فوز حمزة - دُرج خشبي... قصة قصيرة

دخلتْ في هدوء مرتدية روب الحمّام الأبيض المزين بزهور حمراء عند الحواشي.
أدار عنقه صوب باب الغرفة حين سمع صريره. رائحةُ الصابون المنبعثة منها، أحييت فيه إحساسًا رائعًا حمله إلى الأوقات التي كانا يستحمان فيها معًا. تعبأتْ رئتيه بالرائحة، بينما راح يراقب خصلات شعرها المبللة وهي تقطر فوق أكتافها العاريتين، مر بخياله مشهد تلك الأيام من زواجهما.
كادت دمعة تفر من عينيه، لولا أنها خلعت عنها الروب، فشغلته عن الذكريات بجسدها الذي لم يزل بضًا، أبيض اللون.
وهي تحاول إخفاء ثدييها المنتفضين تحت حمالة الصدر السوداء. انتابته لحظة حزن عميق، كان يود لو لحظة يدس بها رأسه بينهما، لتحلق النوارس بعدها عاليًا صوب الغيوم، يشق غناؤها صفحة السماء بعد إعلان البحر ثورته.
امتلأ صدره بالتنهدات وهو يحدق في الشامة الكبيرة فوق أعلى ظهرها، اجتاحته رغبة عارمة لاحتضانها، والإمساك ملء كفيه بالعنقودين المستفزين.
أحاسيسُ متنافرة تملكته ولّدت في نفسهِ صراعًا لا يعرف كيف ينفس عنه.
لحظة مرتْ، أشعرته بالغضب، ثم تلتها لحظة جعلته يعيش طعم الضياع والتمزق.
أنْ تكون حاضرًا في ذاكرة أحدهم، وغائبًا في ذات اللحظة كما يحدث له الآن، ذلك يشبه البركان الموشك على الانفجار إلّا أنه لن ينفجر، فتهتز الأرض من حوله لتبعثر الخوف والهلع والترقب و تفقد كل ما له صلة بالوقت. كل ذلك لم يحرك خلية واحدة من جسده المنبوذ منذ سنوات فوق هذا الفراش البارد كأنه حصان هزيل، لا يفعل شيئًا سوى انتظار الهلاك.
الثواني تزحف كجيش يقوده الموت، فتلتهمه ليتآكل شيئًا فشيئًا.
بقايا إنسان لا يحسن عمل أي شيء سوى التنفس. أغلق عينيه، ليرى حقيقته التي تمثلت أمامه بكل بشاعة، رجل مشلول عاجز لزوجة جميلة وصغيرة.
خلايا جسده تموت الواحدة تلو الأخرى ويموت معها الأمل في استرجاع قوته المتحجرة داخل جسده، أفكار سوداء استعمرت عظامه الخاوية.
تمنى الموت لتنتهي كل الأفكار السوداء التي تلتف بظلالها حوله، وتخنقه بصمت في كل ثانية، و تمضي بهِ كما يمضي الذئب بفريسته.
كثيراً ما كان يدور في خلده محادثتها بالأمر، يعرض عليها الطلاق، والتحرر من الارتباط به، لكنه في آخر ثانية يتراجع تحت وطأة الخوف في أن توافق وتتركه وحيدًا.
مجرد التفكير في الأمر يرعبه، فيتراجع متخاذلًا، منكسرًا، وجبانًا ...
لم ينقذه من سيل أفكاره التي لم تنقطع كشلال شديد الانحدار سوى عطرها الذي تسلل إليه مخترقًا أنفاسه رغمًا عنه، نظر إليها وهي تذرع الغرفة جيئة وذهابًا استعدادًا للخروج.
أبهره حسنها كما أبهره من قبل، لم تنظر صوبه، لم تحاول أخذ رأيه في الفستان الذي سترتديه كما كانت تفعل، بدلًا من ذلك أخذت تحدث نفسها بصوت يكاد لا يسمع: سأرتدي الأخضر، هو الأنسب.
كعادتها، تبدو مرتبكة في اللحظات الأخيرة قبل الخروج و مثل كل مرة، رنين هاتفها ينقذها،
وهي ترد بنعم. التفتت إليه مبتسمة كأن أحدهم ذكرها به.
قالت قبل غلق الهاتف كلمة نعم لأربع مرات وكلمة لا خمس مرات.
مؤلمة هاتان الكلمتان حد الدمع.
بينما كان يردد مع نفسه بوجع: لم أعد أحتمل، الشكوك ستقتلني قبل المرض، نار الشك تحرق قلبي ودخانها يملأ أوردتي، كل شيء من حولي يرتعش .. يرتعد ..
العتمةُ تفتح أذرعها لتضم روحي والظلام يهوي بمطرقته على رأسي، فأجد نفسي في مكان ما أصارع شياطين الأرض بأقدام مقيدة بسلاسل من نار. كيف لعقلي أن ينعم بالسكينة؟
وهو يحاول السيطرة على أنفاسه الملتهبة، وضعت يدها على جبينه ثم دستها بين خصلات شعره.
فتح عينيه ليجدها تجلس بجانب السرير مبتسمة.
انتظم كل شيء لديه، تيار الدم عاد إلى وجهه فتغير لون الحياة الرمادي.
هي وحدها .. من يعيد تنظيم الأشياء ، فتعود الشمس دافئة ويعود المطر حنون.
نظر إلى عينيها النرجسيتين فأخبرته عن الحزن المختبئ فيهما، نظراتها أخبرته كم هي عاشقة و أيضًا مشفقة.
طبعتْ قبلة فوق شفتيهِ قبل أن تقول له جملتها المعهودة وتخرج:
لن أتأخر ..
كما توقع، عادتْ ثانية للغرفةِ كما تفعل كل مرة، تفتح ذلك الدرج الخشبي، وتخرج منه شيئًا دسته بحذر في حقيبتها مع حرص بالغ ألا يراه.
تركته وحيدًا في الغرفة.
شعر بانعدام كل شيء، الزمن يتباطأ من حوله، الصمت يتسرب إليه عبر النوافذ التي سمحت للظلام التسلل عبرها بجرأة.
أمسى أرجوحة للقدر والهواجس التي وجدته طعامًا شهيًا.
تملكته رغبة للهرب من شكوكه التي جعلت منه صيدًا ثمينًا ..
تمنى لو أن معجزة تحدث لينبت له جناحان لا لشيء .. فقط ليرى ما بداخل ذلك الدُرج اللعين الذي أرهقه لأشهر عدة وجعلته يواجه الوساوس دون درع واقٍ.
نظر إلى سقف الغرفة الذي شهدَ معه أحزان وحدته.
كل شيء يحيطُ به ساكن، والدقائق من حولهِ تحترقُ بصمت.
سلّم جسدهُ المشلول للنوم، وهو يحدق في الدُرجِ الخشبي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى