ثناء درويش - زهرة الكادابول...

"1"

كانت ليلة
باردة مظلمة......
الفاتح من شهر شباط تاريخ سيبقى محفوراً في ذاكرتها رغم فوضى الملفّات فوقه وتحته، فكأنه ومناخ هذه الليلة فيصل عالق بين الشتاء والربيع.
فتحت جهينة الباب بهدوء تامّ، خشية أن يفضحها صدأ الأيام على مفاصله، فيئزّ متواطئاً مع جبروت أخيها وضعف أمّها، وحتى مع حطام الأحلام.
أحكمت ربط حجابها، فيما عجز معطفها عن كبح اجتياح الرجفة في عظامها، فالأدرينالين الليلة في ذروته خوفاً وغضباً وبرداً.
الإنارة الضعيفة لعمود الكهرباء العجوز، مكّنتها من تجاوز الحيّ بسلام، لتلقى نفسها أمام متاهة، دروبها تضيق وتضيق لتكتم على أنفاسها.
لابدّ أن أحد هذه الدروب مفتوح يتّسع لمرور ذؤابة روح في جسد هزيل، لكنها أعجز عن الاستدلال بمقولة "الخير فيما اختاره الله"
هل اختار الله لها ؟؟!!!
هل يده التي دفعتها بقوّة لتتحرّر من فرعون وجنده، أم هي يد خفيّة تتربّص بها شرّاً ؟!
وما يدريها لعلّ الأرض كلّها مرتع للشياطين، بيدهم مفاتيح الرضا والسخط.. القبول والرفض.. الاستعباد أو الاستعباد.
بدأت تنوء بالحقيبة التي استودعتها تفاهاتها، والتي عجزت عن الاتساع لكون قلبها ومدارات الألم.
كان بودّها أن تحمل أتفه أشيائها معها ولا تترك أثراً منها في عتمة ماضيها الكئيب، وتمنّت لو اتّسع الوقت للتخلّص حتى من صورها وخربشاتها وملابسها العتيقة كعقول أهل بيتها والحيّ والبلدة كلّها.
لكن الوقت كان أضيق حتى من التردّد والموازنة بين البقاء أو الرحيل، فقد ضاق وضاق ليصير قراراً وحيداً، العقل أمامه مغيّب تماماً، فالروح لحظتها لم تكن إلا عصفوراً فُتح له باب القفص ولا يعرف كم صيّاداً يتربّص به خارجاً.
"إلى أين تمضين يا مسكينة، وأيّ جنون أن تكوني ريشة في مهبّ الريح، عودي أدراجك قبل افتضاح أمرك وتحايلي على بؤس واقعك بالصبر وانتظار الفرج.
ثمّ إنّك لا تملكين من المال إلا ما يوصلك بالكاد للمدينة .
عودي يا جهينة.. عودي
ليس للغريب وطن ولا بيت ولا سقف يحميه".
هكذا راحت تحدّثها نفسها الغائمة بحزن، وتحاول جرّها لمزالق طريقها الوعر وغياهب القادم العاتمة .
لكنّها استجمعت قواها وردّت عليها بإيمان لم يزعزعه شرّ البشر، وهي تكفكف دمعها :
"لكنّ له ربّاً يحميه، وإرادة تكفيه وتغنيه".
صعدت آخر حافلة تغادر البلدة نحو العاصمة، ثم رمت نفسها متهالكة في مقعد اللا عودة.

"2"
شهادة جار


بشرفي وبأولادي الأربعة وبشاربيّ الّذين ربيتهما شعرة شعرة، ليكونا دليل رجولتي وعلامة صدقي الفارقة .. أقول :
كنت أراها تتسلّل خفية كلّ صباح كلما خرج أخوها إلى عمله والذي لا يعود منه عادة إلا مساء، وكانت تغيب بعض الوقت.. ما يقارب الساعتين بين زيادة أو نقصان، ثمّ تعود ووجهها أكثر إشراقاً.
في البداية حاولت إخماد النار التي تشتعل داخلي غيرة على شرف بنت حارتي وأخت جاري، وأدّعي أني سأكفّ عن مراقبتها من عين الباب الساحرة أو من خلف الستائر، وأريح أعصابي من كلّ هذا الشدّ والتوتّر.
لكن العين ساحرة حقاً وهيهات أقدر أن أقاوم سحرها، حين تدعوني بإلحاح وفتنة، كلما سمعت وقع خطى أحد الجيران. وما الذي يمكن أن يفعله عاطل عن العمل مثلي أو يملأ به وقته سوى مراقبة الرائح والغادي وتتبع أخبار الجوار ثم إعادة بثّها بما تقتضيه المصلحة العامة؟!
وأنا منذ اكتشفت سرّ جهينة، أحدّث نفسي كالمجنون وأعيد نفس السؤال على زوجتي:
" أين تذهب هذه المغضوبة، وكيف تجرؤ على اغتياب أخيها"؟!
لا تظنّوا أنّي كنت أنتظر ردّاً من زوجتي على أسئلتي..
فمنذ قالت لي يوماً : دع الخلق للخالق، أكلت حصّتها من الضرب بكلّ ما وقع تحت يدي، فتابت بعدها عن أن تستشرف أمامي وتدافع عن الباطل.
وأبقى أحور وأدور لا أستقرّ على حال و أنا أردد في قلق خانق :
"يا لطف الله.. اللهم استر على حريمنا.. ولا تفضح بناتنا"
"استغفر الله العظيم من الحال الذي وصلنا إليه".
ثم أقطع وأجزم بكلّ يقين :
"ليس مثل العشق ما يجعل الوجه مشرقاً هكذا والخطى متراقصة"
ثم لم أعد أطيق صبراً..
قرّرت إخبار أخيها بما يحدث من وراء ظهره وإبراء ذمّتي
لأن الحقيقة أمانة في عنقي، وللجار حقّ على جاره.
في تلك الليلة....
ساد صمت رهيب في بيت جارنا، بعد ساعات من الصراخ والعويل والنشيج المكتوم، وأصوات تكسير زجاج وأثاث وربما عظام.
كنت أرى زوجتي تتمتم في صلاتها ولا أستغرب أن تكون تدعو عليّ ربها المنتقم الجبّار.
أما أنا فقد نمت بعدها مرتاح الضمير، وكانت المرّة الوحيدة التي لم ألحظ فيها تسلّل جهينة الأخير.

"3"
شهادة صديقة


كانت صديقتي المقرّبة وربما الوحيدة، منذ طفولتنا إلى لحظة اختفائها تاركة ذكراها وشم ألم.
لا أدّعي أنني كنت أفهم تماماً هذيانها عن الحريّة، فقد كنت بطبعي هادئة أميل للسكينة والرضا، اكتشفت بعد زمن أنهما خوف مبطّن يرتدي ثوب التسليم.
لكن الفهم يبدو غير مهمّ أمام إحساس كلّ منّا بالأخرى، وتفانينا تجاه بعضنا مهما كانت النتيجة.
كم مرّة راحت جهينة ترتجف بحضني إثر صدامها مع أخيها، الذي يعقبه بداهة ضرب مبرّح، وكم نصحتها ألا تعانده أو تقف بوجهه إذا ما ثار، وأن الصبر مفتاح الفرج، ولابد أن تأتي لحظة ينتهي به كلّ هذا العذاب.
وهكذا كتمت سرّها خشية افتضاح أمرها وتمنيت لو تخبره أين تذهب كلّ يوم لعلّه يتفهّم، أو تكفّ عن فعلتها ولا تفتح على نفسها أبواب جهنّم.
هي تعرف تماماً أنه تحرّش بي يوماً، أنا التي كنت بمثابة أخت له، ولولا دخلتْ فجأة لما تورّع عن مساس عفّتي.
و تعرف أكثر من ذلك.......
فالعطر الرخيص على قمصانه لا يكتم خبراً.
أتساءل بعد كلّ هذا الزمن الذي أراوح فيه مكاني:
هل كان سيصدّقني لو أخبرته الحقيقة.
حقيقة أنها كانت قد سجّلت بدورة حاسوب، واقترضت مني رسم التسجيل.
وأنها كانت تنتظر ذهابه للعمل، لتمضي نحو نافذتها الوحيدة على العالم.
النافذة التي لم أستطع حتى اللحظة امتلاك إرادة فتحها،
بينما كانت لها تلك الإرادة، في تلك السنين البعيدة.

"4"
شهادة عابر الحافلة


ما الذي يمكن أن تعنيه شهادة عابر سبيل مثلي بعد كلّ هذه السنين.
بالمقابل أقول:
ألم أكن أول من شهد صرخة "لا" من يمامة السلام، وهي تتلوّى وجعاً في ذلك الأمس البعيد.
ليلتها، ما زلت أذكر تماماً، أنها كانت الأنثى الوحيدة بين الركّاب.
لفتت انتباهي منذ لحظة صعودها الحافلة، وتبيّنت رغم النور الشحيح كدمات زرقاء في وجهها، فقد صادف أن مقعدها قبالة مقعدي.
جلست منكمشة تنضح تقاسيمها بالألم وكنت من حين لآخر أسترق النظر بلمحة خاطفة فأرى انسكاب الدمع من تحت ستائر الأهداب المسبلة.
لم يكن الفضول ما يحرّك مشاعري بل تعاطفي الإنسانيّ نحوها، فمما لاشك فيه أنها قد تعرضت لأذى جسديّ ونفسيّ وإلا ما الذي يدفعها للسفر إلى العاصمة وحدها في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟!
قلبي مضطرب النبضات لساعات، وحواسي كلّها مستنفرة نحو هذه الغريبة، والكتاب بين يديّ أقلّب صفحاته وأدّعي القراءة، فيما عقلي يستهزئ من كلّ الحروف أمام ألم امرأة.
أتساءل بعد هذا الزمن، هل كان عليّ أن أعرض مساعدتي عليها؟!
ولماذا آثرت أن أدعها غارقة في نسك أحزانها؟!
أتساءل أيضا.......
هل كان سيخطر ببالي، أنني يوماً، بعد تلك الليلة بكثير، سأميّز وجهها من غير حجاب عبر لقاء على الشاشة الصغيرة.

"5"
شهادة مدرّس الحاسوب


هذه البنت فلتة.......
أقولها وكأنها لم تزل بذاكرتي الشابّة التي تنضح برغبة الحياة والتوق لتجسيد كينونة الوجود.
لم أجد بسواها، حتى هذه اللحظة من كلّ الذين مرّوا عليّ في دورات تعلّم الحاسوب، مثل هذا الشغف للمعرفة، ولا تلقّفها السريع لأيّة معلومة مهما كانت صعبة، فقد قطعت خلال فترة وجيزة ما يحتاج معه سواها لسنوات دون مبالغة.
و لأكن أكثر صراحة، لقد فتحت عيني على أمور كنت أجهلها، وأوحت إليّ بطرق لتطوير مهارات تعليم الحاسوب، كنت عميّاً عنها.
كان عليكم أن تروا بريق عينيها حين يبدأ الدرس، أو خفّة أناملها على لوحة الأزرار، أو أناقة روحها في التنضيد والجدولة وبرامج "الفوتو شوب" وسواها.. وهل من كلمات مهما عظمت تقدر أن تصف عطر وردة؟!
أجل أنا أنحاز للجمال.......
ليس انحياز الذكر للأنثى، بل انحياز المبدع لتجلّيات إبداعه فيما صنع، وكمحاولة للتقريب كبهجة الله بالإنسان حين يدور بمدارات لم تخطر على قلب بشر.
إن تسألوني عن الجمال سأقول "جهينة" وأصمت.
وليست شهادة عاشق، فأنا أحبّ زوجتي و طفليّ ومخلص لأسرتي إلى المنتهى.
بل هي شهادة حقّ الساكت عنها شيطان أخرس.
فهل أخطأت حين أنشأت لها صفحة في هذا الفضاء الأزرق، تليق بأجنحتها؟؟!!
أم أنني كنت المجرم، من حيث لا أدري؟!

"6"
شهادة زميلة في دورة الحاسوب


الشهادة لله - و قد ولّت تلك الأيام مع ملعونة الذكر - أنني لم أرتح لها منذ يومها الأول معنا.
فراستي لا تخطئ أبداً، والفراسة علمٌ و له أهل.
فقصر القامة علامة الفتنة والبلبلة، ودقّة الملامح دليل اللؤم والنفس الخبيثة، وجهينة اجتمعت بها الصفتان معاً.
على فكرة، أمثال هذه الفتاة هن من يسئن للدين، فمن خلف الحجاب وستر الرأس كم وكم تجري أمور في الخفاء.
و إلا.. بحقّ الله.. ما الذي يدفع أستاذنا للثناء عليها أمامنا، وتحفيزنا من خلال مقارنة تميزها بنا.
ما الذي أعجبه بها، لو لم تكن تشبع رغباته وعين الرغبة عمياء.
فلا اخضرار عينيّ يعنيه ولا طول قامتي ولا سيارتي الفارهة ولا محاولاتي لفت انتباهه بطريقة أو بأخرى.
ستقولون أن الغيرة تغلّف شهادتي تجاهها ولكم الحق فيما تقولون، لولا أنني رأيتها بأم عيني تكثر الالتفات كلصّ كلما غادرنا المركز، خائفة من أمر ما تخاله يتبعها أو يمسكها بالجرم المشهود.
لماذا تسألونني عنها الآن، وتشعلون ناري الخامدة، فأنا لا يعنيني و قد صرت وزيرة للاتصالات، أن تكون جهينة حيّة أو ميتة، لأنها في الحقيقة ليست سوى ذكرى باهتة.

"7"
شهادة مديرة المدرسة الابتدائية


جهينة؟!
طبعاً أذكرها تماماً، وأذكر طفولتها، حتى كأني أراها الآن قبالتي.
ولطالما عجبت في ذلك الوقت كيف الجرأة والتهذيب اجتمعا بآن في هذه التلميذة، وكيف اكتسبت محبة زميلاتها وتمنّت كلّ واحدة أن تكسب ودّها.
تتساءلون كيف بقيت عالقة في ذاكرتي؟!
ربما لضفيرتين سوداوين بشرائط بيض تتقافزان كأرجوحتين أثناء لهوها ثمّ تستكينان في دِعة خلال الدرس.
ضفيرتان حُجبتا بين يوم وليلة بحجاب يظهر فقط وجهها القمريّ الصغير من خلاله.
كان ذلك في مطلع العام الدراسي، وجهينة تلميذة في الصفّ السادس الابتدائيّ، تصحبها أمّها للمدرسة على غير العادة.
أسألها بودّ محاولة ألا يبدو سؤالي فضولياً أو إملائياً:
أليست صغيرة بعد على الحجاب؟!
كيف يمكن أن تُخنق هذه الضفائر الطفوليّة بسلاسل الممنوع؟!
تجيب الأم بانكسار:
بالأمس بلغت، وصارت جهينة محسوبة على النساء، لن يقبل أخوها أن تلهو بعد اليوم في الحارة ولا أن تأتي للمدرسة وتعود لوحدها.
تعلو نبرة صوتي مستنكرة دون أن أقصد:
إن قطرات من الدمّ و برعمي صدرها لا يكفيان للبتّ بقصة البلوغ.
فما زال أمامها سنوات من النضج النفسيّ وحينها لها حرية أن تختار ما يناسبها.
لا تلام أمّ جهينة، ولا آلاف الأمّهات خلعن عن أجساد صغيراتهن مراييل المدرسة الزاهية ولا ستر لهن سوى جلباب الزواج.
فقد رَبّين كما رَضِعن و التاريخ استنساخ أبله، وما زال الشرف يختزل بأضيق الصور.
بالمناسبة........
أين صارت أراضيها، وهل ما زالت تذكر مديرتها العجوز، كما بقيت أذكرها وأصلّي لأجلها.

"8"
شهادة صديقة فيسبوكيّة


كنت قد قرأت شيئاً بهرني باسم "زهرة الكادابول" عبر موقع التواصل الاجتماعي، ولم أكن قد سمعت يوماً بهذه الزهرة.
أعرف آراء معظمكم بالأسماء المستعارة، لما يوقد أصحابها من نار مستعرة، لابسين صفات مغايرة.
لكن لي رأياً آخر....
فقد فجعتني أسماء لامعة بدونيّة وخسّة وذهلتني أسماء مستعارة بفكر حرّ ومدارات رحبة.
حتماً لا يمكن الحكم دون محكّ، وليس كلّ المكاتيب تُقرأ من عناوينها، كما يحلو للمثل الشعبي أن يثرثر على ألسنتنا.
تبعت فضولي كعادتي وبحثت بدءاً عن هذه الزهرة عبر محرّك البحث في غوغل، فعرفت أنها زهرة نادرة موطنها الأصلي سيريلنكا ذات رائحة أخاذة تتفتح لساعات في الليل ثم تموت مع الفجر.
سريعاً أرسلت لها طلب صداقة......
سريعاً وافقت......
سريعاً صارت صديقتي الأثيرة رغم فارق السن.
كلّ الأسئلة تبدو خرساء بلا إجابة حين تتجاذب الأرواح كجنود مجنّدة تآلفها هو مغناطيسها الأقوى.
حكت لي بعدما تعارفنا عن نفسها، أحلامها، الجدران الصمّاء والقلوب الغُلف حولها، حلمها الإنسانيّ الأبهى،
فوجدتني مأخوذة تماماً بجمال روحها في عصر جلّ اهتمام الفتيات فيه بإقامة العلاقات وتتبّع صرعات الموضة.
حين يجود عليك القدر بهكذا فطرة سيكون خيانة أن تفرّط بها، فرؤاها واضحة رغم حلكة الدرب، والمحبة أمانة في أعناقنا على الأقل وفق مفهومي لها وسعيي لتجسيدها.
لذلك وجدتني أعطيها رقم الهاتف وعنوان بيتي في العاصمة بلا تردد، وأحلف عليها أن تلجأ لي في أي وقت تحسّ به بالحاجة لسند.
ما لم يخطر ببالي أبداً، أنني سألتقيها لأول مرة بهكذا ظروف.
لن أنسى ما حييت تلك الليلة الباردة المظلمة التي رنّ بها هاتفي وكان المتّصل رقماً مجهولاً.
لكنني لن أنسى أيضاً أنني كنت بوابة عبورها نحو حلمها، رغم الشرخ الذي أحدثه دعمي لها في علاقتي الزوجية.
في النهاية...
إخلاصنا لإنسانيتنا هو الأبقى.

"9"
شهادة زوج الصديقة الافتراضية


قولوا لي بربّكم من منكم يقبل أن يصحو في منتصف الليل ليجد في بيته كائناً غريباً لا يعرف عنه شيئاً.
ومع ذلك تنظرُ لي زوجتي على أنّي بلا قلب وبلا رحمة أو ضمير.
زوجتي والحقّ يقال امرأة عاقلة متوازنة، وقفت معي في أحرج المواقف، وتحمّلتني في رضاي وسخطي، في غناي وفقري،
إلى أن ظهرت هذه الفتاة في حياتنا.
لا أنكر أنها حكت لي عنها قبل قدومها المباغت معلومات عابرة، لكني لم أتوقع أبداً أن تكون سبباً لمشاحناتنا في الآونة الأخيرة وربما تنافرنا، وانغلاق كل منا على ذاته وجحيم أفكاره.
حتى هذه اللحظة، لم أفهم أبداً كيف يمكن الوثوق بشخص لا نعرف تاريخه، ولا كيف نشأ وتربّى، شخص قادم من عالم افتراضيّ ليزلزل واقعنا.
تغمز لي زوجتي أنني أغار عليها من توجّه اهتمامها لسواي، أيّ سخف هذا، يحوّلني بنظرها لطفل غيور.
لن أسامحها أبداً تلك الشيطانة الصغيرة، وأحلامها الإنسانية لا تساوي عندي قشر بصلة ما دامت ارتضت أن تدمر سلامنا واستقرارنا.
رغم اعتراضي السابق كله، ولأجل عيني زوجتي حبيبتي....
وجدت للفتاة عملاً كمحاسبة في متجر صديق، وغرفة صغيرة تأويها.
أليس هذا هو الحب ؟!
أم أن له اسماً آخر.

"10"
شهادة صاحب المتجر


كنت قد استغنيت لتوّي عن محاسب ظلّ لسنوات يسرقني، و أنا أكذّب بحسن الظنّ ظنّي.
وحين أخبرني صديقي عن هذه الفتاة، وجدتني أتعاطف ضمناً مع قصّتها، رغم التشويش عليها من قبله بآرائه واعتراضاته.
ثم أنه صديقي الطيّب الذي لم يخذلني يوماً منذ كنا صبيين في المدرسة، فكيف لا أقدّم له خدمة صغيرة كهذه ما دام في وسعي ذلك.
صحيح أن الحياة باينت بين ميولنا ومشاربنا، فقد أحببت الحياة العملية والتجارة، بينما كان هو فأر كتب، إلا أن ذاك لم يزعزع تلك المشاعر الصافية بيننا حتى بعد الزواج.
لم يسبق لي أن عيّنت امرأة في هكذا عمل، ليس لعدم ثقتي بصلاحية النساء للمحاسبة، ولكن لأن طبيعة المتجر الذي أهتم به بالأنتيكا والموزاييك، جعل أغلب العاملين فيه من الرجال.
وهي سهّلت عليّ الأمر في قبولها حين قالت لي بابتسامتها الحيية:
"جرّبني لفترة يا عمّ وإن لم أعجبك الرزق على الله"
تبارك الله فيما خلق ما أدمثها وما أرقّها، ورغم أن ملامحها لو فصّلتها عادية، لكن هناك جمال ما تستشعره ولا تدري كيف.
هل كان تعاطفي معها سببه حنيني لابنتي لورا في كندا، وأبوّتي التي تستصرخها للعودة، وبنفس الوقت تدعو لها ولأولادها بحياة رحبة كريمة حيثما حلّت.
أم ما مرّ أمامي من صور مفجعة في الحياة أقسمت معها أن أكون نصيراً لكلّ مظلوم مقهور؟!
من يوم دخلت جهينة المتجر وأرباحه في ازدياد.
كأنها ملاك الرحمة الأمين على كل قرش.
لذلك .. سعيت بعد فترة لتسجيلها في الشؤون الاجتماعية وحرصت على خدمتها وتأمين سكن لها بجوارنا، وقد أحبّتها زوجتي واعتبرتها كإبنة لها.
أيّة إرادة في هذه الصبية.. إذ لم يمرّ شهران على عملها عندنا حين طلبت إذني لتسجل في الجامعة تعليماً مفتوحاً لا يستلزم الدوام في فرع اللغة الانجليزية قسم الترجمة..
و ما كنت أعرف يومها لماذا اللغة الإنجليزية تحديداً.
أما اليوم.......
فأبتسم في سرّي وأقول :
هذه المرأة المشرقة عملت يوماً عندي.

"11"
شهادة عاشق افتراضي


حينما لاحت من بعيد بحجابها وقميصها الطويل وحذائها الواطئ، وصافحتني بودّ وحياء معرّفة عن نفسها : "جهينة" أو "زهرة الكادابول" ، تمنّيت لو تنشقّ الأرض وتبتلعني.
عجز ذهني رغم حنكته عن الربط بين كتاباتها الحرّة المحلّقة، وصوتها العذب الذي استحلفتها مرّات ومرّات أن أسمعه ولو ملقياً التحية، وبين هذه البشرة الباهتة وهذه الضآلة .
وحرت ماذا أقول أو كيف أنسحب وأنا الذي نظمت بعشقها لشهور أجمل قصائدي.. وكم استنفزّت طاقتي حتى اقنعتها بلقاء عابر في مقهى الجامعة في وضح النهار.
محال أن تكون هذه هي زهرة الكادابول
ومحال أكثر أن أعلّق حياتي بها.
لن أنسى ما حييت تلك النظرة الحادّة المتحدّية التي ودّعتني بها متمتمة: "فرصة سعيدة".. بعد لقاء لم يتجاوز عشر دقائق.
حين عدت إلى البيت.....
حمدت الله على استيقاظي من ذلك الكابوس.
لم أحرق قصائدي بها فهي أجمل إبداعاتي.
اكتفيت بتغيير اسم الزهرة إلى "ياسمين" مرّة ومرّة "نرجس".

"12"
شهادة حبيب


تعرّفت إليها حين كانت في السنة الثالثة من دراستها الجامعية.
ترمي على شعرها شالاً وردياً، يستر اليسير من شعرها ويترك الباقي للضوء والنسيم.
كنت قد تخلّفت عدة دورات عن دراستي، وكدت أستنفذ فرص التقديم، مما يستلزم التحاقي بالخدمة العسكرية.
حارني في البدء أمرها، إذ كيف اتفق أن تضع بعنقها صليباً - لاقى انجذاباً بداخلي لتحيّزي لمسيحيتي رغم تحرري من قصة المذاهب و الأديان - وبنفس الوقت كلّ ما فيها يشي بأنّها مسلمة.
التقت عيوننا من بعيد عدّة مرّات واجتاحتني صعقة الحبّ التي كثيراً ما قرأت أو سمعت عنها.
ثمّ تجرّأت بعد فترة ورحت أبادر بإلقاء التحية، أو أختلق الأسباب للتحدّث إليها كسؤالها عن بعض مقرّرات الدراسة.
شالها بعد تعارفنا، راح ينحسر عن رأسها فتربطه بعنقها، ثم رأيتها بدونه ذات صباح مشرق.
الحبّ كالنار إن سرت في الهشيم لاشيء يوقفها، وهكذا وجدتني وجهينة متورّطين بحبّ جارف غير آبهين لانتماءاتنا المختلفة.
ما حدث بعد ذلك يفتّت الصخر من الأسى.
تعرضت جهينة لهجوم وحشيّ من أخيها في حرم الجامعة، لم تدر كيف استطاع الاستدلال على مكان وجودها، ونتيجة لما ألحقه بها من أذى جسدي ونفسي ألقي القبض عليه زمناً، ثم أفرج عنه بعد كتابته تعهد خطيّ بألا يتعرض لها ثانية، فعاد لبلدته بخفيّ حُنين.
ثم تتالت المشاحنات بيني و بين أهلي بشأنها، مما جعل علاقتنا مهددة بالفشل، فلا نكاد نتصالح حتى نتخاصم من جديد.
أقسم كنت مستعداً أن أتزوجها مستغنياً عن رضا أهلي، لكن حلمها الأبدي بالسلام كان غريمي وقد آثرته علي.

"13"
شهادة طفلة في روضة أطفال


يقولون أن الطفل ينسى حين يكبر، وتمسح الذاكرة الجمعية ذاكرته الكونية الفطرية.
فمالي حين ظهرت على الشاشة الصغيرة تلك المرأة الأربعينية، في مؤتمر للسلام بعد سنين، تطفر الدموع من عينيّ وأقول لزوجي: لقد كانت مربية في دار الحضانة الذي كنت فيه خلال طفولتي.
لقد علمتني خلال المرحلة التمهيدية والمرحلة التحضيرية اللغة الانجليزية، وجعلتني أحبّ الروضة لأنها فيها، فليس يسيراً أن يعود الكبير صغيراً في حضرة الأطفال.
بعد دخولي المدرسة صرت أقارن كل معلمة ب "مس جهينة" فلا أجد لها مثيلاً أو شبيهاً
وكثيراً ما تمنيت أن ألتقيها ولو صدفة، أو أعرف أين صارت الآن، و هل مازالت تذكرني كما أذكرها.
كنت أودّ أن أقول لها:
لقد تحققت نبوءتك وها أنا كما استبشرت بي مهندسة ناجحة، و قريباً أمّ أسأل الله أن تكون مثلك.

"14"
الخاتمة
شهادة زوج جهينة


في حياة جهينة صفحات ألم مطويّة لم يشهد عليها أحد.
لأنهم لم يكونوا معها فيها ليشهدوا بالسلب أو الإيجاب، بالصحيح أو الخطأ، بالفضيلة أو الرذيلة.
و أنا لن أدّعي أني عرفت جهينة تماماً.....
كان يحدث كثيراً أنها وهي تودّ الحديث عن ماضيها بعينين دامعتين، تشعّ عيناها فجأة وتجري كوعل بريّ في سهوب القادم.
أو أن تضع رأسها على صدري لتنام من فرط تعب، فأجد رأسي هو من صار في حضن حنانها، وأناملها استراحة المحارب وسكينة اضطرابي.
لا.. لم أعرف يوماً هذه النفس التي اختلطت أضدادها فما عرفت فيها الضدّ من الضدّ.
فما كان يبدو بعين الغير سيئاً كنت أراه منتهى الخير، وخيرها كثيراً ما يأتي مكراً وحيلة.
جهينة يا وجعي الأكبر
أكبر مكر و شرّ أنك رحلت وتركتني لا متكأ لرأسي ولا طيب بعد طيبتك.
لمن أبثّ شجني بعدك يا حمامة السلام.
لمن أشكو وجع اغترابي وقلة حيلتي.
وأيّ البلاد ستحتمل حطامي ونقمتي.
الرصاص الطائش كالخطأ الطبيّ لا شفاعة له، فالنوايا لا تعيد روحاً مغادرة لجثة ازرقّت كمداً.
وهل يهمّ بعد رحيلك أي الجهات كانت ضدّك.
فلعلها اتفقت جميعاً على لا هويتك ولا انتمائك، وشربت معاً نخب انتصارها على مشارف نجيعك القاني.
أردت السلام في حربك الضروس، فأصابك السلام بمقتل.
وها أنا أسألك مناجياً، هنا على قبرك حاضناً "ميرا" وحيدتنا وثمرة حبنا وحلمنا :
هل وجدت في السماء وعدك بسلام غامر؟!
هل عرفت إن كانت الرصاصة التي أردتك من علاك طائشة أو مستهدفة؟!
هل شرح لك الله حكمته الخفية بأن يقتل الإنسان بيد الأهل؟!
وداعا زهرة الكابول......
فلبرعمك الصغير ان ينمو في أمدية من الضوء والهواء وعذوبة المنهل.
وفي برعمك سأراك.
*******

تمّت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى