلّ كتب العالم.
خبّأ الوحش خلف كومةٍ من القش واقترب.

قال ليان:
ــ أبحث عن مملكة الذهب.

قال العجوز:
ــ لتدخلها، يجب أن تروّض ما لا يُروّض.

ــ وما هو؟

ــ الوحش ذو الرؤوس الثلاثة.

ابتسم "ليان"، ونادى الوحش.
أقبل عليه الوحش مسرعًا، وقد أحنى رؤوسه الثلاثة خضوعًا.

جثا العجوز أمامه، وقال:
ــ إذًا… امتطه.
لكن احذر: عند بوابتها أسدان من ذهب.
لا تنظر في عيونهما… فإن فعلت، أكلاكَ فورًا.


***

اقترب ليان من بوابة المدينة.
كانت عظيمة، محفورة بالنقوش، ويقف أمامها أسدان جامدان من ذهب.
لم ينظر إليهما. عبر دون أن يلتفت.
فانفتحت البوابة ببطء، كأنها تنام وتستيقظ في اللحظة ذاتها.
دخل.
لكن ما إن دخل، حتى باغته الصمت.
كل شيء ذهبي… وكل شيء ميت.
فقط ناس تمشي ببطء، لا ترى، لا تسمع، لا تشعر.
اقترب من أحدها، لكنه لم يتحرّك.
وفجأة، شعر بشيء يخترق ذهنه.
ضوضاء داخلية، أفكار تحتشد في رأسه:

"لا تدخل أكثر."
"وجودك يفسد النظام."
"نحن نسمعك… من الداخل."

لم تكن أصواتًا… بل أفكار تُبث في رأسه.
أدرك أن الناس هنا… يعيشون داخل شبكة من الوعي المشترك.
لا لغة، لا خصوصية، لا "أنا"، لا "أنت".
كلّ وعيٍ متشابك… ضائع.
مرّ أمامه ثعبانٌ ذهبيّ، بلا عيون، بلا أذنين.
ارتعد ليان.
لكنه تذكّر الرأس الثالثة… الحكمة.
فقال في نفسه:
"أنا لست فكرة… أنا وعيّ مستقل."
ارتجف الثعبان وفرّ.

كل شيء ذهبي… وكل شيء ميت.

ومعه هو... قلب طفل يشك في أمه، في ذاته، في كل شيء.

عندما همس له الوعي الجماعي:

"سيرينا؟ راميس؟ من أنت؟"

شعر أنه لا يملك إجابة.
هو ابن امرأة يتهمونها بالدمار، وراكب وحشٍ لا يفهمه، وطالب حقيقةٍ تُعذّبه.

لكنّه حين تذكّر الرأس الثالثة…
قال في نفسه:
"أنا لست فكرة… أنا وعيّ مستقل."
لكن الأفكار لاحقته:
"هل جئت لتحررنا؟"
"من أنت؟"
" في ماذا تفكر؟"
ثم اقتادته الأفكار إلى القصر.
وهناك، رأى راميس جالسًا.
قال ليان بدهشة:
ــ كيف أتيت إلى هنا؟!
قال راميس:
ــ الحكمة لا تموت، بل تُختبر.
وحين تحرّرتُ، وجدت نفسي هنا…
والآن، أنا أتنازل لك عن حكم المملكة.
أنت أولى بها… وأجدر على إنقاذها.
وسأكون خادمًا لك.
اجتمع مجلس السحرة، ووافق على تنصيب ليان ملكًا.
لكن ليان قال:
ــ لا أريد حكم أمة لا ترى، لا تسمع، لا تتكلم.
ذهب إلى الحكيم الغابة العجوز ،وسأله:
ــ كيف نحررهم؟
قال الحكيم:
ــ بالصدمة.
ــ أي صدمة؟
قال:
ــ اصطدام الشمس بالقمر.
دهش ليان:
ــ ذلك يعني نهاية العالم!
ابتسم الحكيم:
ــ لا نريد الحقيقة… بل صورتها.
اصنع فكرةً… تزلزل عقولهم.
وحين يصدقونها، تعود الذوات إلى أجسادها.
فكّر ليان في سرّ هؤلاء:
هم لا يتكلّمون… لكنهم يقرأون الأفكار.
إذًا، ما يحتاجه… هو كذبة عظيمة تشبه الحقيقة.
قال في نفسه:
"أنا الشمس."
"راميس… هو القمر."
"والحل؟ الاصطدام."
وفي الساحة الكبرى، واجه راميس.
لم يتكلّما.
ثم اندفع نحوه، وصدمه.
وانتشر الصوت في الرؤوس:
"الشمس تصطدم بالقمر!"
"العالم ينقلب!"
وهكذا هم يتفاهمون…
بأفكار لا تُقال، بل تُصدّق.
حين صدّق الناس كذبته وبدأوا يتحرّرون، شعر ليان أن شيئًا في داخله بدأ ينفك أيضًا…
السجن الداخلي الذي حبسه فيه الشكّ والخذلان… بدأ يتصدّع.
اهتزّت المملكة.
صرخ رجل:
ــ أنا أتكلم!
قالت امرأة:
ــ أنا أسمع!
بكى شيخ:
ــ هذه عيني… ترى!
وقف راميس مذهولًا:
ــ لم أظن أن فكرة واحدة… تُحرر أمة.
قال ليان:
ــ كانت فكرتهم الأولى… هي سجنهم.

***

وفي يوم تتويجه، لم يخطب ليان، بل قال:
"السحر الحقيقي ليس مجرد كلمات… بل توازن.
والسلطة لا تُمنح لمن يسرق الوعي.
ومن يستخدم السحر الأسود… يُلقى في مغارة الوحش،
تحت رقابة الرأس الثالثة… رأس الحكمة."
وما إن أنهى كلماته، حتى خيّم صمت غريب على المملكة.
همس حكيم الغابة : ــ "هل تسمعونها؟"
رنّ في الرؤوس صوت لا يُسمع… نسمة دافئة تمرّ في الأرواح.
نظر ليان نحو شجرة التين المعمّرة،
ومن بين جذورها، خرجت امرأة بثوبٍ أخضر، تمشي بخفّة الضوء،
وعيناها تشعّان بندى الفجر.
تقدّم راميس وركع أمامها، قال بصوتٍ خافت: ــ "سيرينا..."
اقتربت منه، نظرت إليه طويلًا، ثم إلى ليان، وقالت:
"لم أكن شرًا… بل حكمة لم تُفهَم.
لم أقطع الرأس الثالثة لأهدم، بل لأحمي.
رأيت الغرور يتسلل إلى قلب راميس،
وكان رأس الحكمة مهددًا أن يُستخدم لتثبيت سلطته، لا لنفع الناس.
لذلك أخفيت الرأس… وحبست راميس،
لا عقابًا، بل ليتعلّم الإصغاء من الداخل،
حيث لا مرايا ولا عروش.
وذبتُ في شجرة التين، أنتظر من يملك النور الكافي لإيقاظ كل هذا."
اغرورقت عينا راميس، وهمس: ــ "لماذا لم تخبريني؟"
قالت:
"لأن من يغرق في النور الزائف، لا يرى إشارات الإنقاذ.
كنتَ تحتاج أن تفقد… كي تعود.
وكان عليّ أن أختفي، لتبدأ الرحلة من الداخل."
شهق ليان.
جزء منه يركض ليحضنها، وجزء آخر يفرّ منها.
قالت له بنظرة حانية:
"أعرف أنك شككتَ بي… وسامحتك.
فالحقيقة حين تتأخر، يُثقل القلب بالأسئلة.
كنتَ الوحيد الذي صدّقني ،
وحين شككتَ بي، كنتَ فقط تحمي قلبك.
وأنا… كنتُ معك دومًا، في نبض الورقة التي حملتها."
انهار ليان باكيًا، لم يقل شيئًا، لم يُبرّر،
فقط احتضن الضوء الذي انساب منها، كأنّه يُطفئ سنوات من الذنب والغربة.
وما إن لامست يده وجهها، حتى تحوّلت إلى خيوط من نور.
قال حكيم الغابة :
ليست كل حكمة تُفهم في زمنها..
لم تُولد المملكة فقط من رماد الذهب،
و ليس الذهب وحده ما يلمع، بل العقول حين تستفيق."
"وهكذا دخلت المملكة عصر الوعي الثالث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى