عبدالرحيم التدلاوي - تمثيل المرأة وتقنيات السرد في رواية "ساعة الصفر" لعبد المجيد سباطة

ليس هدفي في هذا المقال تقديم دراسة نقدية شاملة للرواية من جميع جوانبها. بل أركز على جانب واحد رأيته ذا أهمية خاصة، وهو حضور المرأة في الرواية.

أود أن أشير إلى نقطة مهمة تتعلق بأسلوب عملي. فبعد اكتشافي للذكاء الاصطناعي بفضل أخي سيدي عبد الله في منتصف عام 2023، أصبح عملي أسهل بكثير. في السابق، كنت أقضي وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا في كتابة المقالات النقدية، مما أثر سلبًا على بصري ووقتي، وتسبب في إهمال واجباتي الأسرية، الأمر الذي أثر بدوره على ابنتي.
الآن، بفضل هذه التقنية، يمكنني إنجاز عملي بكفاءة أكبر وفي مدة أقصر دون هذه التحديات.

1752313926192.png



**

تنبني رواية "ساعة الصفر" لعبد المجيد سباطة على ثنائية واضحة في تصوير الشخصيات النسائية، تقسمهن إلى قسمين رئيسيين: المرأة الخيرة المسالمة والمرأة الشريرة المدمرة. يمثل القسم الأول شخصيات مثل آمنة ومديحة وعائشة والطفلة نور، بينما يجسد القسم الثاني الممرضة في المستشفى العسكري بالرباط ومارتينا الكرواتية. هذا التقسيم الثنائي ليس مجرد تصنيف سطحي، بل هو أداة سردية تعكس رؤية الرواية لصراع الخير والشر في فضاء تشوهه الحرب. فشخصيات مثل آمنة وعائشة، رغم طيبتهن وسلامتهن، يقعن ضحايا للموت المدبر، مؤكدين فكرة أن البراءة لا تكفي للنجاة في عالم تسوده الفوضى والغدر. أما جيهان، فتختبر هاوية اليأس عند سماع نبأ موت خطيبها، لتنقذها يد الراوي المركزي، وتتحول علاقتهما من الصداقة إلى الحب، في مسار يبدو نحو الاستقرار. غير أن عودة الخطيب المفاجئ، الذي فر من أسر البوليساريو، تعيد تشكيل مصيرها وتدفع بالخطيب الثاني نفسه إلى دخول مغامرة مساعدة ضحايا حرب البوسنة، ربما هرباً من مأساته الشخصية أو بحثاً عن هويته الضائعة. وفي المقابل، ترمز مديحة، الممرضة البوسنية، إلى الوفاء والأمل، حيث تظل تنتظر عودة الراوي أثناء بحثه عن أبي نور، في فعل صمود أمام الدمار. وتتجلى ذروة الرمزية الإيجابية في شخصية نور الطفلة، التي يحمل اسمها دلالة النور والمستقبل، وتصبح حمايتها بمثابة مهمة أخلاقية مركزية.

على الضفة الأخرى، تقدم الرواية نموذجين للشر الأنثوي يختلفان شكلاً ويتحدان جوهراً. فالممرضة الرباطية البدينة ذات المظهر المنفر، ومارتينا المذهلة الجمال، يجسدان تناقضاً ظاهرياً يخفي وراءه وحدة في الدافع أو النتيجة. الأولى ترمز للجشع والفساد المادي، حيث تستغل منصبها في المستشفى الجامعي لابتزاز المرضى وفرض الرشى. أما مارتينا، المنخرطة في الجيش الكرواتي، فتمثل الشر الناتج عن انهيار إنساني بسبب خيبة الحب، حيث تتحول إلى "وحش" يسعى للانتقام من حبيبها السابق عبر تدمير عائلته بلا رحمة، من خلال التورط في اغتصاب زوجته واعتقاله ومحاولة ضم ابنته نور إلى مخططها الشيطاني الذي يفشل في النهاية بالقبض عليها. هذا التناقض في المظهر (القبح البدني مقابل الجمال الآسر) مع اتحاد الجوهر (الشر) يعد تقنية سردية بارزة تفكك فكرة الربط المباشر بين الشكل والمضمون، وتؤكد على قدرة الشر على التخفي وراء أقنعة متناقضة.

تعتمد الرواية بشكل لافت على تقنيتين سرديتين رئيسيتين لتعميق رؤيتها إضافة إلى تقنيات أخر: التناقض (المفارقة) والتماثل (التوازي). فالتناقض لا يظهر فقط في شخصيات النساء، بل يتجلى بقوة في مقارنة شخصيات مثل الراهب المراوغ الذي يتخذ من المسوح الدينية غطاءً لأهداف خبيثة، مقابل إمام المسجد الهادئ ذي البصيرة النافذة، في نقد واضح لاستغلال الدين. كما يتجلى التناقض المرير في كشف زيف "الجمعيات الإنسانية" التي تظهر بمظهر المحسن بينما باطنها متاجرة قذرة بالأطفال، سواء في ساحات حرب البوسنة أو في المغرب، لتعريفة آفة الفساد المؤسسي المنظم الذي يستغل المآسي. أما التماثل فيظهر في المصير المتطابق لكل من آمنة وعائشة، حيث يعيد التاريخ نفسه بموت مدبر لكلتيهما، ليس كتكرار درامي فحسب، بل لتأكيد نمطية العنف الذي تتعرض له المرأة في زمن الحرب وتعزيز إحساس القارئ بالظلم والقدر القاسي. كما يتجلى التوازي في أنشطة الجمعيات الخيرية الكاذبة عبر جغرافيتين مختلفتين (البوسنة والمغرب)، مشيراً إلى عالمية آليات الفساد واستغلال الضعفاء حيثما وجدت الحروب والمجاعات.

من خلال هذا الثنائيات والتقنيات، تقدم "ساعة الصفر" رؤية قاتمة لواقع تشوهه الحرب، ليس كصراع مسلح فقط، بل كحالة شاملة تفسد الأفراد والمؤسسات وتطلق العنان للشر في أشكاله الفردية (الجشع، الانتقام) والمؤسسية (الجمعيات الفاسدة) والدينية الزائفة. الحرب هنا هي المحرك الخفي الذي يشوه الإنسانية، كما في تحول مارتينا من خائبة حب إلى آلة انتقام، أو في فساد المؤسسات. ومع ذلك، تترك الرواية بصيص أمل يتجسد في رمزية "نور" كمستقبل يجب حمايته، وفي صمود شخصيات مثل مديحة التي تمثل قوة الحب والانتظار، وفي محاولات الراوي – رغم محدوديتها أحياناً – لمواجهة الظلم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هكذا، يتجاوز تصوير المرأة الثنائي الظاهر ليكشف عن تعقيدات النفس البشرية في ظروف قصوى، وعن قدرة الرواية على توظيف التقنيات السردية ببراعة لخدمة نقد لاذع للفساد واستغلال المقدسات والمآسي الإنسانية، مع الإصرار على أن مقاومة الشر، فردية كانت أم رمزية، تبقى ضرورة حتمية حتى في ساعة الصفر الحالكة.
وقد بدا لي أن الرواية تتجاوز تصوير ثنائية الخير والشر في الشخصيات النسائية إلى كشف طبقات أعمق من الصراع، حيث تُلمح بإشارات لاذعة إلى دور القوى الخارجية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني، في إشعال نار الفتن وتغذية الصراعات الدموية في المناطق الإسلامية، من البوسنة ولبنان إلى فلسطين، وفي الصحراء المغربية. هذا البعد السياسي ينسج خلفيةً حاضنةً للشرور الفردية والمؤسسية التي تعج بها الرواية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى