عبدالله قاسم دامي - وراء السراب...

كان جالساً على المقعد الخشبي المقابل للشاطئ، لم ينعم باله بالهدوء منذ الحرب الأهلية الصومالية حيث كانت القذائف تُوزع جدوليا كالدواء. كان يتنفس ببطء وهو يحدّق في المارّة والسفن والسحاب، ينظر شرقاً وغرباً ثم يرفع عينيه نحو الأفق حيث يلامس البحر السماء.

هناك، على تلك الحافة البعيدة، يتراءى له طيف من الذكريات، أحلامه التي تبددت، عمره الذي ضاع في الترحال بين القارات بحثا عن ملجأ آمن، وطنه المنسي الذي سرقه الفاسدون الملعونون، لم تفارق جثث الأبرياء وفوهات الكلاشنكوف مخيلته، روائح الموت التي كانت تنبعث عن أزقات مقديشوا الضيقة.

يتذكر كل شيء، الغربة والصعاب، المقهى ذي الكراسي المهترئة في نيروبي، رفيقة دربه التي عبّرت الأطلسي نحو الشمال، أصدقاؤه الذين غابوا بلا وداع، أحباؤه الذين صاروا مع الزمن غرباء. يتمتم قليلا ليهدأ باله "إنها الحياة تنطلق دوماً، معك أو دونك، لا شيء يدوم، لا شيء أبدا، حتى الذاكرة ستخونك يوماً، وفي النهاية لن تطلب شيئاً سوى صديق قديم، ولن تجده".

مرت به امرأة شابة، تتريض بلباس غير محتشم، فقد هاجر التحشم عن الشواطئ زمانا، لم تمعن له نظرة كأنه جدار مهدّم، بقايا قطار الطليان، تمثالٌ قديم أو متحفٌ مهجور، لم يعد العالم يهتمّ بالأشياء القديمة كالإنسانية ووجوه العجائز.

عاد ينظر إلى الموج، يسرح تارة، ويتذكّر تارة أياماً كان يعبر الشوارع بخفة، يركض وراء الباصات، يقرأ الجريدة صباحًا ويصرخ في المقاهي حين يسمع الأخبار، أياماً كان يعشق الموسيقى وعزف العود. الآن، نسي الأغاني ولكن مازالت ألحانها مدفونة في قلبه. الآن، صار الوطن عبئاً والسياسة لعبة عيال والصحف تطبع بالتفاهات.

لم يعد هدوء الشواطئ، ولا القهوة توقظ مزاجه العكر، لم يعد يبصر جيداً ليقرأ السطور، لا يكتب كالمعتاد فالحروف هجرته من زمان. لكن الذكرى، رغم خيانتها أحياناً، كانت الشيء الوحيد التي لم تغادره تماماً. كانت رفيقته الصامتة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى