شريف محيي الدين إبراهيم - الكتكوت...

منذ لحظة دخولها، كانت البنت الصغيرة رحمة تصرخ فرحًا، تمسك شيئًا تخبئه داخل سترتها، وعيناها تلمعان بانتصار:

ـ "بابا شوف! لقيته عند ست واقفة لوحدها في آخر الشارع... كانت واقفة كأنها مستنياني. لما شافتني، ابتسمت وقالت: خديه، هو ليكي..."

كان حديثها عفويًا، لكن شيئًا في نبرتها جعل الأب ينتبه، كأنها تحكي عن موعد لا تعرف كيف حُدد، أو عن نبوءة صغيرة.

كانت السيدة ضخمة الهيئة، عيناها لامعتان تحت غطاء أسود، لم تكن تبيع شيئًا، ولم تكن تنادي على أحد. فقط تنتظر. كأنها نُقلت من زمن آخر لتُتم فعلًا واحدًا.

يدها التي أعطت الكتكوت كانت باردة ومغطاة بوشمٍ باهت يشبه طائرًا صغيرًا يطير في دوائر. ولما ناولت الطفلة الكائن المرتعش، همست بصوت ناعم لا يُنسى: ـ "هو فهمك قبل ما يشوفك، وأنتي كمان هتفهميه... خليه معاك. هو مش زي أي كتكوت."

نظرت الأم، فشهقت وتراجعت نصف خطوة: ـ "كتكوت؟! إنتي جايباه إزاي كده؟ ده هيعمل ريحة ومشاكل!" ثم اقتربت ببطء، تطلعت إليه، وترددت لحظة، قبل أن تضيف بصوت منخفض: ـ "بس... شكله غريب. عمرى ما شفت كتكوت بريشه ده... ده لونه مش طبيعي، كأنه مش بتاع فراخ."

لكن رحمة جلست على الأرض، تفرش قطعة قماش قديمة داخل الكرتونة، وتضع الكتكوت فيها كما لو كانت تهديه بيتًا جديدًا.

كان الكتكوت أصفر مائلًا للون الليموني، ريشه ناعم لكنه غير اعتيادي، تتخلله خيوط فضية دقيقة، كأنها شُدّت من خيوط القمر نفسه، تعكس الضوء بنعومة فاتنة. جناحاه صغيران، لكن أطرافهما تنتهي بزغب داكن، وكأن فيهما ظل طائر آخر، طائر بري، مفترس، من عالم آخر. رأسه صغير لكنه مرفوع باعتزاز، منقاره غير حاد، لكنه منحني قليلاً كمنقار صقر صغير، وعيناه واسعتان، ثابتتان، فيهما وقار غريب، كأنهما لا تنتميان لطفل طائر بل لذكرى طائر جبلي قديم... بدا للحظة كأنه فرخ نسرٍ خرج من أسطورة

ينظر في بلاهة، لكنه يفتح فمه بلا صوت كأنما يهمس لشيء لا نراه. عيناه لم تكن تشبه أعين الطيور، بل فيهما بريق هادئ كعين طفل حالم. ولما أسند رأسه الصغير على القماش، أطلق صوتًا لم يكن صياحًا بل نغمة غريبة قصيرة، تشبه التراتيل.

قالت رحمة، وهي تُدخل أصابعها في الكرتونة بحنو: ـ "هو خايف... بس هيتعود علينا."

نظر الأب إلى الكتكوت، لم يحب أن يتعلق به. لكنه تذكر الخروف الذي ربّاه صغيرًا في بيت العائلة. كيف اعتاد أن ينام إلى جواره، يحكي له همومه الطفولية، ويغني له أغاني المدرسة... حتى جاء العيد، وسمع صوته يصرخ، ورآه يُذبح أمامه. بكى وقتها أيامًا، ورفض أكل لحمه. ومنذ تلك اللحظة، صار يتحاشى كل علاقة بحيوان.

قال للزوجة، وكأنه يحدّث نفسه أكثر: ـ "مافيش مكان لحيوانات في الشقة. بكرا تنساه

لكن رحمة لم تنسَ. صارت تُطعمه، وتنظف له الكرتونة، وتحمله في جيب سترتها. وصار الكتكوت مع الوقت يصدر صوتًا خافتًا حين يراها، صوتًا لا يشبه الزقزقة، بل يشبه تنهيدة إنسان مُتعب. ثم بدأ يقفز إليها، يرفرف بجناحيه الصغيرين. صوتُه لم يكن يتغير فقط، بل ينمو، يتكثف، وكأن الكتكوت يُنضج لغته الخاصة.

أصبح صوت خطواته مألوفًا. وجوده صار يملأ الفراغ. حتى الزوجة، التي كانت قد فزعت منه أول مرة، صارت تضع له الطعام دون أن تعترف بتعلقها به. كانت، أحيانًا، تتأمله من بعيد وهو يرفرف، وتبتسم في خفية، ثم تعود لملامح الجدية وكأنها لم تَرَ. وذات مساء، حين اختبأ خلف الأريكة، بقيت تبحث عنه وهمست لنفسها: ـ "هو فين؟ ليكون جراله حاجة..."

بل إنها ذات يوم، حين عثر عليه نائمًا قرب السجادة، غطته بطرف غطاء الأريكة، وهمست: "بردان؟ طيب، نام."

أما الأب، فظل مُصرًّا، صامتًا، متحفظًا. لكنه بدأ يتباطأ حين يمر بجوار الكرتونة. يحدّق فيه لثوانٍ، ثم يشيح بوجهه. وذات مرة، وهو يقرأ الجريدة، شعر بالكتكوت يقفز إلى قدميه. نظر إليه دون حركة، والكتكوت ينقر بخفة طرف حذائه. لم يطرده.

وفي صباح آخر، نهض مبكرًا ليجد الكتكوت نائمًا خارج الكرتونة، إلى جوار باب غرفته. ظل يحدق فيه طويلًا، ثم التفت خلفه، وتناول قطعة قماش صغيرة، وطواهها بهدوء ووضعها أسفل جسده. في بعض الليالي، بينما هو نصف نائم، كان يسمع الكتكوت يصدر أصواتًا متتابعة، منتظمة كأنها صلاة. ظن في البداية أنه يحلم، لكنه في إحدى المرات، نهض وتسلل خلسة، فوجد الكتكوت واقفًا في الظلمة، رافعًا رأسه، ومغمض العينين، يصدر ذلك الصوت الرتيب كأنما يخاطب أحدًا لا يُرى.

تجمد الأب في مكانه، لم يقترب، ولم يجرؤ على إيقافه.

ذات ليلة، سمع ضجيجًا في الصالة، فخرج من غرفته مسرعًا. كانت رحمة نائمة، والزوجة كذلك. وحده الكتكوت يتخبط بجناحيه، كأنه ضائع. التقطه بيده، شعر بجسده يرتجف بطريقة غريبة، أعاده إلى الكرتونة، وهمس له: ـ "نام... خلاص، هنا أمان."

من يومها، صار يلحظ غيابه. ينتبه إن لم يسمع صوته. يتلفت إليه دون أن يُظهر. وحتى حين عاد من العمل ذات مساء، وجد نفسه يتوقف عند عجوز يجلس على الرصيف، وسأله فجأة: ـ "الكتاكيت الصغيرة دي... بتعيش قد إيه؟"

لكن الكتكوت قد بدأ يكبر، وصوته يعلو. وأخذ يعبث بأركان السجادة، يترك خلفه آثارًا صغيرة، لكنها ليست كأي آثار... كانت دقيقة، متناظرة، كأنها زخرفة، أو كتابة بلغة لا تُقرأ. أشكالها تُذكّره بشيء لا يعرفه... شيء مفقود في ذاكرته.

وفي ذات مساء، حين دخل البيت، وجد رحمة تبكي. الكتكوت لم يعد في الكرتونة. ـ "بابا... راح فين؟"

قالت الأم، بصوت خافت: ـ "كان لازم اتصرف، ده مش مكانه البيت... أول ما خرجت من العمارة، لقيت راجل واقف، طويل ونحيف، لابس جلابية سودة وعمامة، ماسك عصا، قال لي من غير ما أبصله حتى: 'أنا مستنيه من زمان'... ومدّ إيده وخده ومشي."

لم يرد الأب. دخل حجرته، وجلس في صمت. في قلبه، فراغ صغير، يعرفه جيدًا. هو نفس الفراغ الذي شعر به يوم رحل الخروف. يوم غابت عيناه عن البيت.

قالت الزوجة بعد لحظة في حزن : ـ "هو حلال، صح؟ بس إحنا ما بنستحقش الرحمة اللي في عيونه."

نظر إليها، ثم إلى رحمة النائمة، والحزن ما زال على وجهها، وقال: ـ "إحنا بناخد الأرواح دي كحق لنا، كأننا ملوك الأرض... لكن الحقيقة؟ إحنا بالكاد نستحق."

كانت رحمة تتقلب في نومها، كأنها تحلم.
كانت تجري في حقلٍ أخضر، والشمس دافئة فوق رأسها، ونسيم ناعم يلاعب شعرها. وكان الكتكوت هناك، أكبر قليلاً، ريشه لامع كأنه مبلول بنورٍ لا يُطفأ، كان يرفرف حولها ثم اقترب منها، ووضع رأسه في كفها، ونام.
رفعت رأسها، لتجد نفسها وسط حقل ممتد لا نهاية له، وكانت هناك كتاكيت أخرى كثيرة، تشبهه، ريشها يلمع بنفس الخيوط الفضية، تدور في حلقات، تصدر النغمة نفسها، كأنها تراتيل جماعية.
بدا المشهد مهيبًا كأنه طقس قديم، مقدّس.
وحين رفعت رأسها، رأت السيدة التي أعطتها إياه تقف بين الأشجار، تنظر إليها بنفس الابتسامة الغامضة،إلى جوارها، الرجل الطويل صاحب الجلابية السوداء، يمسك بعصاه، نظرا إليها كأنهما يودعانها. ضحكت وهي تنحني على الكتكوت، وقالت له: ـ "أنا هنا... مش هسيبك تاني."
ثم صحَت فجأة، ومدّت يدها إلى جوارها، فلم تجد سوى الوسادة الباردة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى