أنس الرشيد - وانشقّ القمر...

اعتادَ ساجي أن ينام عاريًا، لأنَّه سَمِع أنَّ النَّاسَ تُبعث عراةً، وحين يَصحو من النَّومِ يَفتح عينَه اليُمنى أولًا ليَنْظُرَ أيُراقبه أحدٌ أم لا؟ ثم يَفتح عينَه الأُخرى؛ ليتأكَّد من أنَّ القيامةَ لم تقم.
صحا ذاتَ يومٍ وفتح عينه اليُمنى ووجدَ شخصًا بجوار السرير يُفتّش في الجوالِ، ففتحَ عينَه اليُسْرَى مباشرةً فاختفى الرجل. ما الذي جرى، لا يدري، لكنَّه أمسكَ بجواله ووجدَ رسالةً مقتضبة:
"ناهد في ذمةِ الله. الصلاةُ عليها عصرَ هذا اليوم، والعزاء في منزلِ العائلة".
لا يُوجَد رقْم للرسالة. فقط كُتِبَ (رقم خاص). لم يُفكر في كل هذا، بل انْبهتَ من الخَبر:
"كيف لناهدٍ أن تكون من الموتى؟ هذا غير صحيح".​
قام من سريره، واتَّجه ليُمارس طقوسَه المبكّرة:
يُشعل عينَ الفُرن ويضع عليها ماءً في الركوةِ الخَزفيّة، ثم يُجَهِّز الحَمَّامَ للاستحمام؛ وكان لا يستحمّ إلا والباب مفتوح والموسيقى مشتعلة، أحيانا يصدح صوتَ بريتني سبيرز بحبيبي مرة أخرى، لكنَّه أحيان كثيرة يستبدلها ببشير حمد شنَّان.
بدأ مَطر الدشّ يهطلُ وصوتُ بشير من بعيد: "اكْشَفَت ليَّ الجبين المستدير/ونهودها البارزة قلّبتها". خَرجَ من الحَمَّام، ولقَّم الركوةَ قهوته المستطابة، ثم قلَّبها كما قلَّب بشير نهودَ حبيبته.
خرج بقهوته إلى البلكونةِ، كان يتلّذذ بخروجه إليها عاريًا، ربما لإغاظةِ جاره نبيل الذي يكره التَّعري...؛ حفظَ نبيلُ معالمَ جسدِ ساجي وكأنَّه شيخُ دينٍ سلفيٍّ حفظَ أسماءَ الخمور كلها.
بعد أن شَربَ قهوتَه، تذكَّر رسالةَ موتِ ناهد، فالموتُ كعادتِه يتسلَّل من شُقوقِ الذاكرةِ فيُفسِد اللذةَ. أمسكَ الجوالَ وقرأ الرسالةَ بصوتٍ مرتفعٍ ليُسمِع نبيل، فقفز نبيل من بلكونته إلى بلكونةِ ساجي، وأخذ الجوالَ وحاول أن يبحث عن أيِّ إضافةٍ، فابتسم ساجي: "لم يُضيفوا شيئًا حتى نقطةَ آخرِ الرسالة غير موجودة!، وكأنَّ من صاغها هي ناهد نفسُها، فهي تُحِبُّ المبالغةَ في الاقتضاب، ربما هي من أرسلها فهي تعرف كيف تُشعِل وَهْمَ الاشتياقِ بحروفٍ قليلة...!" فقال نبيلُ بسرعة: "لا، الخبر حقيقي".
لا يدري ساجي كيفَ تأكَّد نبيل
، لكنَّه تذكّر شيئًا كأنَّه خرجَ من أعماقِ الحلم وهو أنَّ هيئةَ الشَّخصِ الذي رآه بجوار سريره حين استيقظ تُشبِه تَقاسِيمَ نبيل.
دخل ساجي إلى الغُرفةِ، ولم يُغلِق بابَ البلكونة، وجسده ما زال رطبًا من أثرِ الحَمّام وأجواءِ نَيْسان، وبقي نبيلُ في البلكونة، عمَّ صمتٌ بينهما لثَوانٍ، ثم قال ساجي: "تذكّرتُ أنَّ ناهدًا قد قالت لي: لا تكن كريمًا معي، احتفظْ بشيءٍ من جسدك لنفسِك...؛ كي أشتاق! "..!
لا يَدري ساجي لِمَ قالَ ما قال، لكنَّه أرادَ أن يستفزّ نبيلًا بأيّ شيءٍ، لعلَّه يُفْصِح أكثر عن حركاته المريبة...! لم ينبس نبيلُ ببنْتِ شَفَة، فرفَع ساجي صوتَ غونول يازار وهي تُغني "تاليهين إليندي أويونجاك أولدوم"؛ كأنَّه يُريد أن يُوصلَ رسالةً إلى نبيل، فكلاهما يعرف الأغنيةَ جيدًا، بل يحفظان معناها بالعربية والتركيّة، لهذا كان ساجي يتنهّد باسم ناهد بين صوتِ وترٍ وصوتِ آخر، متذكّرًا حين كانت تضع رأسَها على صدره بعد أن ينتهي الجنس وتقول: "كان جسدي قبلك استعارةً مُنْهَكَةً من أقلامِ الكُتَّاب". لم يُعلِّق نبيلُ إلا بالقَفْزِ كقردٍ إلى بلكونته، وأمَّا ساجي فلبسَ الجينزَ الأزرق ممزقَ الركبتيْن، والفانيلة الورديّة الخفيفة، وخرج ليتقصَّى خبرَ ناهد. كان الوقتُ قُبيلَ العصر بساعة، وصلَ إلى بيتِها، لا يدري ما يفعل...! هو لم ينوِ المجيء أصلًا، كلُّ ما يعرفه الآن أنَّه يُريد أن يصل إلى صندوقِ ناهدٍ الأسود قبل الجميع:
دفتره الأزرق الذي كتبَ فيه الحكاية، وألبومِ صورٍ تعكس كلُّ صورةٍ فيه ملامحَ صفحةٍ في الدفتر.
في الأثناء مَرَّ شيخٌ يتوكأ على عصا ويَمشي الهُوينى "كما يمشي الوجي الوحل"، متوجّه شَطْرَ المسجدِ، فاستوقفه ساجي، ليسأله الخبر؛ فتوقف الشيخ وتأملَه من رأسه إلى أخمصِ قدميه، ثم هزَّ رأسَه: "نعم، فجر هذا اليوم ماتت ابنةُ الجيران"، فسأله ساجي: أَيُوجَد أحدٌ من أهلِ البيتِ أعزّيه؟ فنظَر الشَّيخ إلى شكلِ سَاجي باستنكارٍ واستحقار، وكأنَّه نَدِمَ أن وقفَ يُكلّمه، حدَّق في قميصِه الورديّ وكأنَّه استَعَارهُ من أخته اللعوب، ثم نظر إلى ركبته البارزة من شقوق الجينز وقال: "عزاؤك عند الله". ومضى كلُّ في طريقْ.
طرقَ ساجي البابَ فلم يُجِبْ أحد، فظنَّ ألَّا أحد، فذهبَ إلى البَابِ الجانبي الذي يراها تَخرج منه دائمًا حين يأتي لأخذها أو يزورها في غرفتِها حين لا يكون أحدٌ في البيت...، قَفَزَ من أعلاه، دخلَ المنزل، استنشقَ رائحةَ بخورِ المَوتى، وندى الأكفان، مع إطلالةِ ضوءٍ كئيبٍ من أسفلِ السَّتائر البرتقاليّة، وهواءٍ ثقيلٍ كأنَّه البُكاء وقد تَجسَّد في صورةِ طفلٍ ميِّت والنَّوافذ مغلقة.
سَمِع صوتَ حركةٍ في المنزل، فاختبأ خلفَ سارية، وظلَّ يُراقِب...؛ رأى امرأةً تُشبِه ناهد لكنَّها أسنُّ منها قليلًا، فتذكَّر ساجي أنَّ ناهدًا قالت له: "أصغر عمّاتي تُشبهني، لكنَّها أكبر مني بثلاثِ خيبات". اتَّجهَت إلى غرفةِ ناهد، فتبعها ساجي متخفّيًا، رآها تفتح خزانةَ الملابس، تتأمل الثيابَ قطعةً... قِطعةْ...، تسحب واحدةً، تُمسِّدها، تتعرّى فتلبسها، ثم تقف أمامَ المِرآةِ تُشاهد شيئًا يَعصِر مخيلتَها...، فتخلع وتلبس الثانية، واحدة وراء أخرى، وساجي هناك، لا يتحرّك مشدوهًا بأسئلته: "هل هي تُفتّش عن شيء؟ هل هي تُودّع ناهد بطريقة غرائبية؟ أم تستحضر روح ناهد، فمكوثها في البيت وتركها الصلاة مع الناس، علامة على مسٍ من جنون". توقَّفَ ساجي عن أسئلتِه النَّفسيّة لمَّا رأى العَمّةَ وصلت إلى آخرِ قطعةٍ في الخزانة: (لباس قصير جدًا: الظَّهر مكشوفٌ نصفه الأعلى، لا يَشده إلا رباطٌ معلقٌ على الكتفين، وينتهي أسفلُه في أعلى الفَخذ، قماشُه ناعمٌ خفيفٌ يتحرّك مع الجَسدِ ويشفّ عن الخصر والمؤخرة) إنَّه لباسُ ساجي الذي أهداه لناهد، لبسته العَمَّة واتَّجَهت إلى المِرآةِ التي ابتلعتها كما تبتلع الذكرى جسدَ الميت، كأنَّها شهوةُ ناهد وقد تحررت من خجلها، فابتسمت العمةُ وكأنَّها وجدت مُنْيَتها...؛ اتَّجهت إلى خزانةِ الأوراق، فتحتْها وسحبت الدفترَ الأزرق، ثم سحبت ألبومَ الصُّور. لم تفتّش فيهما، لم تبحث، كأنَّها تعرف كُلَّ شَيء. وساجي وقفتْ أنفاسُه عند تقاسيم كلَّ الأزياء التي لبستها العمةُ وخلعتها، وكأنَّ الدفتر الأزرق تَعَرَّى في بلكونتِه الخاصَّة.
استدارت العمةُ لتخرج فمرَّت عيناها ناحيةَ الظلِّ الذي يقف عنده ساجي، فابتسمت ابتسامةً تُشبه ملاكًا كان يحرس الجحيمَ فرُقِّي إلى الجَنَّة.
خرجت العَمّةُ من بابِ البَيتِ بهدوءٍ واتَّجهت إلى المِرآب، لحقها ساجي ماشيًا على جَمرِ الغضا وكأنَّ فيه اعتلالُ الأعصاب، لا يُحسّ بألمها، بل تَحوّلت النَّارُ إلى لذةٍ غريبة، اتَّجه إلى سيارتِه المركونة بمحاذاةِ السُّور، وكلُّ خطوة تسحبه إلى الأمام، وتُغرقه في سيلِ الأسئلة: "أيتبعه ظلُّ ضمير يجرّه للحقيقة؟ أم شهوة تدفعه ليغرس أنيابه في الذكرى؟ أيريد أن يستردّ ما فاته من ناهد، أم يُعاقبها على ما لم تعترف به قط؟". أدار محركَ السيارة وهو يُراقب العمةَ تفتح بابَ المِرآب، كانت خطواتُها رشيقةً لا تُشبه من فَقَدَ غاليًا، ترتدي عباءةً سماويةً تنسدل على كتفيها، وشالًا أبيضَ، ولا شيءَ تحتهما إلا لباسَ ناهدٍ الفاتن وكأنَّها تقول:
"إن شاءت الريح أن تلعب بعباءتي فلا راد لقضائها، وإن شاءت العيونُ أن تنظر فإنَّ ذلك قدر الريح".
انطلقت سيارةُ العَمَّة، وما إن انطلقَ ساجي خلفَها رأى الشيخَ الطاعنَ في السِّن عائدًا من المسجد، كان محاذيًا للرصيفِ ويحمل في عينيه سِرًا، توقَّفَ ليُحِدَّ النَّظرَ باتَّجاه ساجي، فارتبك ساجي وضغطَ على دواسة البنزين، وكأنَّ الصوتَ العالي لسيارته سيُغطي على ما قالته نظرات الشيخ.
في الطريقِ كانت العمةُ تسير بثباتٍ عجيب، لم تنظر في مِرآةِ السيارةِ كثيرًا، كأنَّها تعرف أنَّ هناك من يتبعها، كلما انعطفت انعطفْ، وكلما تباطأت تباطأ، إلى أن دخلت منطقةً نائية وتوقفتْ عند عمارةٍ قديمة. راقبها ساجي...! وشيطانُ الفِكر يَعبث برأسه: "أتطاردها من أجل الدفتر، أم من أجلِ أن تكتبَ فصلًا أخيرًا في الدفتر؟" قَطَعَ هذه الأفكار، ونَزَلَ من السيارةِ، فوجد بابَ العمارةِ مواربًا، كأنَّ العمةَ قد تركته متعمدةً، وكأنَّ كلَّ التأويلات التي نسجها في رأسِه منذ الصباح جالسةٌ على أريكة في إحدى غرف العمارة، وكأنَّ كلَّ الأسئلة التي أرهقته، وكلَّ الأفعالِ التي لم تُفسِّرها ناهد تنتظره في الأعلى، فهل يدخلُ أم يعود أدراجَه؟
وقفَ أمامَ بابِ العمارةِ يتأمَّل مصابيحَ زيتيّةٍ لم تعمل منذ زمن، تنام في إحداها قِطةٌ وُلِدَت فجر اليوم. احتاجَ ساجي لإضاءةٍ تكشف له المكان، فالنَّهار لم يُلمْلِم كلَّ أشيائه، والليلُ كرأسِ طفلٍ أطلَّ من فَرجِ أمِّه. اشتعلَ ضَوءُ إحدى غُرفِ العِمارة، فعادَ إلى سيَّارته لعلَّ حدثًا يَصير فيكشِفُ ما الذي يجري؟ لمَّا ركبَ في السَّيارة وقعت عينُه على المِرآةِ فنظرَ رجلًا يقف خلفَ السَّيارة، فالتفتَ ولم يجد أحدًا وتراءى له أنَّ وجهَه وجهُ الشّيخِ الذي رآه عند بيتِ ناهد. دفع هذه الظنون وأخذَ يتذكَّر معالمَ الشَّيخ؛ يُعيد ترتيبَها من جديد: (التجاعيد، النَّظرة، الصوت المبحوح...) لكنَّه وهو يستعيدها انتبهَ إلى شَيءٍ مُرعبٍ، وهو أنَّ الملامحَ هذه تقترب من ملامحِ جاره نبيل، أيُمكِن أن يكونَ قريبه؟ وأنَّ حارةَ ناهد هي حارة أهلِ نبيل؟! أم أنَّ نبيلًا متنكرٌ في هيئةِ شَيخٍ، فهو يُجيد ألاعيبَ التنكّر المسرحي؟
في أثناء تفكيره أضاءت غرفةٌ أخرى من العمارة بضوءٍ أصفر، وانزاحت السِّتارة بهدوء، وانفتحت النَّافذةُ وأطلَّت امرأةٌ بشعرٍ مربوطٍ للأعلى، ووجهٍ منتفخٍ كأنَّه بالونٌ امتلأ رمادًا من هواء. وفي لحظةٍ أٌغْلِقَ الضَوءُ، وبقيت المَرأةُ واقفةً، ثم بثوانٍ معدودة، خرجت العمةُ واتَّجهت إلى فناءِ العمارة، ثم رفعت رأسَها وكأنَّها تتحدَّث مع هذه المرأة الغريبة. اقترب ساجي لينظر ما الذي يجري، فوجدَ العَمَّةَ ترفع طوباتٍ مُتراصّةٍ في الفَناء، وتُخرِج دفترًا أزرقَ يُشبه دفترَ سَاجي الذي أخذته العمة، بل إنَّه رأى في زاويةِ غلافِه لونًا رماديًا، كما كانَ دفتره. ماهذا الشبه الغريب؟ ومَن هذه المرأة التي أطلَّت من النافذة؟
تراجَع ساجي إلى سيَّارته، وخرجت العَمةُ من الفَناءِ باتَّجاه سيارتِها...، ركبَت وفتحتْ نافذةَ الراكبِ الأماميّ وأشعلَت إضاءةَ السَّقف؛ وكأنَّها تُريد أن يكونَ ما ستفعله مكشوفًا، وضعتْ الدفترين الأزرقيْن وألبومَ الصُّورِ على (الطبلون)، ثم بعدَ ثَوانٍ أغلقت النافذةَ، وانطلَقت. لحقها ساجي، ورآها تتَّجِه إلى بيتِ ناهد. وصلت وفتحت بابَ المرآب وأدخلت سيارتَها. توقَّف ساجي لأنَّ البيتَ ممتلئ بالناسِ، والشارعَ يعجّ بالسيارات، فقرر قرارًا سريعًا على غير عادته أن ينزل للعزاء...!
خطوة إلى الأمامِ وخطوتين إلى الوراء...،
ثم خُطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء حتى وصل ودخل...؛
بدا له أنَّ الأعينَ كُلَّها التفتَت إليه واخترقت جينزَه المشقَّق، مشى وهو مُطْرِق الرأسِ، يتأمَّل ألوانَ السَّجادةِ، وأحذيةَ الرجال...، سَمِع صوتَ الشَّيخِ يَرتفع بالدعاء: "اللهم اغفر لعبدتك روشان وارحمها، وعافها واعفُ عنها، وأكرم نزلها..." انقبضَ قلب ساجي: لماذا يقول روشَان؟ هل لناهد اسم آخر؟ ...، يرتفع صوتُ الشيخ بلذةٍ وطرب: "وأبدلها زوجًا خير من زوجها...وأدخلها الجَنَّة، وأَعِذْهَا من عذابِ القَبر وعذابِ النار". حاول ساجي أن يسأل من بجواره، ولكنَّ نظرات الشيخ اخترقته كأنَّها شهوة ذكر في ليلةِ الدخلة...؛ فتحوَّلَ فضولُه للسؤالِ عن اختلافِ الاسم، إلى خوفٍ من نظرات الشَّيخ الذي يُشبه جاره نبيلًا. وقد لاحظَ أنَّ المُعَزّين يتوجّهون لرجلٍ في صَدرِ المَجْلِس، فظنَّ أنَّه والدها، فاستجْمَع سَاجي قُواه، ونَصَبَ ظَهرَه كانتصابِ قضيبٍ لا يعرف الزمنَ، واتّجه إلى الرجلِ ليُعزّيه: "أحسن اللهُ عزاءَك في ابنتك"، ضَغطَ الرجلُ على يدِ ساجي، وكأنَّه يُريد اغتصابها: "لم أعرفك، أأنتَ أحدُ جيراننا؟"، بُهِتَ سَاجي، ثم نزلَت بديهةٌ عليه كأنَّها قذفةُ شَهوةٍ من شهواتِه مع ناهد: "أنا جاركم القَديم في حَيّ الروضةِ الغَربي..." زادَ ضغطُ الرَجلِ على يدِ سَاجي، وشَدَّ جسمَه إليه، ووضعَ يدَه اليُسرى على خَدِّه يتحسَّس نعومته، وقال بهمس: "أنا أخو الميتة. ألا تُميّز جيرانك القدماء". توقّف ساجي عن التذاكي، ولملم حيرتَه وخرج.

عاد ساجي إلى بيتِه وتَعرّى، كُلَّما خلعَ قطعةً قذفَها بعشوائيةٍ من شدةِ ما شعر بأنَّه كان يحمل جبلًا، ثم انتبه إلى وجودِ نبيل في البلكونة، وكأنَّها بيته، ولكنَّ المفاجأة هذه المرة أن نبيلا -الذي لا يُحِبُّ التَعريَّ- كان متعريًا، فشعر ساجي بحرج غريب، وكأنَّ التَّعري من طرفٍ واحد لا حرج فيه، ولمَّا تعرى نبيلٌ كان لِزامًا عليه هو أن يتستَّر...، لا يدري لماذا تخلَّى في تلك اللحظة عن فلسفةِ التَّعري التي يُحبها؟ هل فقدَ التَّعري طهارتَه لأنَّه بدأ يشكّ في سلوكِ نبيل، وينظر إليه كأنَّه -والشيخ جار بيتِ ناهد- سواء...؟ لبسَ ساجي ملابسَه، ونظر إلى جسدِ نبيل بتقزّز شهواني مليء بأسئلةٍ تنتظر الإجابةَ: لماذا تتعرّى أمامي الآن يا نبيل، وأنتَ مثال العفّة والستر كما كنتَ تقول عن نفسك؟
أشَاحَ ساجي بوجهِه، ووقفَ على حافَّةِ البلكونة وبدأ يتخيّل نبيلًا وقد تَحوَّل إلى جَسدِ الشَّيخ وهو ينقضُّ عليه بعصاه، لكنَّ عينَه انتبهتْ لوجودِ سيارةٍ سَوداء واقفة أمامَ بابِ العمارة، فانهمكَ بمتابعتها وترك نبيلًا....، ثوانٍ ونزلت امرأةٌ منها، ترتدي ملابسَ ضيّقة تلمع عند السُرّة، كأنها تلبس حزامًا ماركة غوتشي.
دخلت العمارةُ...، ثم دقائق وطُرِقَ بابُ الشقة. لا يدري ساجي أيطرد نبيلًا لأنَّه لا علاقةَ له، أم يُبْقيه لأنَّه خائف من مجهولٍ ينتظره؟
ازدادَ طرقُ الباب، فهرب نبيلٌ إلى بلكونته، واتَّجه ساجي إلى البابِ باضطراب، فتحَ البابَ، فإذا هي المرأةُ الغريبةُ التي رآها مِن النَّافذة، ولكن هذه المَرّة كانت متأنقةً متعطرةً جميلةَ المُحيّا، فلم يعرفها ساجي، فسألها عن أمرها؟ فدفعتْه من صدره، ودخلت البيت. تَفحّصت البيتَ بنظراتِ صقرٍ خاطفةٍ وحاذقةٍ وهي تسأل: "لماذا دفنتَ دفترًا أزرقَ في فناءِ منزلي؟" فهمَ ساجي من سُؤالها أنَّها تلك المرأة الغريبة؛ ولكن ليس هو الذي دفنَ الدفتر، هو الذي كانَ يُراقِب. فنادى -ليطرد خوفه وتوتره- بأعلى صوته: (نبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل)...!

فجأةً ظهر نبيلٌ من البَابِ الآخر للبيت -البابِ الذي لم يُفتَح منذ أمد- بوجهٍ صامتٍ، وبملابس تُشبه ملابس ساجي...؛ ارتبك ساجي وابتسمت المرأةُ الغريبة كأنَّها استقبلت مولودًا من رحمها، ثم أنْزلَتْ نظرها إلى عضو ساجي وخصيتيْه فأمالت بشفتيها كأنَّها تُغريه بشيء...؛ فرفع رأسَه إلى المِرآة فرأى جسدَه عاريًا...! أنزل رأسَه، تحسَّس ملابسه، تأكَّد من وجودها...، كلُّ شيءٍ في مكانه...! لا يدري بمَن يستعين؟ ومَن يُنادي؟ حاول أن يتذكَّر اسمَ حبيبته فلم يتذكّر...، هربَ إلى البلكونة ليتنفّس ويُنشِّط الذاكرة، لكنَّ الاسم استعصى عليه...، فجأةً سَمِعَ صوتًا يأتي من أسفلِ العمارة: "روشااااااان"، نظر ساجي إلى الأسفل ولم يجد أحدًا، لكنَّه تذكّر أن هذا اسم حبيبته، ثم عاد إلى الداخلِ فانْبَهَتَ لمَّا رأى نبيلًا تَحوَّل إلى شكلِ فتاةٍ عارية، يعرفها من زمان، أخذ يسأل: "هل هذا نبيل، أم دخلت فتاةٌ البيتَ حينما كنتُ في البلكونة؟" لم يُكْمِل سؤالَه إلا وسَمِعَ الفتاة: "أنا ناهد حبيبتك ألم تعرفني...؟" تذكَّر أنَّ ناهدًا ماتت، وأنَّه كان في مجلس عزائها...، ثم انتبه إلى أنَّ المرأةَ الغريبةَ غير موجودة، فشعر برأسِه ثقيلًا كأنه جبل أحد، أو جبل ثبير، أو جبال السروات كلها...؛

فاتجه إلى سريره لينام نومةً أبدية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى