حين حطّت قدماي على أرض القاهرة ولأنّي من زمرة المتأدّبين أي هواة وغواة الأدب،ففي رأسي عناوين،مقهى الفيشاوي،مقهى ريش،جروبي،فرُحت أضرب الخطو بحثاً عن زبونٍ قديم،ولم أعثر على ذلك الزّبون،كُلّهم جددُ أو متجددون،هكذا يتغيٍر الزمان ويهجر قدماء الزبائن المكان،وتتبخّر الآثار بفعل معطّرات الجو،وتشعرّ أنّها تسخر منك كل العيون،نظراتٌ محمّلة بالتنكّر والإتهام،بانّك تبحث عن أوهام ولماذا كُلّ هذا التعلّق بقديم الأزمان،ولماذا لاتعطف عينيك وقلبك نحونا،نحن الجيل الجديد،رسّامو الحيطان ومغنّو الراب، لا بل صادحو الشعر أو هامسوه،،في عيونهم نظرات عتابٍ مغلّفة بالكبرياء توصل رسالة مفادها أنّنا لا نتسّول منك اعترافاً ولن يضيف لنا شيء أن نأوي لجناح معطفك القديم،لنصبح جزءاً من ذلك التاريخ،فنحن التاريخ الجديد،السطر الجديد على الصفحة البيضاء الانطلاقة من نقطة الصفر،فالتاريخ ليس عباءة قديمة نلتحفها كما تظن،يا لسذاجتك!!!
نكست على عقبيّ من ذلك اللقاء المحبط واستقليت المترو هارباً إلى زحام الناس،لعلّ في ذلك بعض العزاء،إلى جانبي جلست شابة تحتشد في ملامحها كل معاني الجمال،عطفت رأسها نحوي ورفعت عينيها نحو عيني وقالت بنبرة إعلان: انت الكاتب فلان،أنا أعرفك،لقد قرأت رواياتك على موقع كذا،أنتم الجيل الحقيقي،كُلّ ما فيكم حقيقي،عشقكم،صدقكم ،تفاؤلكم ،يأسكم،أفراحكم أحزانكم،حتى اللغة حارّة وصادقة وكأنّها حديث يومي مما يدور بين إنسان وإنسان...
ثم صمتت فجاة وعلى وجهي ارتسم ذهول خجول،كدتُ أحضنها فرحاً ولكنّي أمسكتُ نفسي،وعقّبَت هي فجأةّ: لقد رأيتُك هناك في مقهى ريش من رُكني القصي الذي أنتحيه دائماً وأصغيتُ لحديثك مع الشباب وحزنتٌ عليهم لا عليك،إنهم عملة زائفة،أنتم العملة الحقيقية..لم أرفع عيني عن ملامحها المتلألئة وقلت: دعينا ننزل في آخر محطّة،لتطول الرحلة ويطول الحديث!
لهجت بحدّة: فكرة جميلة،الم أقل لك أنّكم جيلٌ جميل؟!
حين ترجّلنا في آخر محطّة في مصر الجديدة تساءلتُ بطفولية: هل تعرفين مكاناً نجلس فيه،تساءلت ضاحكة:هل معك رشوة للبواب،سنذهب إلى شقتي،دُس في كفه رزمة من الجنيهات قبل أن ينبس بسؤال واحد،هؤلاء البوابون فيهم صفات كل مصر السيئة،طمّاعون،فضوليّون وكلّهم مخبرون بالمجّان.
فعلتُ ما أشارت به علي دسستُ في راحته حفنة من النقود، وصرّحَت هي للبوّاب: ده أستاذي.
أعرب البواب عن اقتناعه بعد أن مسح شيباتي بنظرة خاطفة:
- هو حدّ قال حاجة يا افندم،ده انت أنظف من النظافة ذات نفسها،معقول أشك فيكِ يا افندم،ده حتى يبقى عيب عليّه!
احتوانا جو شقتها الأنيقة وعلّقت ضاحكة: أنا أكافح لأجل البقاء،راتبي لا يكفي لأقدم له الرشوة،ومع ذلك،أنفحه بين الحين والحين،فهو برغم وضاعته إلا أن فيه نزعة نخوة وكأنّه حارسّ شخصيٌّ لي من كل من يمكن أن تساوره فكرة شيطانيّة نحو فتاة وحيدة،ويقوم بالدور بأفضل ما يكون،هذه أحد صفاتنا نحن المصريون، لا نفقدها مهما تمرّغنا في أوحال الحياة.طاف بنا الحديث في كُل ركن وحلّق بنا في كل سماء يين طقوس الضيافة ونظراً لصغر الشقة كنا نواصل الحديث وهي تعدُّ شيئاً في مطبخها الصغير،وحين حانت ساعة الرحيل لم أقاوم رغبةً استبدت بي:
هل يمكن أن أحضنك؟
انسلّت لحضني قبل أن تقول شيئاُ ووجدت ذراعيّ يطوقانها بقوّة ورقّة مشفقة على هذا الوجود الجميل الذي اشفق أن يتكسّر بين ذراعي!
- مع السلامة يا سعادة الببه.
لهج البواب بصوت قوي حتى يتأكد أنّي سمعته،وكأنها رسالة شكر يكافؤني بها على العطيّة السخيّة،نقود مقابل كلام، هذه هي القاعدة هنا،ولم أردّ غليه،كنت غارقاً في أفكاري وفي رأسي سؤال واحد: كيف ستنتهي علاقتي بتلك الفتاة وكأنّها حوريّة تمثّلت لي،فهل تعود لتغيب في بحرها أم تختار أن تعيش معنا نحن اليشرعلى هذه الأرضُ التي ربّما تتسع حتى للحوريات!!!
نزار حسين راشد
نكست على عقبيّ من ذلك اللقاء المحبط واستقليت المترو هارباً إلى زحام الناس،لعلّ في ذلك بعض العزاء،إلى جانبي جلست شابة تحتشد في ملامحها كل معاني الجمال،عطفت رأسها نحوي ورفعت عينيها نحو عيني وقالت بنبرة إعلان: انت الكاتب فلان،أنا أعرفك،لقد قرأت رواياتك على موقع كذا،أنتم الجيل الحقيقي،كُلّ ما فيكم حقيقي،عشقكم،صدقكم ،تفاؤلكم ،يأسكم،أفراحكم أحزانكم،حتى اللغة حارّة وصادقة وكأنّها حديث يومي مما يدور بين إنسان وإنسان...
ثم صمتت فجاة وعلى وجهي ارتسم ذهول خجول،كدتُ أحضنها فرحاً ولكنّي أمسكتُ نفسي،وعقّبَت هي فجأةّ: لقد رأيتُك هناك في مقهى ريش من رُكني القصي الذي أنتحيه دائماً وأصغيتُ لحديثك مع الشباب وحزنتٌ عليهم لا عليك،إنهم عملة زائفة،أنتم العملة الحقيقية..لم أرفع عيني عن ملامحها المتلألئة وقلت: دعينا ننزل في آخر محطّة،لتطول الرحلة ويطول الحديث!
لهجت بحدّة: فكرة جميلة،الم أقل لك أنّكم جيلٌ جميل؟!
حين ترجّلنا في آخر محطّة في مصر الجديدة تساءلتُ بطفولية: هل تعرفين مكاناً نجلس فيه،تساءلت ضاحكة:هل معك رشوة للبواب،سنذهب إلى شقتي،دُس في كفه رزمة من الجنيهات قبل أن ينبس بسؤال واحد،هؤلاء البوابون فيهم صفات كل مصر السيئة،طمّاعون،فضوليّون وكلّهم مخبرون بالمجّان.
فعلتُ ما أشارت به علي دسستُ في راحته حفنة من النقود، وصرّحَت هي للبوّاب: ده أستاذي.
أعرب البواب عن اقتناعه بعد أن مسح شيباتي بنظرة خاطفة:
- هو حدّ قال حاجة يا افندم،ده انت أنظف من النظافة ذات نفسها،معقول أشك فيكِ يا افندم،ده حتى يبقى عيب عليّه!
احتوانا جو شقتها الأنيقة وعلّقت ضاحكة: أنا أكافح لأجل البقاء،راتبي لا يكفي لأقدم له الرشوة،ومع ذلك،أنفحه بين الحين والحين،فهو برغم وضاعته إلا أن فيه نزعة نخوة وكأنّه حارسّ شخصيٌّ لي من كل من يمكن أن تساوره فكرة شيطانيّة نحو فتاة وحيدة،ويقوم بالدور بأفضل ما يكون،هذه أحد صفاتنا نحن المصريون، لا نفقدها مهما تمرّغنا في أوحال الحياة.طاف بنا الحديث في كُل ركن وحلّق بنا في كل سماء يين طقوس الضيافة ونظراً لصغر الشقة كنا نواصل الحديث وهي تعدُّ شيئاً في مطبخها الصغير،وحين حانت ساعة الرحيل لم أقاوم رغبةً استبدت بي:
هل يمكن أن أحضنك؟
انسلّت لحضني قبل أن تقول شيئاُ ووجدت ذراعيّ يطوقانها بقوّة ورقّة مشفقة على هذا الوجود الجميل الذي اشفق أن يتكسّر بين ذراعي!
- مع السلامة يا سعادة الببه.
لهج البواب بصوت قوي حتى يتأكد أنّي سمعته،وكأنها رسالة شكر يكافؤني بها على العطيّة السخيّة،نقود مقابل كلام، هذه هي القاعدة هنا،ولم أردّ غليه،كنت غارقاً في أفكاري وفي رأسي سؤال واحد: كيف ستنتهي علاقتي بتلك الفتاة وكأنّها حوريّة تمثّلت لي،فهل تعود لتغيب في بحرها أم تختار أن تعيش معنا نحن اليشرعلى هذه الأرضُ التي ربّما تتسع حتى للحوريات!!!
نزار حسين راشد