تلك أيام، كانت، وكنا، في ردائها السحري نحيا، نتقلب، نمزج صوت الغدران والجداول والاودية وهي تخرخر بأنفاس السرو والصنوبر، تتلألأ، بانعكاسات متقلبة رجراجة، ترسل إشعاعات من لمعان متذبذب قصير متواصل، فتخاله أنوار ماس مصقول بعناية ودفء وحذر وعشق، تنشده البلابل المتوضئة بنعومة الندى المخملية، وانهمار اللحظات الاولى من ضياء شمس يتحسس أوراق الشجر المحتضن حبات الندى ليرسل بريقها إلى قلوب صغيرة مفعمة بالنشوة والحبور واقتناص الحياة بتوترات من فرح مندمج بأحلام حريرية تصنع الخيال الساحر المنتهي والمولود من دفقات اللحظات المهاجرة والمتكونة واقعا يضج بالنور والضياء والانفتاح على معجزات الندى وخرير المياه المتداخلة من هديل حمام مهاجر وقف ليشكو المسافات، أو يغني لما تبقى من أبعاد يراها بمخيلة لا تضاهيها مخيلة.
وهناك على أعتاب الوجود، في تلك الأيام الراجفة المرتعدة من هول ما نحشو بسويدائها من ثقل الحلم المنذور لغيب يستتر في غلالات المجهول المتعمق بالقادم، كنا، نساير الزيتون، نوشوشه، نستفيء بظله، نداعب النسمات الشاردة من قيظ متحكم بما نحس ونرى، تشفق النسمات علينا اشفاق أم رؤوم وأب رؤوف، تبرد ذاتها وتأتي إلينا محملة برائحة الظل وخفق برودة مستله من حرارة لاهبة متأججة، تقتحم اجسادنا، وما أن تلامس الجلد، حتى ننتفض ونرتجف، تخترقنا لذة عارمة، إحساس غريب مشبع ومثقل باللذة التي تحس ولا تفسر أو توصف، تهيج اللذة وتتعاظم، تتمدد في أنحاء الجسد، وتتركز عصارتها في الروح ضربات من نشوة تكاد تعصف بالحياة المسكونة بأعماقنا وتفتتها، تحولها إلى نتف لا تكاد ترى من فرح مغمور ببريق البرية ونسغ الزيتون ولفح الشمس الذي يضخ النور في كل مكان.
على بعد أمتار فقط، سلحفاة حزينة، متكومة على ذاتها، مرهقة متعبة، ترى المسافة بينها وبين الظل اميال طويلة، تساوي المسافة بين الشرق والغرب، تمد أطرافها من صدفتها المدرعة لجسدها، خطوط الزمن والأيام تبدو بوضوح صارخ، وحين تخرج رأسها، تشعر بكم الزمن المتغلغل في كل جزئ من أجزائها، تتنفس، تحس بحرارة الأرض والشمس المعلقة بالأفق كتنور ضخم تتساقط فيه الأشياء لتزوده بحرارة فوق حرارة، لكنها رغم كل هذا، ورغم رؤيتها للمسافة الفاصلة بينها وبين الظل، تحلم كما نحلم، بالوصول إلى نقطة البداية للتمسك بظلال لها في مثل هذا الجو جوهر من متع لا يمكن إدراكها أو تخيلها الا في نواة اللحظة ذاتها.
وهناك على الجهة اليسرى، أفعى طويلة، غاضبة إلى حد الانفجار والتشظي، ترى الوجود بطريقة فعالة للقتل والتسميم، تدور هنا وهناك، تنضنض بلسانها بحرقة من انفعال مزدحم ومكتظ بقلة الصبر، تساند هذا أشعة من قبة متوهجة متدلية تكاد تسمع صوت لهيبها وهو يخرج من اعماق الارض وحزمات العشب المصلية حتى الانهيار، الأرض والافعى يشتركان الآن بالفحيح المتأصل بعمق الغضب والتأزم، وكما أوراق الشجر ترسل حفيف الاستسلام للموت والنهاية، فإن الأفعى ترسل حفيفا ضاريا وصاخبا وصل إلى حد القعقعة واللعلعة، تماما كدوي قصف الرعد المنبثق من شحنات تفرغ بعضها ببعضها لجرح الآماد واستخراج صهيل الحياة وصداحها.
نظرت للأفعى بعين غاضبة حانقة، وللسلحفاة بعين الشفقة والحنو، وللزيتون الذي ينشر ظله فوق مساحة وجودي بالإجلال والهيبة، للزيتون بذاكرتي تفاصيل كثيرة، كبيرة، متشابهة في ظاهرها، مختلفة في جوهرها، حتى اوراقها الداكنة الخضرة، كانت تثيرني بطريقة يصل الشبق فيها اعلى مستوى، النخل ايضا يثيرني بذات الطريقة، فيهما كنت ارى التزاوج العظيم المبني على المجهول وهو يأخذني كحاكم لتلك النسوة الممتدة في الجبال والسهول، وأحيانا كخادم مطيع متفان فخور بانتمائه لمفهوم خدمتهن.
الأفعى يبدو أنها اشتمت رائحتي المعتقة بالزيتون والجبال والشمس والظل، أدركت أن هناك فريسة، والسلحفاة أدركت وجود الأفعى، المعركة بين الأفعى وبيني وبين السلحفاة والظل والشمس أصبحت حتما لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه، هناك سم يتلوى، يتلولب، يكاد يشق الجسد الممتد كحقنة من موت متأصل لينثر غضبه على كل المحيط، وسلحفاة مترعة بالبطء والخوف ومحاولة الوصول إلى نقطة النجاة، وأنا اتمسك بالظل كتكوين أرضي منذ ملايين السنين، وفي الوقت ذاته أملك نازعا وحشيا بمخالب حادة معقوفة صلدة كصخر بركاني من أجل إنقاذ السلحفاة، تلوت الأفعى تلويا يثير الفزع والدهشة في ذات الآن، هذه المخلوقات الرائعة الجمال والرونق والملمس، تفجر في النفوس شعور الموت والفناء، هي التناقض بمجمله وجله، بين الروعة والجمال يكمن الموت والفناء، الرحيل عن الزيتون والظل وكل مفعلات اللذة والنشوة، لكنها في نفس الوقت، تملك تقنيات عالية في فن القتل، جمال ساحر قاتل يمارس أقسى أنواع الجريمة بطريقة فظة مؤلمة حاسمة، إلا أنها رغم كل هذا لا تملك شيئا من كرامة، أو اعتزاز بذاتها وقدرتها وجمالها وفتكها، بعكس العقرب الذي لا يبعد عن طرف الظل الذي يلفني إلا قليل من خطوات سريعة ليحقنني بسم غريب التركيب.
لن اتجرأ للادعاء بجمال ما هو ليس بجميل، فالعقرب رغم امتلاكه القدرة على الانتحار في لحظة حاسمة، إلا انه يبقى دميما قبيحا مثيرا للتقيؤ، حتى العين لا تحب أن تراه، أو تبقى على اتصال بوجوده الثقيل التكوين، لكن، في الوقت ذاته لا يمكنني رغم دمامته وقبحه ألا اجرؤ عن التنبه له ومواصلة مراقبة حركاته، فأي غفلة بسيطة تعني الدخول بدوامة ألم السم الناقل للفناء إلى جسد يتمتع بسحر النسمات العابرة للظل النافضة للجسد بشكل غريزي يتصل بالدماغ المكون لإحساس النشوة المكتمل التكوين.
السلحفاة تملك درعا واقيا وقويا، تستطيع أن تنسل إلى جوفه مكومة نفسها على بعضها، لتصبح كحجر تمر الأشياء من حوله دون أن تدرك الحياة النابضة بأعماقه، لهذا، فهي تملك مقوما ذاتيا آليا للدفاع عن ذاتها من الأفعى والعقرب، أما أنا، الذي أحمل هم انقاذها وتخليصها من الخطر المتربص، فلا أملك أي نوع من أنواع الدروع الطبيعية، فلو أدرت بصري هنا أو هناك بلحظة انشداه أو مفاجئة، ربما لا أملك الوقت الكافي للفرار أو التعامل مع المخلوق الرائع الجمال أو مع المخلوق المقتحم للقبح والدمامة.
سقطت الشمس من مكانها وكأنها نيزك افلت من نظامه، أصبح الكون كله مهددا بالفناء، الظل والزيتون وأنا والأفعى والسلحفاة والعقرب، لكنها وبلحظة ناهضة من قوة البقاء في الكون توقفت عن السقوط، اشعتها اصبحت خيوطا من نار لاسعة متوهجة متمخضة، تصلي الارض بقوة مندفعة بطريقة لا يمكن تصورها أو احتمالها، تماما كما هي في الصحراء وقت توسطها كبد السماء، تكون قاسية، ملوحة، حارقة، توقد الرمال وتؤجج الصخور، فيبدو الرمل أينما وجهت نظرك جداول وانهار وغدائر ووديان من مياه صافية كالبلور الجليدي وسط غمامة متكئة على تيار حراري صاعد، وحين تدير النظر هنا وهناك، تفقد الشرق والغرب والشمال والجنوب، تتحول إلى عقرب تدور على رقعة من المجهول فوق مجهول.
فاتنة ورائعة هي الصحراء، تلمع كذهب ممتد إلى ما لانهاية، تبهر النظر وتقتحم المشاعر، تؤصل لرعشات من الإعجاب الموصول بالخوف والهيبة، تمد ذاتها كلما تحركت بشكل دائري، تختفي المياه التي اقتحمت العين سابقا، وتبقى رائحة الحر والقيظ واللهيب والاشتعال، تتكوم المشاعر وتتكور، يتحرك الحُصين بقوته داخل الدماغ لانتشال الخارطة التي قادت إلى هنا، لكنه يصاب بالإرباك وفقدان التوازن، تقع الصورة البصرية في روع الدماغ، ينقلها إلى الحُصَين، ترتسم المسافات التي لا نهاية لها كخارطة اللحظة الحبلى بالتيه والضياع، يتأثر الدماغ، فيحرك الجسد، يسيل العرق من كل المسامات إمعانا بتغذية شعور الدوران في الفراغ الناقل لوباء الفناء.
ما زالت الأفعى مكانها، وما زلت في الظل، والعقرب بدا وكأنه منحوت من رمل متكدر وجاف، لكن السلحفاة، كانت قد قطعت مئات الالاف من اميالها باتجاه الظل، بقي لها بالنسبة لي خطوات قليلة، أما بالنسبة لها آلاف أخرى من أميال تغلي بحرارة قائظه ناقمة، كل ما علي الآن كي أكون قادرا على الاحتفاظ بالظل أن أقتل العقرب بضربة مفاجئة وصاعقة وحاسمة، لحظتئذ، يمكنني السيطرة كملك مستبد وجشع وقاتل على الظل الموسوم بروعة النسمات المداعبة لمراكز الاحساس بالدماغ.
لو كنت أملك نوعا من النفط، لاخترت طريقة الانتحار للعقرب، هي طريقة قديمة، مارسناها كثيرا، مما أدخل في ذمتنا أرواح المئات من العقارب، كنا ننتشر في الجبال والوديان، نبحث وسط ظهيرة حارقة عن العقارب، نأسرها ونضعها في قوارير زجاجية كبيرة، ونعود بها إلى الظل، حيث النشوة والمتعة والنعاس ولحظات النوم الرائعة، فنصنع دائرة من رمل دقيق، ونصب النفط فوق الرمل، ثم نأتي بقطع من الشجر الجاف ونضعها فوق الرمل على الدائرة، ننقعها أيضا بالنفط، يدخل أحدنا وبيده قارورة العقارب، فنشعل النار بسرعة من كل أطراف الدائرة، يقفز صديقنا من فوق جدار النار الدائري بعد أن يكون قد أفرغ العقارب من الزجاج، وتبدأ رحلة غامضة للعقارب، ملفعة بالخوف والتحسب والتوقع والضوضاء داخل تكوينها السري، القلق والغضب والحنق تبدأ بالظهور الواضح على حركاتها، تهرب بسرعة من هنا إلى هنا، ومن هناك إلى هناك، ومن هنا إلى هناك، تصطدم ببعضها، تنكفئ، لكنها وبقوة غريزة البقاء تنهض وتستمر في البحث عن مخرج، هو الغيظ المعبأ بالعجز، ذلك الذي يحرك العقارب بحمى قاتلة للبحث عن مخرج يقودها إلى مكان لا تموت فيه حرقا، غيظ متقد لو تمكن من قطيع ثيران لكفت نقاط منه لمحو القطيع عن الوجود، دوران صاخب متداخل متشابك غير محدد يغلي كمرجل بركان متقلب، وحين يصل الأمر إلى الانهاك، الاقتراب من لحظة الاستسلام والخور والخضوع، تنفجر كرامة وعزة العقارب، من مكمن مجهول بتكوينها رافعة ذيلها مركزة سمها، وبنظرة اخيرة للظل، للطل، للندى، للاخضرار المفعم بأوراق الزيتون، تودع الدنيا بضربة قاتلة من سمها إلى ذاتها.
الأفعى لا تملك مثل هذه الكرامة، أو حتى ظلا من ظلالها، صحيح أنها تقتحم النار بسرعة هائلة للفرار من الموت، لكنها إن رأت توسعا بالدائرة فإنها تبقى متكومة في الوسط دون حراك بانتظار انتهاء الحريق، هي حكمة، لكنها زائفة، لأن حرارة النار المشتعلة تقترب من جلدها، تسلخه، أو تقضمه كقضمات الصقيع، تتلوى قليلا هنا وهناك، تبحث عن مخرج، لكنها لا تقتحم النار إلا إذا رأت النار تقتحمها بشكل حاسم وفاصل، وحين تمر من النار واللهب يحترق جزء كبير من جسدها، يجعلها بطيئة وثقيلة الحركة، غير قادرة على الانسلال والتخفي بشكل كاف، والأهم أنها تستدعي جيوش النمل من بعيد ليقتحمها مستعمرا عزتها وكرامتها وقوتها وسطوتها.
ما زلت بين هذا كله، أتمسك بالظل ووسن النوم يغالبني محاولا إدخالي في لحظات الاستغراق بالموت المؤقت، لكن العقرب والأفعى يتخللان انهمار الوسن وغيومه المثقلة بالحلم المخبأ في لذة الموت المؤقت، تنهار الاحاسيس المقتربة والمداعبة للرموش والجفون، تنهض قوة غامضة لتكتسح الوسن من أعمق أعماق جذوره، تبرز حالة التنبه الممزوجة بالخوف والتربص والتيقظ، من أعماقي المفتوحة على المدى المتسع في العيون، يخرج الطفل الذي تلقفته أم هاشم في غرفة صغيرة في المخيم، صارخا، رافضا، متمردا، يبكي بكاء من نزع من المأمن ليوضع في أتون الشك والتوتر والغليان، داهمته الدنيا مرة واحدة، بضوضائها وحرها وقيظها وقسوتها، لمس ذلك بسرعة لا يمكن ادراكها أو الاحساس بها، وصل صوته إلى الساحة المعفرة بالتراب والأوحال، لكن الدنيا كانت قد أحكمت إرساء أنيابها وكلاباتها به فور سقوطه من الرحم، لم يكن بالإمكان العودة إلى ذلك الرحم المشبع بالاتساع والآماد والرحابة والانفتاح، لا يمكن الهروب من ضيق الدنيا وصغر مساحتها التي لا تتسع لإصبع الطفل الساقط الآن من عوالم السعة المترعة بالسعة إلى عالم الضيق المترع بالضيق.
لو كانت الأفعى يومها هناك، لو كانت العقرب أيضا، لكان الطفل قد أطلق نداء استغاثة بأحدهما أو كليهما، ليفرغا سمهما في دمائه التي لم تعتد بعد التعلق بالبقاء والحياة والوجود، لكن لم تكن هذه أو تلك، فكان على الطفل أن يقدم شهادة للوجود الذي أنزل فيه منذ لحظات، شهادة قاسية مجللة بالتناقض والتزاوج والتنافر والالتحام، الشهادة كتبت بالدماء، الدماء التي غابت عنها الافعى والعقرب، مرة واحدة اندفعت الدماء غزيرة مدرارة فوارة، فلت رباط السرة، كانت النهاية تقترب، وترك الوجود يتحقق، رغبة في العودة إلى ملاذ أكثر اتساعا ورحابة من الدنيا وما يتوالى من أكوان وعوالم في الفضاء وأعماقها وأعماق المحيطات، ابتسم الطفل ابتسامة عريضة تكاد تجمع الأكوان بين حديها، وفي لحظة، لم تكن ضمن حسابات الابتسامة والفرحة، انقطع الأمل وسيطرت الدهشة والحزن، أم هاشم، سمعت صراخ أمي حين رأت الدماء تنساب من جسدي كجدول صغير ناعم طري، بركت على الارض بلباسها الأبيض، امسكت السرة وعقدتها من جديد، توقف الجدول عن الجريان، وتوقف أمل العودة إلى العوالم التي كانت تظللها نسمات الرحم وخفقات القلب ووجيب الروح.
ما زال الزيتون يحتفظ بخضرته الضاجة، رغم وقوف الزمن كفاصل بين المكان الذي أنا فيه الآن، وبين المكان الذي فلت فوقه رباط السرة، وكأن الازمان الماضية التي تنقضي بكل ما فيها من أحاسيس ومشاعر، لا تمت بصلة إلى الأزمان التي تليها، هناك شيء ضائع بين ما كان دائما، وما هو كائن، وما سيكون، فرق لا يمكن ادراكه او ملامسة تكوينه وصيرورته، لكنه منتصب كمارد جبار وقادر على اذهال العقول والاحاسيس بما يصل لحظات بلحظات، وبما يفصل أزمان عن أزمان، فصلا يكاد أن يطيح بالعلائق والوشائج التي تربط الأشياء والمكونات ببعضها.
لماذا نختار الماضي كي نمجده دوما؟! لست أنا من يدعي ذلك فقط؟! اقرأ تراث العالم أو ما تيسر منه، قراءة متأمل واع مدقق، وابحث عن الألم المخبأ بجوف الامنيات والتطلعات، ماذا ستجد؟! الحنين والاشتياق والنزوع إلى الماضي؟! أليس هذا عجبا؟! ربما هو عجب العجاب؟! وربما هو الهروب من الحاضر إلى جوف الماضي؟! وربما هو الخوف من المستقبل المتدرع بصدفة سلحافتية تحجب عنا رؤية ما نتمنى ونخاف ونتحسب ونتوقع؟! لكن الأكيد الذي يكاد يصل إلى درجة المطلق الدنيوي، أننا نرتد إلى الماضي لكونه مضى وانتهى؟! أصبح معلوما وواضحا ومكشوفا؟! لا يحمل أي رهبة أو توقع مجلل بالتحسب والتوقع المكلل بالمجهول الذي يربك أعماقنا وذواتنا؟! والأهم، لأنه أصبح مستحيلا أن يعاد او يستعطف من أجل السكن بأعماقه والتلفع بإهابه؟!
آيات العذاب تترى، تتدفق، تنسل بأعماقنا الملوعة اللائبة المصهورة المتمخضة كأفعى غريبة التكوين والملمس والسم والأنياب، تفتك بكل مقوماتنا الشعورية فتكا يكاد يمحق الوجود وينهي الأكوان، لكن أعماقنا تتأبى على الاندثار والتحلل، فترسل جيوشا وأرتالا من مشاعر متدفقة كشلالات نهمة وجائعة لتكوين مشاعر وأحاسيس جديدة، تتناسل الافعى وتضع ملايين الملايين من الفراخ التي تكبر وهي تقتات على ما أنتجت أعماقنا من مولودات حديثة، ونحن كوجود مثقل بالضعف والاستسلام والضياع وقلة الحيلة، نرقب بعيون منكسرة وبصيرة مثبطة معركة الألم والعذاب المحتدمة بين الانفعالات والمشاعر والأحاسيس وبين الأفاعي الناهضة بعزم الفناء لتفتيت أحلامنا وجسور آمالنا وطموحاتنا التي أسكناها يوما من الأيام الماضية قلوب النجوم والشموس والأقمار؟!
والعمر قصير، والوقت كالسيف المهند الدمشقي المشحوذ، يَقْطَعنا ويُقَطُعنا، ينحر ايامنا من وريدها الى وريدها، نرسم الخطى من ذهول متوالي، تقتحمه دهشة مكتظة، تتناوش طبائعنا وجهودنا في الركض نحو الماضي الذي نلجأ اليه هروبا من واقع متقيح منتفخ، ومن مستقبل يفور صديده ويمور كبحار مسجرة، هو الانكسار الحتمي امام ما نضيع فيه اوقاتنا بين الهروب الى الهروب، والايام تمضي، الواقع يتحول الى ماضي نحن اليه، والمستقبل يتضاءل ويصبح عمره محدودا.
نتقاسم الحياة مع الموت، فنحن حتى في لحظات الموت الدنيوي، نستنهض الرؤى والاحلام في اشتباك عظيم مع الحياة، كانت الرؤيا واضحة لامعة ناصعة، قاطعة وحاسمة، قوتها في ممارسة الفعل لا تصدق، وطاقتها في تحقيق ما تعجز الحياة عن تحقيقه عارمة.
رأيت نفسي اخرج من ذاتي ذات يوم، كالأفعى المتحسفه، المبدلة جلدها بجلد جديد، فهي رغم الألم والعذاب الذي يرافق تحسفها، تبقى تبحث عن النتوءات والالتواءات من أجل إتمام العملية والفوز بطاقة وجود تتناسب مع معطيات حجمها الجديد، يومها كنت في أحد الوديان المهجورة الموصوفة بالرعب والخوف وبعث الأشباح والشياطين والمردة، موزعا بين الواقع والمستقبل، ممزق ومحطم، وفي أعلى قمة للجبل الذي يطوق الوادي شاهدت قبسا من نار هادئة، تتلوى بفعل الريح الخفيفة الموزعة بتناغم سحري بين الهدوء والضجيج، بين السكون والحركة، بين السكينة والرعب والخوف، لم تكن الدهشة تقترب من تكويني، وكأني أملك علاقة بين المكان الذي وجدت نفسي فيه، وبين الأزمان الثلاثة، كنت كمن وقع بكمين مخدر يتسلل إلى الجسد ويأخذ دوره في سرنمته، وفيما أنا الحظ القبس المتمايل، دخلت حالة الانسلاخ عن الذات الحاضرة، رأيت نفسي وهي تخرج من اعماقي وتسير نحو حاجز شديد الشفافية، أدركت بطريقة غريبة أنه فاصل زمني رقيق يفصل الماضي عن الحاضر والمستقبل فصلا تاما، سرت قشعريرة الفرحة وتمددت كموج رائق بكل كياني، انزلقت نفسي بطريقة يافعة الى الماضي.
انزلقت ذواتي وكياناتي كلها معها مرة واحدة، كصخرة عملاقة سقطت من فوق رأس مدبب متعال وشاهق، انتظمت انفاسي وأرواحي وذواتي كلها، فرأيتني ذاك الطفل الجذل الممرغ بالغبطة والمتلفع بالبهجة والضاج بالسرور، بدأت التنقل بالماضي الذي كنت سابقا اتمنى العودة اليه، قابلت طفولتي وشبابي وفتوتي، التقيت آثامي واوزاري وحسناتي وشهقاتي، اندمجت مع كل ممارسة يخجل الخجل منها واخجل حتى من تذكرها او مرورها على خاطري، وتفاهمت مع كل لحظة فخر واعتزاز أردت أن أراها كتكوين ملازم، ووقفت أمام ما كان علي أن أختار، ذات الوقفة التي وقفتها سابقا، وسكنت إلى الأغصان والأزهار والورود والتويجات التي سكنت اليها يوم كانت أحلامي بحجم قبضة يدي، وانتقلت بين المدارس وزملاء الصفوف والمدرسين، حتى لحظات الزفاف والجنائز التي شاركت فيها كلها جاءت تناديني وتغريني بالتعمق بها من جديد، رأيت كل الماضي بما فيه، أغرب ما رأيت، أنني شاهدت نفسي وأنا اسقط من الرحم إلى الارض، القابلة أم هاشم، القماط الناصع البياض، وانتقلت بين أروقة الأيام ودياجير اللحظات رواقا خلف رواق وديجورا وراء ديجور، حتى أنني شاهدت نفسي وأنا أغط بنوم الأيام التي انقضت من عمري كلها، ومرت أمامي كل احلام النوم وأحلام اليقظة السابقة، لم يبق شيء من الماضي باقل جزئية من جزئياته، أو ذرة من ذراته إلا وكان معي بأعماقي وذواتي وأرواحي كما كان سابقا.
لم أشعر بالاستهجان! أو الخضة أو الدهشة! لم أشعر بفرح أو جذل أو حبور! كل ما شعرت به انني وسط شيء لا يمكن الفرح فيه أو تمني الاقامة بظلاله، بل لم أرى من بين تلك الرؤى كلها سوى الجمود في مرحلة غضة طرية لم تسعفها الأيام بقليل من الحكمة أو التقدير، وكما كان الزمن سيفا دمشقيا ينحر الأوردة في الزمن الحاضر الذي انزلقت منه إلى الماضي الذي أتمنى، كان الوقت هنا مجموعة من السيوف والرماح التي تقطع الأوداج وتثقب الأرواح، وما هي إلا لحظات حتى كنت قد ارتفعت من سريري كسهم خارق وأنا اصيح برعب غير مسبوق.
تدافع أولادي من النوم نحو البراد، وحين اسقطت المياه بحلقي، شعرت بانطفاء البحار المسجرة بأعماقي، نظرت حولي بعيون تسيل رعبا حامضا ممضا، وجدت الأشياء على حالها، تهالكت على السرير كضحية خرجت بعد عناء من أنياب التمساح.
لأيام طويلة ظللت أسبر اللحظات التي انتقلت فيها إلى الماضي، حتى شعرت بالتجمد المطلق أمام انتفاء الحاضر والمستقبل، لحظات عصيبة مغرقة بالعرق الملتهب، وأيام شديدة ملتهبة متقدة تتخللها سحابات من دخان معتم اسود وعملاق، ودماغ لا يقوى على شيء غير الكساح والهزيمة، كل هذا نابع من قوة الانزياح عن واقع الوجود المتصل عبر الازمان المتلاحقة التي تمد بعضها بالتسلسل والتوالد والطاقة والتجدد من أجل اكتمال بناء اللحظات الراهنة المولودة من لحظات الماضي لتشكيل لحظات المستقبل.
الماضي كان جميلا رائعا رقراقا قبل الانزلاق فيه، قبل العيش فيه مرة ثانية بعد أن عشته بطبيعته وعفويته وتكونه، أما الانتقال من الحاضر إلى الماضي، فانه يكشف لك عن أنياب لم تكن بسبب العيش المتراكم في نواة اللحظات السابقة قادر على اكتشافها، صحيح أن الأنياب انغرست كلها بأعماقي بكل ثقلها بالماضي، لكنها لم تكن بذات القسوة والضغط وعدم الرحمة التي انغرست بها يوم انتقالي من حاضر أرفضه ومستقبل أخشاه.
هي كذبة كبرى تتساوى مع الأساطير والخرافات والاشباح، مقولة أن الماضي الذي ذهب سيكون أكثر روعة وجمالا لو عاد لنعيش فيه، كذبة تكاد ترتقي إلى ما فوق الأساطير والخرافات، لتشق عن ذاتها وجودا هلاميا لا يمكن امساكه أو الوثوق والتوثق منه، حتى لو مضغناه بين أسناننا، سيبقى الهلام الذي لا يملك من الطعم سوى الإحساس بهلاميته المقززة المنفرة.
التجمد والانغلاق على زمن واحد أمنية تراود الكبير والصغير، العالم والجاهل، المؤمن والفاسق، لكنها تشترك كلها بضعفنا كبشر، وكانسان عاجز عن الوثوق بما يمكن ان يصنع أو ما يمكن أن يصنع المستقبل به.
وهذا هو الأساس لما يدفعنا إلى تصور الماضي على أنه أجمل ما مر بنا، وهو ما يدفعنا إلى إنكار الحاضر والمستقبل لنلوذ بحمى الأيام المنقضية التي نعرف ونثق تمام الثقة بأنها لن تعود، ولو أدركنا للحظة واحدة أنه يمكن لتلك الأيام العودة، لبدأنا بتجميل الحاضر، أو الأصح بترتيل أناشيد عن كل يوم يخفيه المستقبل، وكلما مر يوم وتحول المستقبل الى حاضر، أمعنا أكثر في ترتيل الأناشيد لليوم الذي ينتظر أن يتحول إلى مستقبل.
لحظات طويلة تلك التي مرت وأنا بين الماضي والحاضر، حتى انني تساءلت بيني وبين نفسي: كيف تحولت اللحظات التي كنت مستغرقا بالتفكير بها بالأزمان إلى حاضر وماضي بهذه السرعة، كيف تحرك الزمن والأشياء والأمكنة والأكوان كلها من حولي وأنا ثابت في مكاني تحت الظل أرقب المخلوقات الثلاثة؟ أحسست بضآلتي إلى حد التلاشي، فهناك وهناك، وهنا وفي الاتجاه هذا والاتجاه ذاك، وبين النجوم والكواكب والاقمار والشموس، وبين زلزال يحدث هنا وبركان يحدث هناك، تتغير معالم الوجود، منها ما ينطمس ويندثر ويختفي، ومنها ما يظهر لأول مرة فوق الارض وتحت ضياء الشمس، حتى الموت والتلاشي والدخول في العدم، يحدث بين أطياف الاكوان فتتبدل الجغرافيا وتختلف الظلمات والأنوار، كل هذا حدث قبل الانتهاء من هذه الفقرة وسيستمر في الحدوث في اللحظات التي تليها، وأنا، الإنسان، ما زلت تحت الظل أرقب مخلوقات لم تكن قبل أيام وأعوام إلا في جيب الغيب، فأصبحت وجودا بيد الحاضر والمستقبل، وستكون عدما يوما ما، إلى أن يشاء الله جل في علاه فيبعث من يشاء وقت شاء.
الأفعى ما زالت ترقبني بعينين ضاريتين متجمرتين، لكنها بحاسة الشم المساندة للرؤيا أدركت حجمي، فاستشاطت غضبا فوق غضب لأنها لم تجد في الفريسة التي يممكن ابتلاعها، أما السلحفاة فإنها وبحاسة ملتهبة أدركت أنها يجب ان تشق طريقها نحو الظل بسرعة تكاد تسابق سرعة الضوء، لكنها ولأنها مذ ولدت تسير على نهج البطء فإنها تظن بانها حين تدفع نفسها للأمام بانها قد قطعت مسافات لا يمكن لمخلوق آخر أن يقطعها بنفس سرعتها، أما العقرب، فقد اشتدت دمامته واحتشد قبحه، وكانت الشمس المنصبة من الأفق كشلال بركان منصهر تلوح الجميع وتستفز قدراتهم وتطلعاتهم دون أن يكون لها أي هم من هموم المستقبل.
أسهل خطوة ضربة خاطفة بحجر الصوان على العقرب، فأكون قد انتهيت من أول خطر محدق، الخطوة الثانية حمل صخرة من الصوان وانزالها على جسد الأفعى لتطحن جسدها وتصبح غير قادرة على الحركة بشكل سريع، ومن ثم التلذذ بطحن راسها الحاوي لأنياب الموت الزعاف، وربما أتركها أسيرة جراحها كي يتقدم النمل باندفاع الجيوش المقاتلة المغيرة، لينتشر فوقها ويفتتها إلى قطع لا ترى بعين مجردة، ليكون عجز التلوي والتلولب والالتواء أظهر صفاتها وأوضح صور قهرها واندفاعها نحو غيظ لا يمكن التخلص منه، إلا بإنهاء النمل الصغير لمهمته في الشره والشبع والتخمة، وبعد الانتهاء حمل السلحفاة إلى الظل، فأكون قد وفرت عليها جهد سنوات ضوئية.
كل هذا يدور بخاطري، دوران الثقة والحزم والامعان في التقيد بالخطوة القادمة التي لا مفر منها، بل هو الواجب الذي علي التحرك من أجل تنفيذه بالحاسة التي لا تبحث عن سبب أو تأويل، لأنها حاسة الفصل بين الموت والحياة، فأنا ألوذ هنا بالظل هربا من فحيح شمس تكاد تقتلع الاحساس بالحياة ولذتها، أخضع لوسن يداعب أعضائي إلى حد الكسل والخمول، وأكثر من مرة سقطت الجفون فوق العينين فأغلقتهما وكادت ترسلني إلى قبو النوم، لأكون فريسة سهلة لزعاف من هنا وزعاف من هناك، لحظتئذ كنت أنتفض وأفرك وجهي بقوة، وأرسل طاقة بصري كلها تجاه الموت المحيق من هنا وهناك، عندها كنت أشعر بصدام متفجر بين رغبتي للنهوض وتنفيذ القتل لمصدر الموت، ووسني الذي يغريني يرقرقات الظل بأعماقي واعضائي، حتى ظننت لوهلة بأن الخيار لم يعد ضمن جسدي وعقلي.
حدقت بالعقرب من جديد، كانت قد وصلت إلى النقطة الحاسمة التي تفصل الظل عن لهيب الشمس، لكنها وقفت تتحسس أنفاسي وخطوات انفعالاتي، وكأنها تود قبل حسم أمرها اليقين من مكان اللسعة التي ستغرزها بجسدي، وربما لم تكن تفكر بذلك ابدا، بل جل ما تفكر به اقتحام الظل والنوم إلى جانبي لتدخل حالة الوسن والنوم، لكن، من أين يمكنني الثقة بكائن لا ثقة فيه، الأفعى تحركت، حركتها تنبؤ بوضوح عدم احتمالها للحرارة المنصبة على جسدها، وانها من أجل الحصول على الظل، يمكنها خوض معركة المصير حتى لو كان النمل وجيوشه المندفعة نهايتها.
طرفة عين فقط، فصلت بيني وبين الموت، لو لم أشعر بنمنمة في رجلي، لكانت العقرب قد افرغت كل زعافها بدمي، استغلت لحظة انشغالي بالأفعى، فاندفعت إلى عمق الظل حيث قدمي الخارجة من الحذاء، انتفضت وانتفضتُ، فكانت نهايتها أسرع مما تَصورتُ وتَصَورتْ، الانتفاضة جمعت بين الرؤيا والحاسة الخفية الدفينة التي تنبثق من مكان مجهول في النفس لتشارك بإنهاض الوعي ودفع البدهية لتمارس دورها في ردة الفعل الصادة للخطر الذي يوشك أن يحدق بالإنسان.
رجفة ولهاث وحالة من الوعي الممعن في السهوم استقرت بأعماقي وأنا أغوص بدوامات ردة فعل توزع المشاعر وتخبطها وتنثرها كهالات من فراغ حول ذاتي المستفزة. نظرت للأفعى بقوة زرقاء اليمامة، أيقنت بأن المعركة في مراحلها النهائية حين وجدت مكانها فارغا علي أن أجدها قبل أن تجدني، ربما تكون هربت بعيدا، ولكن من الممكن أيضا أنها انزلقت بالتواءاتها إلى مكان قريب من الظل، تتربص اللحظة الحاسمة لتنقض بوحشية سريعة وخاطفة كالبرق أو اسرع، لتكون نهاية وجودي ونهاية الاحساس بالظل، ونهاية علاقتي بالزيتون الذي أودعت في حلقات عمره سنين طويلة من عمري. وفوق كل هذا، ستكون السلحفاة المسكينة المهيضة القوة والكفاح والقتال عرضة لنهم قد لا يبتلعها، لكنه يمكن أن يحقنها بزعاف الموت والنهاية.
درت في الظل، بعينين ثاقبتين كعيني عقاب وصقر ونسر، أصغيت بقوة التقاط الأفعى ذاتها لخطوات وحركات الفريسة، كنت مشنفا إلى أقصى درجات الحساسية والاستشعار، وبأعماقي لوم غريب على تفويت فرصة تفتيتها قبل اختفائها، حالة الحذر والتيقظ والخوف شاركت جميعها بتأنيب تسويفي للحظة الحسم التي كانت اقرب إلي من حدقة العين، لم أستطع لملمة ذاتي وزجها في إطار واحد يوحد القدرة على البحث من أجل الانتهاء من التمزق والتوزع الذي أعيشه، بت على يقين بأنها تقف على مسافة خطأ ارتكبه، وهي على مسافة خطأ سترتكبه، لكن الإنسان قياسا بالأفاعي لا يملك شيئا من صبر أو تأني، فهي ترقد بقوة صمت وصبر في انتظار غير المتوقع من أجل الحصول على لحظة انقضاض لم تكن ضمن مساحات احساسها أو رؤيتها أو شمها، أما أنا فما زالت الرجفة والخوف واللوم والشمس والظل والسلحفاة اضافة إلى التحسب وانتظار اللحظة التي تتفوق بها علي، ما زال كل هذا يذهب تيقظي ويكتسح صبري، لذا قررت وبلحظة حاسمة أن أمنحها حركة تدفعها للهجوم فأتبين مكمنها الذي تتربصني منه.
حركتي كانت محدودة بطريقة التحسب والتوقع والحذر والانتباه، دائرية بسرعة تكاد تشبه حالة الدخول بالإغماء، تناهى إلى سمعي هسيس خفيف، نقلت قدمي بتؤدة ولكن بثقل ضغط شديد على الأرض، فارتفع صوت تحطم الأغصان الجافة، وما أن ثبت قدمي، حتى رأيتها ترتفع بجسدها عن الأرض لنصبح في حالة الوجه للوجه، تسمرت مكاني، وهي كذلك، فكما أدركت خطورة الحركة القادمة بما تحمل من موت وفناء ونهاية واندثار، أدركت هي ذلك، أصبحت المعركة معركة بقاء، أكون أو لا أكون، فإما أن ينهش الدود جثتي بعد ساعات، أو ينهش النمل والدود جثتها بعد ساعات، لكنها بحنكة التجربة والقتل أسرع مني، فهي تملك من الخبرة ما يفوق خبرتي في مواجهتها، لم يكن بيدي أي اداة لمواجهتها، وهي تملك أنيابها وسرعتها وزعافها وتلويها، وأي محاولة للانحناء من أجل الحصول على حجر أو غصن ستكون سرعتها حاسمة في الانقضاض والانتهاء من هذا التوتر الذي تغلي الشمس مكوناته بحرارة تتميز غيظا وقهرا، كيف استطعت تفادي انقضاضها السريعة؟ لا أعلم.
لحظة التفادي أوصلتني لالتقاط جذع زيتون، وقبل أن تفيق من حالة فشلها كنت قد انهلت عليها بضربات حقد ممزوج برعب، تلوت مكانها، لم تكن سريعة كما كانت فأحسست بطاقة فياضة للمواجهة الحاسمة، تحركت بسرعة نحوي، كان الجذع يطيح بها مرة خلف مرة، سكنت عزيمتها، لكن لولبيتها والتواءها زاد إلى حد أنه تبدى عجز ممض ينهش من ذاتها الصاخبة بالرعب والهلع، ظللنا نراوح بين فر وكر إلى أن سحق الجذع عظامها في أكثر من موقع، عندها توجهت نحو صخرة كبيرة، رفعتها من مكانها وجررت الافعى نحو صخرة بها قليل من الاستواء، رفعت الصخرة وأنزلتها على رأسها مرة واحدة، وحين وصل إلى مسامعي صوت تحطم العظم، شعرت براحة مهتزة غير ثابتة، عدت نحو الظل وأنا أمسح جداول العرق المنبثقة من مساماتي، وجلست مستجديا نسمة طرية تنفض جلدي وتساعد في تجفيف العرق.
نسمات رقيقة طرية ناعمة داهمت جسدي، اصطدمت بالحرارة، تفاعل التضاد، انتفض جلدي انتفاضة طالما أحببتها وعشقتها، تذكرت السلحفاة المسكينة، وما أن هممت بالنهوض لإحضارها إلى منطقة الظل، حتى كان النسر قد احكم مخالبه عليها ليرتفع بسرعة لا تصدق في الفضاء حيث لا يمكن لي أن أعرف أو أعلم.
مأمون احمد مصطفى
28- 11-2012
وهناك على أعتاب الوجود، في تلك الأيام الراجفة المرتعدة من هول ما نحشو بسويدائها من ثقل الحلم المنذور لغيب يستتر في غلالات المجهول المتعمق بالقادم، كنا، نساير الزيتون، نوشوشه، نستفيء بظله، نداعب النسمات الشاردة من قيظ متحكم بما نحس ونرى، تشفق النسمات علينا اشفاق أم رؤوم وأب رؤوف، تبرد ذاتها وتأتي إلينا محملة برائحة الظل وخفق برودة مستله من حرارة لاهبة متأججة، تقتحم اجسادنا، وما أن تلامس الجلد، حتى ننتفض ونرتجف، تخترقنا لذة عارمة، إحساس غريب مشبع ومثقل باللذة التي تحس ولا تفسر أو توصف، تهيج اللذة وتتعاظم، تتمدد في أنحاء الجسد، وتتركز عصارتها في الروح ضربات من نشوة تكاد تعصف بالحياة المسكونة بأعماقنا وتفتتها، تحولها إلى نتف لا تكاد ترى من فرح مغمور ببريق البرية ونسغ الزيتون ولفح الشمس الذي يضخ النور في كل مكان.
على بعد أمتار فقط، سلحفاة حزينة، متكومة على ذاتها، مرهقة متعبة، ترى المسافة بينها وبين الظل اميال طويلة، تساوي المسافة بين الشرق والغرب، تمد أطرافها من صدفتها المدرعة لجسدها، خطوط الزمن والأيام تبدو بوضوح صارخ، وحين تخرج رأسها، تشعر بكم الزمن المتغلغل في كل جزئ من أجزائها، تتنفس، تحس بحرارة الأرض والشمس المعلقة بالأفق كتنور ضخم تتساقط فيه الأشياء لتزوده بحرارة فوق حرارة، لكنها رغم كل هذا، ورغم رؤيتها للمسافة الفاصلة بينها وبين الظل، تحلم كما نحلم، بالوصول إلى نقطة البداية للتمسك بظلال لها في مثل هذا الجو جوهر من متع لا يمكن إدراكها أو تخيلها الا في نواة اللحظة ذاتها.
وهناك على الجهة اليسرى، أفعى طويلة، غاضبة إلى حد الانفجار والتشظي، ترى الوجود بطريقة فعالة للقتل والتسميم، تدور هنا وهناك، تنضنض بلسانها بحرقة من انفعال مزدحم ومكتظ بقلة الصبر، تساند هذا أشعة من قبة متوهجة متدلية تكاد تسمع صوت لهيبها وهو يخرج من اعماق الارض وحزمات العشب المصلية حتى الانهيار، الأرض والافعى يشتركان الآن بالفحيح المتأصل بعمق الغضب والتأزم، وكما أوراق الشجر ترسل حفيف الاستسلام للموت والنهاية، فإن الأفعى ترسل حفيفا ضاريا وصاخبا وصل إلى حد القعقعة واللعلعة، تماما كدوي قصف الرعد المنبثق من شحنات تفرغ بعضها ببعضها لجرح الآماد واستخراج صهيل الحياة وصداحها.
نظرت للأفعى بعين غاضبة حانقة، وللسلحفاة بعين الشفقة والحنو، وللزيتون الذي ينشر ظله فوق مساحة وجودي بالإجلال والهيبة، للزيتون بذاكرتي تفاصيل كثيرة، كبيرة، متشابهة في ظاهرها، مختلفة في جوهرها، حتى اوراقها الداكنة الخضرة، كانت تثيرني بطريقة يصل الشبق فيها اعلى مستوى، النخل ايضا يثيرني بذات الطريقة، فيهما كنت ارى التزاوج العظيم المبني على المجهول وهو يأخذني كحاكم لتلك النسوة الممتدة في الجبال والسهول، وأحيانا كخادم مطيع متفان فخور بانتمائه لمفهوم خدمتهن.
الأفعى يبدو أنها اشتمت رائحتي المعتقة بالزيتون والجبال والشمس والظل، أدركت أن هناك فريسة، والسلحفاة أدركت وجود الأفعى، المعركة بين الأفعى وبيني وبين السلحفاة والظل والشمس أصبحت حتما لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه، هناك سم يتلوى، يتلولب، يكاد يشق الجسد الممتد كحقنة من موت متأصل لينثر غضبه على كل المحيط، وسلحفاة مترعة بالبطء والخوف ومحاولة الوصول إلى نقطة النجاة، وأنا اتمسك بالظل كتكوين أرضي منذ ملايين السنين، وفي الوقت ذاته أملك نازعا وحشيا بمخالب حادة معقوفة صلدة كصخر بركاني من أجل إنقاذ السلحفاة، تلوت الأفعى تلويا يثير الفزع والدهشة في ذات الآن، هذه المخلوقات الرائعة الجمال والرونق والملمس، تفجر في النفوس شعور الموت والفناء، هي التناقض بمجمله وجله، بين الروعة والجمال يكمن الموت والفناء، الرحيل عن الزيتون والظل وكل مفعلات اللذة والنشوة، لكنها في نفس الوقت، تملك تقنيات عالية في فن القتل، جمال ساحر قاتل يمارس أقسى أنواع الجريمة بطريقة فظة مؤلمة حاسمة، إلا أنها رغم كل هذا لا تملك شيئا من كرامة، أو اعتزاز بذاتها وقدرتها وجمالها وفتكها، بعكس العقرب الذي لا يبعد عن طرف الظل الذي يلفني إلا قليل من خطوات سريعة ليحقنني بسم غريب التركيب.
لن اتجرأ للادعاء بجمال ما هو ليس بجميل، فالعقرب رغم امتلاكه القدرة على الانتحار في لحظة حاسمة، إلا انه يبقى دميما قبيحا مثيرا للتقيؤ، حتى العين لا تحب أن تراه، أو تبقى على اتصال بوجوده الثقيل التكوين، لكن، في الوقت ذاته لا يمكنني رغم دمامته وقبحه ألا اجرؤ عن التنبه له ومواصلة مراقبة حركاته، فأي غفلة بسيطة تعني الدخول بدوامة ألم السم الناقل للفناء إلى جسد يتمتع بسحر النسمات العابرة للظل النافضة للجسد بشكل غريزي يتصل بالدماغ المكون لإحساس النشوة المكتمل التكوين.
السلحفاة تملك درعا واقيا وقويا، تستطيع أن تنسل إلى جوفه مكومة نفسها على بعضها، لتصبح كحجر تمر الأشياء من حوله دون أن تدرك الحياة النابضة بأعماقه، لهذا، فهي تملك مقوما ذاتيا آليا للدفاع عن ذاتها من الأفعى والعقرب، أما أنا، الذي أحمل هم انقاذها وتخليصها من الخطر المتربص، فلا أملك أي نوع من أنواع الدروع الطبيعية، فلو أدرت بصري هنا أو هناك بلحظة انشداه أو مفاجئة، ربما لا أملك الوقت الكافي للفرار أو التعامل مع المخلوق الرائع الجمال أو مع المخلوق المقتحم للقبح والدمامة.
سقطت الشمس من مكانها وكأنها نيزك افلت من نظامه، أصبح الكون كله مهددا بالفناء، الظل والزيتون وأنا والأفعى والسلحفاة والعقرب، لكنها وبلحظة ناهضة من قوة البقاء في الكون توقفت عن السقوط، اشعتها اصبحت خيوطا من نار لاسعة متوهجة متمخضة، تصلي الارض بقوة مندفعة بطريقة لا يمكن تصورها أو احتمالها، تماما كما هي في الصحراء وقت توسطها كبد السماء، تكون قاسية، ملوحة، حارقة، توقد الرمال وتؤجج الصخور، فيبدو الرمل أينما وجهت نظرك جداول وانهار وغدائر ووديان من مياه صافية كالبلور الجليدي وسط غمامة متكئة على تيار حراري صاعد، وحين تدير النظر هنا وهناك، تفقد الشرق والغرب والشمال والجنوب، تتحول إلى عقرب تدور على رقعة من المجهول فوق مجهول.
فاتنة ورائعة هي الصحراء، تلمع كذهب ممتد إلى ما لانهاية، تبهر النظر وتقتحم المشاعر، تؤصل لرعشات من الإعجاب الموصول بالخوف والهيبة، تمد ذاتها كلما تحركت بشكل دائري، تختفي المياه التي اقتحمت العين سابقا، وتبقى رائحة الحر والقيظ واللهيب والاشتعال، تتكوم المشاعر وتتكور، يتحرك الحُصين بقوته داخل الدماغ لانتشال الخارطة التي قادت إلى هنا، لكنه يصاب بالإرباك وفقدان التوازن، تقع الصورة البصرية في روع الدماغ، ينقلها إلى الحُصَين، ترتسم المسافات التي لا نهاية لها كخارطة اللحظة الحبلى بالتيه والضياع، يتأثر الدماغ، فيحرك الجسد، يسيل العرق من كل المسامات إمعانا بتغذية شعور الدوران في الفراغ الناقل لوباء الفناء.
ما زالت الأفعى مكانها، وما زلت في الظل، والعقرب بدا وكأنه منحوت من رمل متكدر وجاف، لكن السلحفاة، كانت قد قطعت مئات الالاف من اميالها باتجاه الظل، بقي لها بالنسبة لي خطوات قليلة، أما بالنسبة لها آلاف أخرى من أميال تغلي بحرارة قائظه ناقمة، كل ما علي الآن كي أكون قادرا على الاحتفاظ بالظل أن أقتل العقرب بضربة مفاجئة وصاعقة وحاسمة، لحظتئذ، يمكنني السيطرة كملك مستبد وجشع وقاتل على الظل الموسوم بروعة النسمات المداعبة لمراكز الاحساس بالدماغ.
لو كنت أملك نوعا من النفط، لاخترت طريقة الانتحار للعقرب، هي طريقة قديمة، مارسناها كثيرا، مما أدخل في ذمتنا أرواح المئات من العقارب، كنا ننتشر في الجبال والوديان، نبحث وسط ظهيرة حارقة عن العقارب، نأسرها ونضعها في قوارير زجاجية كبيرة، ونعود بها إلى الظل، حيث النشوة والمتعة والنعاس ولحظات النوم الرائعة، فنصنع دائرة من رمل دقيق، ونصب النفط فوق الرمل، ثم نأتي بقطع من الشجر الجاف ونضعها فوق الرمل على الدائرة، ننقعها أيضا بالنفط، يدخل أحدنا وبيده قارورة العقارب، فنشعل النار بسرعة من كل أطراف الدائرة، يقفز صديقنا من فوق جدار النار الدائري بعد أن يكون قد أفرغ العقارب من الزجاج، وتبدأ رحلة غامضة للعقارب، ملفعة بالخوف والتحسب والتوقع والضوضاء داخل تكوينها السري، القلق والغضب والحنق تبدأ بالظهور الواضح على حركاتها، تهرب بسرعة من هنا إلى هنا، ومن هناك إلى هناك، ومن هنا إلى هناك، تصطدم ببعضها، تنكفئ، لكنها وبقوة غريزة البقاء تنهض وتستمر في البحث عن مخرج، هو الغيظ المعبأ بالعجز، ذلك الذي يحرك العقارب بحمى قاتلة للبحث عن مخرج يقودها إلى مكان لا تموت فيه حرقا، غيظ متقد لو تمكن من قطيع ثيران لكفت نقاط منه لمحو القطيع عن الوجود، دوران صاخب متداخل متشابك غير محدد يغلي كمرجل بركان متقلب، وحين يصل الأمر إلى الانهاك، الاقتراب من لحظة الاستسلام والخور والخضوع، تنفجر كرامة وعزة العقارب، من مكمن مجهول بتكوينها رافعة ذيلها مركزة سمها، وبنظرة اخيرة للظل، للطل، للندى، للاخضرار المفعم بأوراق الزيتون، تودع الدنيا بضربة قاتلة من سمها إلى ذاتها.
الأفعى لا تملك مثل هذه الكرامة، أو حتى ظلا من ظلالها، صحيح أنها تقتحم النار بسرعة هائلة للفرار من الموت، لكنها إن رأت توسعا بالدائرة فإنها تبقى متكومة في الوسط دون حراك بانتظار انتهاء الحريق، هي حكمة، لكنها زائفة، لأن حرارة النار المشتعلة تقترب من جلدها، تسلخه، أو تقضمه كقضمات الصقيع، تتلوى قليلا هنا وهناك، تبحث عن مخرج، لكنها لا تقتحم النار إلا إذا رأت النار تقتحمها بشكل حاسم وفاصل، وحين تمر من النار واللهب يحترق جزء كبير من جسدها، يجعلها بطيئة وثقيلة الحركة، غير قادرة على الانسلال والتخفي بشكل كاف، والأهم أنها تستدعي جيوش النمل من بعيد ليقتحمها مستعمرا عزتها وكرامتها وقوتها وسطوتها.
ما زلت بين هذا كله، أتمسك بالظل ووسن النوم يغالبني محاولا إدخالي في لحظات الاستغراق بالموت المؤقت، لكن العقرب والأفعى يتخللان انهمار الوسن وغيومه المثقلة بالحلم المخبأ في لذة الموت المؤقت، تنهار الاحاسيس المقتربة والمداعبة للرموش والجفون، تنهض قوة غامضة لتكتسح الوسن من أعمق أعماق جذوره، تبرز حالة التنبه الممزوجة بالخوف والتربص والتيقظ، من أعماقي المفتوحة على المدى المتسع في العيون، يخرج الطفل الذي تلقفته أم هاشم في غرفة صغيرة في المخيم، صارخا، رافضا، متمردا، يبكي بكاء من نزع من المأمن ليوضع في أتون الشك والتوتر والغليان، داهمته الدنيا مرة واحدة، بضوضائها وحرها وقيظها وقسوتها، لمس ذلك بسرعة لا يمكن ادراكها أو الاحساس بها، وصل صوته إلى الساحة المعفرة بالتراب والأوحال، لكن الدنيا كانت قد أحكمت إرساء أنيابها وكلاباتها به فور سقوطه من الرحم، لم يكن بالإمكان العودة إلى ذلك الرحم المشبع بالاتساع والآماد والرحابة والانفتاح، لا يمكن الهروب من ضيق الدنيا وصغر مساحتها التي لا تتسع لإصبع الطفل الساقط الآن من عوالم السعة المترعة بالسعة إلى عالم الضيق المترع بالضيق.
لو كانت الأفعى يومها هناك، لو كانت العقرب أيضا، لكان الطفل قد أطلق نداء استغاثة بأحدهما أو كليهما، ليفرغا سمهما في دمائه التي لم تعتد بعد التعلق بالبقاء والحياة والوجود، لكن لم تكن هذه أو تلك، فكان على الطفل أن يقدم شهادة للوجود الذي أنزل فيه منذ لحظات، شهادة قاسية مجللة بالتناقض والتزاوج والتنافر والالتحام، الشهادة كتبت بالدماء، الدماء التي غابت عنها الافعى والعقرب، مرة واحدة اندفعت الدماء غزيرة مدرارة فوارة، فلت رباط السرة، كانت النهاية تقترب، وترك الوجود يتحقق، رغبة في العودة إلى ملاذ أكثر اتساعا ورحابة من الدنيا وما يتوالى من أكوان وعوالم في الفضاء وأعماقها وأعماق المحيطات، ابتسم الطفل ابتسامة عريضة تكاد تجمع الأكوان بين حديها، وفي لحظة، لم تكن ضمن حسابات الابتسامة والفرحة، انقطع الأمل وسيطرت الدهشة والحزن، أم هاشم، سمعت صراخ أمي حين رأت الدماء تنساب من جسدي كجدول صغير ناعم طري، بركت على الارض بلباسها الأبيض، امسكت السرة وعقدتها من جديد، توقف الجدول عن الجريان، وتوقف أمل العودة إلى العوالم التي كانت تظللها نسمات الرحم وخفقات القلب ووجيب الروح.
ما زال الزيتون يحتفظ بخضرته الضاجة، رغم وقوف الزمن كفاصل بين المكان الذي أنا فيه الآن، وبين المكان الذي فلت فوقه رباط السرة، وكأن الازمان الماضية التي تنقضي بكل ما فيها من أحاسيس ومشاعر، لا تمت بصلة إلى الأزمان التي تليها، هناك شيء ضائع بين ما كان دائما، وما هو كائن، وما سيكون، فرق لا يمكن ادراكه او ملامسة تكوينه وصيرورته، لكنه منتصب كمارد جبار وقادر على اذهال العقول والاحاسيس بما يصل لحظات بلحظات، وبما يفصل أزمان عن أزمان، فصلا يكاد أن يطيح بالعلائق والوشائج التي تربط الأشياء والمكونات ببعضها.
لماذا نختار الماضي كي نمجده دوما؟! لست أنا من يدعي ذلك فقط؟! اقرأ تراث العالم أو ما تيسر منه، قراءة متأمل واع مدقق، وابحث عن الألم المخبأ بجوف الامنيات والتطلعات، ماذا ستجد؟! الحنين والاشتياق والنزوع إلى الماضي؟! أليس هذا عجبا؟! ربما هو عجب العجاب؟! وربما هو الهروب من الحاضر إلى جوف الماضي؟! وربما هو الخوف من المستقبل المتدرع بصدفة سلحافتية تحجب عنا رؤية ما نتمنى ونخاف ونتحسب ونتوقع؟! لكن الأكيد الذي يكاد يصل إلى درجة المطلق الدنيوي، أننا نرتد إلى الماضي لكونه مضى وانتهى؟! أصبح معلوما وواضحا ومكشوفا؟! لا يحمل أي رهبة أو توقع مجلل بالتحسب والتوقع المكلل بالمجهول الذي يربك أعماقنا وذواتنا؟! والأهم، لأنه أصبح مستحيلا أن يعاد او يستعطف من أجل السكن بأعماقه والتلفع بإهابه؟!
آيات العذاب تترى، تتدفق، تنسل بأعماقنا الملوعة اللائبة المصهورة المتمخضة كأفعى غريبة التكوين والملمس والسم والأنياب، تفتك بكل مقوماتنا الشعورية فتكا يكاد يمحق الوجود وينهي الأكوان، لكن أعماقنا تتأبى على الاندثار والتحلل، فترسل جيوشا وأرتالا من مشاعر متدفقة كشلالات نهمة وجائعة لتكوين مشاعر وأحاسيس جديدة، تتناسل الافعى وتضع ملايين الملايين من الفراخ التي تكبر وهي تقتات على ما أنتجت أعماقنا من مولودات حديثة، ونحن كوجود مثقل بالضعف والاستسلام والضياع وقلة الحيلة، نرقب بعيون منكسرة وبصيرة مثبطة معركة الألم والعذاب المحتدمة بين الانفعالات والمشاعر والأحاسيس وبين الأفاعي الناهضة بعزم الفناء لتفتيت أحلامنا وجسور آمالنا وطموحاتنا التي أسكناها يوما من الأيام الماضية قلوب النجوم والشموس والأقمار؟!
والعمر قصير، والوقت كالسيف المهند الدمشقي المشحوذ، يَقْطَعنا ويُقَطُعنا، ينحر ايامنا من وريدها الى وريدها، نرسم الخطى من ذهول متوالي، تقتحمه دهشة مكتظة، تتناوش طبائعنا وجهودنا في الركض نحو الماضي الذي نلجأ اليه هروبا من واقع متقيح منتفخ، ومن مستقبل يفور صديده ويمور كبحار مسجرة، هو الانكسار الحتمي امام ما نضيع فيه اوقاتنا بين الهروب الى الهروب، والايام تمضي، الواقع يتحول الى ماضي نحن اليه، والمستقبل يتضاءل ويصبح عمره محدودا.
نتقاسم الحياة مع الموت، فنحن حتى في لحظات الموت الدنيوي، نستنهض الرؤى والاحلام في اشتباك عظيم مع الحياة، كانت الرؤيا واضحة لامعة ناصعة، قاطعة وحاسمة، قوتها في ممارسة الفعل لا تصدق، وطاقتها في تحقيق ما تعجز الحياة عن تحقيقه عارمة.
رأيت نفسي اخرج من ذاتي ذات يوم، كالأفعى المتحسفه، المبدلة جلدها بجلد جديد، فهي رغم الألم والعذاب الذي يرافق تحسفها، تبقى تبحث عن النتوءات والالتواءات من أجل إتمام العملية والفوز بطاقة وجود تتناسب مع معطيات حجمها الجديد، يومها كنت في أحد الوديان المهجورة الموصوفة بالرعب والخوف وبعث الأشباح والشياطين والمردة، موزعا بين الواقع والمستقبل، ممزق ومحطم، وفي أعلى قمة للجبل الذي يطوق الوادي شاهدت قبسا من نار هادئة، تتلوى بفعل الريح الخفيفة الموزعة بتناغم سحري بين الهدوء والضجيج، بين السكون والحركة، بين السكينة والرعب والخوف، لم تكن الدهشة تقترب من تكويني، وكأني أملك علاقة بين المكان الذي وجدت نفسي فيه، وبين الأزمان الثلاثة، كنت كمن وقع بكمين مخدر يتسلل إلى الجسد ويأخذ دوره في سرنمته، وفيما أنا الحظ القبس المتمايل، دخلت حالة الانسلاخ عن الذات الحاضرة، رأيت نفسي وهي تخرج من اعماقي وتسير نحو حاجز شديد الشفافية، أدركت بطريقة غريبة أنه فاصل زمني رقيق يفصل الماضي عن الحاضر والمستقبل فصلا تاما، سرت قشعريرة الفرحة وتمددت كموج رائق بكل كياني، انزلقت نفسي بطريقة يافعة الى الماضي.
انزلقت ذواتي وكياناتي كلها معها مرة واحدة، كصخرة عملاقة سقطت من فوق رأس مدبب متعال وشاهق، انتظمت انفاسي وأرواحي وذواتي كلها، فرأيتني ذاك الطفل الجذل الممرغ بالغبطة والمتلفع بالبهجة والضاج بالسرور، بدأت التنقل بالماضي الذي كنت سابقا اتمنى العودة اليه، قابلت طفولتي وشبابي وفتوتي، التقيت آثامي واوزاري وحسناتي وشهقاتي، اندمجت مع كل ممارسة يخجل الخجل منها واخجل حتى من تذكرها او مرورها على خاطري، وتفاهمت مع كل لحظة فخر واعتزاز أردت أن أراها كتكوين ملازم، ووقفت أمام ما كان علي أن أختار، ذات الوقفة التي وقفتها سابقا، وسكنت إلى الأغصان والأزهار والورود والتويجات التي سكنت اليها يوم كانت أحلامي بحجم قبضة يدي، وانتقلت بين المدارس وزملاء الصفوف والمدرسين، حتى لحظات الزفاف والجنائز التي شاركت فيها كلها جاءت تناديني وتغريني بالتعمق بها من جديد، رأيت كل الماضي بما فيه، أغرب ما رأيت، أنني شاهدت نفسي وأنا اسقط من الرحم إلى الارض، القابلة أم هاشم، القماط الناصع البياض، وانتقلت بين أروقة الأيام ودياجير اللحظات رواقا خلف رواق وديجورا وراء ديجور، حتى أنني شاهدت نفسي وأنا أغط بنوم الأيام التي انقضت من عمري كلها، ومرت أمامي كل احلام النوم وأحلام اليقظة السابقة، لم يبق شيء من الماضي باقل جزئية من جزئياته، أو ذرة من ذراته إلا وكان معي بأعماقي وذواتي وأرواحي كما كان سابقا.
لم أشعر بالاستهجان! أو الخضة أو الدهشة! لم أشعر بفرح أو جذل أو حبور! كل ما شعرت به انني وسط شيء لا يمكن الفرح فيه أو تمني الاقامة بظلاله، بل لم أرى من بين تلك الرؤى كلها سوى الجمود في مرحلة غضة طرية لم تسعفها الأيام بقليل من الحكمة أو التقدير، وكما كان الزمن سيفا دمشقيا ينحر الأوردة في الزمن الحاضر الذي انزلقت منه إلى الماضي الذي أتمنى، كان الوقت هنا مجموعة من السيوف والرماح التي تقطع الأوداج وتثقب الأرواح، وما هي إلا لحظات حتى كنت قد ارتفعت من سريري كسهم خارق وأنا اصيح برعب غير مسبوق.
تدافع أولادي من النوم نحو البراد، وحين اسقطت المياه بحلقي، شعرت بانطفاء البحار المسجرة بأعماقي، نظرت حولي بعيون تسيل رعبا حامضا ممضا، وجدت الأشياء على حالها، تهالكت على السرير كضحية خرجت بعد عناء من أنياب التمساح.
لأيام طويلة ظللت أسبر اللحظات التي انتقلت فيها إلى الماضي، حتى شعرت بالتجمد المطلق أمام انتفاء الحاضر والمستقبل، لحظات عصيبة مغرقة بالعرق الملتهب، وأيام شديدة ملتهبة متقدة تتخللها سحابات من دخان معتم اسود وعملاق، ودماغ لا يقوى على شيء غير الكساح والهزيمة، كل هذا نابع من قوة الانزياح عن واقع الوجود المتصل عبر الازمان المتلاحقة التي تمد بعضها بالتسلسل والتوالد والطاقة والتجدد من أجل اكتمال بناء اللحظات الراهنة المولودة من لحظات الماضي لتشكيل لحظات المستقبل.
الماضي كان جميلا رائعا رقراقا قبل الانزلاق فيه، قبل العيش فيه مرة ثانية بعد أن عشته بطبيعته وعفويته وتكونه، أما الانتقال من الحاضر إلى الماضي، فانه يكشف لك عن أنياب لم تكن بسبب العيش المتراكم في نواة اللحظات السابقة قادر على اكتشافها، صحيح أن الأنياب انغرست كلها بأعماقي بكل ثقلها بالماضي، لكنها لم تكن بذات القسوة والضغط وعدم الرحمة التي انغرست بها يوم انتقالي من حاضر أرفضه ومستقبل أخشاه.
هي كذبة كبرى تتساوى مع الأساطير والخرافات والاشباح، مقولة أن الماضي الذي ذهب سيكون أكثر روعة وجمالا لو عاد لنعيش فيه، كذبة تكاد ترتقي إلى ما فوق الأساطير والخرافات، لتشق عن ذاتها وجودا هلاميا لا يمكن امساكه أو الوثوق والتوثق منه، حتى لو مضغناه بين أسناننا، سيبقى الهلام الذي لا يملك من الطعم سوى الإحساس بهلاميته المقززة المنفرة.
التجمد والانغلاق على زمن واحد أمنية تراود الكبير والصغير، العالم والجاهل، المؤمن والفاسق، لكنها تشترك كلها بضعفنا كبشر، وكانسان عاجز عن الوثوق بما يمكن ان يصنع أو ما يمكن أن يصنع المستقبل به.
وهذا هو الأساس لما يدفعنا إلى تصور الماضي على أنه أجمل ما مر بنا، وهو ما يدفعنا إلى إنكار الحاضر والمستقبل لنلوذ بحمى الأيام المنقضية التي نعرف ونثق تمام الثقة بأنها لن تعود، ولو أدركنا للحظة واحدة أنه يمكن لتلك الأيام العودة، لبدأنا بتجميل الحاضر، أو الأصح بترتيل أناشيد عن كل يوم يخفيه المستقبل، وكلما مر يوم وتحول المستقبل الى حاضر، أمعنا أكثر في ترتيل الأناشيد لليوم الذي ينتظر أن يتحول إلى مستقبل.
لحظات طويلة تلك التي مرت وأنا بين الماضي والحاضر، حتى انني تساءلت بيني وبين نفسي: كيف تحولت اللحظات التي كنت مستغرقا بالتفكير بها بالأزمان إلى حاضر وماضي بهذه السرعة، كيف تحرك الزمن والأشياء والأمكنة والأكوان كلها من حولي وأنا ثابت في مكاني تحت الظل أرقب المخلوقات الثلاثة؟ أحسست بضآلتي إلى حد التلاشي، فهناك وهناك، وهنا وفي الاتجاه هذا والاتجاه ذاك، وبين النجوم والكواكب والاقمار والشموس، وبين زلزال يحدث هنا وبركان يحدث هناك، تتغير معالم الوجود، منها ما ينطمس ويندثر ويختفي، ومنها ما يظهر لأول مرة فوق الارض وتحت ضياء الشمس، حتى الموت والتلاشي والدخول في العدم، يحدث بين أطياف الاكوان فتتبدل الجغرافيا وتختلف الظلمات والأنوار، كل هذا حدث قبل الانتهاء من هذه الفقرة وسيستمر في الحدوث في اللحظات التي تليها، وأنا، الإنسان، ما زلت تحت الظل أرقب مخلوقات لم تكن قبل أيام وأعوام إلا في جيب الغيب، فأصبحت وجودا بيد الحاضر والمستقبل، وستكون عدما يوما ما، إلى أن يشاء الله جل في علاه فيبعث من يشاء وقت شاء.
الأفعى ما زالت ترقبني بعينين ضاريتين متجمرتين، لكنها بحاسة الشم المساندة للرؤيا أدركت حجمي، فاستشاطت غضبا فوق غضب لأنها لم تجد في الفريسة التي يممكن ابتلاعها، أما السلحفاة فإنها وبحاسة ملتهبة أدركت أنها يجب ان تشق طريقها نحو الظل بسرعة تكاد تسابق سرعة الضوء، لكنها ولأنها مذ ولدت تسير على نهج البطء فإنها تظن بانها حين تدفع نفسها للأمام بانها قد قطعت مسافات لا يمكن لمخلوق آخر أن يقطعها بنفس سرعتها، أما العقرب، فقد اشتدت دمامته واحتشد قبحه، وكانت الشمس المنصبة من الأفق كشلال بركان منصهر تلوح الجميع وتستفز قدراتهم وتطلعاتهم دون أن يكون لها أي هم من هموم المستقبل.
أسهل خطوة ضربة خاطفة بحجر الصوان على العقرب، فأكون قد انتهيت من أول خطر محدق، الخطوة الثانية حمل صخرة من الصوان وانزالها على جسد الأفعى لتطحن جسدها وتصبح غير قادرة على الحركة بشكل سريع، ومن ثم التلذذ بطحن راسها الحاوي لأنياب الموت الزعاف، وربما أتركها أسيرة جراحها كي يتقدم النمل باندفاع الجيوش المقاتلة المغيرة، لينتشر فوقها ويفتتها إلى قطع لا ترى بعين مجردة، ليكون عجز التلوي والتلولب والالتواء أظهر صفاتها وأوضح صور قهرها واندفاعها نحو غيظ لا يمكن التخلص منه، إلا بإنهاء النمل الصغير لمهمته في الشره والشبع والتخمة، وبعد الانتهاء حمل السلحفاة إلى الظل، فأكون قد وفرت عليها جهد سنوات ضوئية.
كل هذا يدور بخاطري، دوران الثقة والحزم والامعان في التقيد بالخطوة القادمة التي لا مفر منها، بل هو الواجب الذي علي التحرك من أجل تنفيذه بالحاسة التي لا تبحث عن سبب أو تأويل، لأنها حاسة الفصل بين الموت والحياة، فأنا ألوذ هنا بالظل هربا من فحيح شمس تكاد تقتلع الاحساس بالحياة ولذتها، أخضع لوسن يداعب أعضائي إلى حد الكسل والخمول، وأكثر من مرة سقطت الجفون فوق العينين فأغلقتهما وكادت ترسلني إلى قبو النوم، لأكون فريسة سهلة لزعاف من هنا وزعاف من هناك، لحظتئذ كنت أنتفض وأفرك وجهي بقوة، وأرسل طاقة بصري كلها تجاه الموت المحيق من هنا وهناك، عندها كنت أشعر بصدام متفجر بين رغبتي للنهوض وتنفيذ القتل لمصدر الموت، ووسني الذي يغريني يرقرقات الظل بأعماقي واعضائي، حتى ظننت لوهلة بأن الخيار لم يعد ضمن جسدي وعقلي.
حدقت بالعقرب من جديد، كانت قد وصلت إلى النقطة الحاسمة التي تفصل الظل عن لهيب الشمس، لكنها وقفت تتحسس أنفاسي وخطوات انفعالاتي، وكأنها تود قبل حسم أمرها اليقين من مكان اللسعة التي ستغرزها بجسدي، وربما لم تكن تفكر بذلك ابدا، بل جل ما تفكر به اقتحام الظل والنوم إلى جانبي لتدخل حالة الوسن والنوم، لكن، من أين يمكنني الثقة بكائن لا ثقة فيه، الأفعى تحركت، حركتها تنبؤ بوضوح عدم احتمالها للحرارة المنصبة على جسدها، وانها من أجل الحصول على الظل، يمكنها خوض معركة المصير حتى لو كان النمل وجيوشه المندفعة نهايتها.
طرفة عين فقط، فصلت بيني وبين الموت، لو لم أشعر بنمنمة في رجلي، لكانت العقرب قد افرغت كل زعافها بدمي، استغلت لحظة انشغالي بالأفعى، فاندفعت إلى عمق الظل حيث قدمي الخارجة من الحذاء، انتفضت وانتفضتُ، فكانت نهايتها أسرع مما تَصورتُ وتَصَورتْ، الانتفاضة جمعت بين الرؤيا والحاسة الخفية الدفينة التي تنبثق من مكان مجهول في النفس لتشارك بإنهاض الوعي ودفع البدهية لتمارس دورها في ردة الفعل الصادة للخطر الذي يوشك أن يحدق بالإنسان.
رجفة ولهاث وحالة من الوعي الممعن في السهوم استقرت بأعماقي وأنا أغوص بدوامات ردة فعل توزع المشاعر وتخبطها وتنثرها كهالات من فراغ حول ذاتي المستفزة. نظرت للأفعى بقوة زرقاء اليمامة، أيقنت بأن المعركة في مراحلها النهائية حين وجدت مكانها فارغا علي أن أجدها قبل أن تجدني، ربما تكون هربت بعيدا، ولكن من الممكن أيضا أنها انزلقت بالتواءاتها إلى مكان قريب من الظل، تتربص اللحظة الحاسمة لتنقض بوحشية سريعة وخاطفة كالبرق أو اسرع، لتكون نهاية وجودي ونهاية الاحساس بالظل، ونهاية علاقتي بالزيتون الذي أودعت في حلقات عمره سنين طويلة من عمري. وفوق كل هذا، ستكون السلحفاة المسكينة المهيضة القوة والكفاح والقتال عرضة لنهم قد لا يبتلعها، لكنه يمكن أن يحقنها بزعاف الموت والنهاية.
درت في الظل، بعينين ثاقبتين كعيني عقاب وصقر ونسر، أصغيت بقوة التقاط الأفعى ذاتها لخطوات وحركات الفريسة، كنت مشنفا إلى أقصى درجات الحساسية والاستشعار، وبأعماقي لوم غريب على تفويت فرصة تفتيتها قبل اختفائها، حالة الحذر والتيقظ والخوف شاركت جميعها بتأنيب تسويفي للحظة الحسم التي كانت اقرب إلي من حدقة العين، لم أستطع لملمة ذاتي وزجها في إطار واحد يوحد القدرة على البحث من أجل الانتهاء من التمزق والتوزع الذي أعيشه، بت على يقين بأنها تقف على مسافة خطأ ارتكبه، وهي على مسافة خطأ سترتكبه، لكن الإنسان قياسا بالأفاعي لا يملك شيئا من صبر أو تأني، فهي ترقد بقوة صمت وصبر في انتظار غير المتوقع من أجل الحصول على لحظة انقضاض لم تكن ضمن مساحات احساسها أو رؤيتها أو شمها، أما أنا فما زالت الرجفة والخوف واللوم والشمس والظل والسلحفاة اضافة إلى التحسب وانتظار اللحظة التي تتفوق بها علي، ما زال كل هذا يذهب تيقظي ويكتسح صبري، لذا قررت وبلحظة حاسمة أن أمنحها حركة تدفعها للهجوم فأتبين مكمنها الذي تتربصني منه.
حركتي كانت محدودة بطريقة التحسب والتوقع والحذر والانتباه، دائرية بسرعة تكاد تشبه حالة الدخول بالإغماء، تناهى إلى سمعي هسيس خفيف، نقلت قدمي بتؤدة ولكن بثقل ضغط شديد على الأرض، فارتفع صوت تحطم الأغصان الجافة، وما أن ثبت قدمي، حتى رأيتها ترتفع بجسدها عن الأرض لنصبح في حالة الوجه للوجه، تسمرت مكاني، وهي كذلك، فكما أدركت خطورة الحركة القادمة بما تحمل من موت وفناء ونهاية واندثار، أدركت هي ذلك، أصبحت المعركة معركة بقاء، أكون أو لا أكون، فإما أن ينهش الدود جثتي بعد ساعات، أو ينهش النمل والدود جثتها بعد ساعات، لكنها بحنكة التجربة والقتل أسرع مني، فهي تملك من الخبرة ما يفوق خبرتي في مواجهتها، لم يكن بيدي أي اداة لمواجهتها، وهي تملك أنيابها وسرعتها وزعافها وتلويها، وأي محاولة للانحناء من أجل الحصول على حجر أو غصن ستكون سرعتها حاسمة في الانقضاض والانتهاء من هذا التوتر الذي تغلي الشمس مكوناته بحرارة تتميز غيظا وقهرا، كيف استطعت تفادي انقضاضها السريعة؟ لا أعلم.
لحظة التفادي أوصلتني لالتقاط جذع زيتون، وقبل أن تفيق من حالة فشلها كنت قد انهلت عليها بضربات حقد ممزوج برعب، تلوت مكانها، لم تكن سريعة كما كانت فأحسست بطاقة فياضة للمواجهة الحاسمة، تحركت بسرعة نحوي، كان الجذع يطيح بها مرة خلف مرة، سكنت عزيمتها، لكن لولبيتها والتواءها زاد إلى حد أنه تبدى عجز ممض ينهش من ذاتها الصاخبة بالرعب والهلع، ظللنا نراوح بين فر وكر إلى أن سحق الجذع عظامها في أكثر من موقع، عندها توجهت نحو صخرة كبيرة، رفعتها من مكانها وجررت الافعى نحو صخرة بها قليل من الاستواء، رفعت الصخرة وأنزلتها على رأسها مرة واحدة، وحين وصل إلى مسامعي صوت تحطم العظم، شعرت براحة مهتزة غير ثابتة، عدت نحو الظل وأنا أمسح جداول العرق المنبثقة من مساماتي، وجلست مستجديا نسمة طرية تنفض جلدي وتساعد في تجفيف العرق.
نسمات رقيقة طرية ناعمة داهمت جسدي، اصطدمت بالحرارة، تفاعل التضاد، انتفض جلدي انتفاضة طالما أحببتها وعشقتها، تذكرت السلحفاة المسكينة، وما أن هممت بالنهوض لإحضارها إلى منطقة الظل، حتى كان النسر قد احكم مخالبه عليها ليرتفع بسرعة لا تصدق في الفضاء حيث لا يمكن لي أن أعرف أو أعلم.
مأمون احمد مصطفى
28- 11-2012