إبراهيم محمود - كلبٌ عاص... قصة

1754376130197.png



لطالما أحببتُ هذا المكان، بكل ما فيه !
تاريخي وتاريخ أسلافي مطبوع ومغروس في كل شبر منه !
لهذا، أشعر أن كل شيء فيه يشدني إليه !

1754376169410.png
ويليام ويجمان،الكلب فاي راي في حذاء مُصمم خصيصًا، ١٩٨٩

هذه الرابطة الحميمية ثابتة، مذ كنت جرواً، وأنا الآن كلب في أوج نشاطه وحيويته ، وقدرته على حراسة القطيع، وحمايته من التبعثر أو أي خطر خارجي.
القطيع مطيع. والراعي الذي يُسمّونه بالراعي الصالح، لم يكن يخفي انشغاله بالقطيع وسلامته .
الأرض لم تكن مستوية، ففيها تلال ووديان ومنحدرات، وغنية بطبيعتها.
كانت تتطلب المزيد من الحراسة واليقظة .
الذئاب كثيرة في الجوار.
أنا أكثر من كلب حراسة لهذا السبب .
بسبب معرفتي بالمكان، كان إحساسي بأي طارىء، مهما بدا صغيراً، يزيد في يقظتي.
الهواء وحركته، حركة القطيع، نظرات الراعي، وحتى الحمار وطريقة تحريكه لأذنيه علامات دالة لي على قراءة ما يمكن توقعه.
إنها تجربتنا التاريخية نحن الكلاب في استباق الأحداث.
يستحيل التفكير في وضع كهذا دون ظهورنا في الواجهة.
الكلب والحراسة كلٌّ منهما يذكّر بالآخر، ويستدعيه.
حدسي الكلبي لا يخطىء أبداً !
ثمة ذئب، ما أشبهه بأحدنا نحن جماعة الكلاب، كان يحاول الاقتراب. كنت أرصد حركته.
صدمتني ذات مرة رؤيته وهو مع راعي القطيع.
فركتُ عينيّ الدقيقتيّ النظر، علّي أقطع الشك باليقين . إنه ذئب وليس من نوع الكلاب، كما يمكن افتراض ذلك أحياناً.
إخلاصي لعملي فوق كل الشكوك !
هذا الذئب الذي تراه أصبح ناسكاً، لا بل نباتياً، لهذا ألفتُه. فلا يمضي بك ظنك في أمره بعيداً.
قالها لي الراعي بصوت واضح ومسموع .
الحمار ثابت في مكانه. أذناه منتصبتان ودون حراك.
لم أسمع أبداً أن هناك ذئباً من هذا النوع .
نظراتي كانت مركّزة عليه. الراعي نفسه، كنتُ أشمله بنظرات جانبية. لا أستطيع أن ألفت نظره، لئلا أغيظه، وهو الراعي الصالح.
حدسي الكلبي لم يدعني وشأني !
ماذا يفعل القلق في وضع كهذا ؟
ذات مرة عبَرني الذئب نفسه، وقال لي وهو ماض إلى حيث يكون الراعي الصالح:
لا تبالغ في دورك يا كلب. اعرف مصلحتك. أنت تحت أنظار راعيك !
لم يكن كلامه يخلو من سخرية صريحة !
الكلام له رائحته. ونحن الكلاب لدينا حاسة شم قوية في تبيّن الأمور!
ذات مرة رأيت الذئب ذاك يقود نعجة أمامه. كان هادئاً وهو يفصلها عن القطيع .
عملي دفعني إلى الاعتراض وأنا أتهياً لأي مواجهة .
لم يباعد الذئب بين شدقيه، أو يقوم بحركة لافتة.
كان يدفع بها مطمئناً، وأسمعني صوته:
راعيك يعلم بذلك. سأعلّمها الزهد في الحياة. لدي خبرة طويلة في الرياضة الروحية .
بحركة من يده، نبّهني الراعي إلى وجوب ترْك الذئب يقوم بعمله.
تركته وأنا أكبت قلقي ومخاوفي.
الاعتراض عمل انتحاري، وربما مميت.
كيف لي أن أعصي تعليمات الراعي !
مهمتي في الحراسة واجهت مستجداً زاد من تعبي كثيراً. كيف لي أنا أنام مرتاح البال؟
أرح نفسك.. اعتبر أن ما يجري هو في مساره الطبيعي !
قالها لي الراعي وهو يمرر يده على أذنيّ الحمار، والحمار بلا حراك.
لكن عملي دفع بي إلى الاستفسار.
بحركة لها دلالة من يده، ومن خلال قراءة تعابير وجهه وقولة:
لا تكن كلباً عاصياً. أنت تعرفني . أليس كذلك ؟
التقطت صدى عبارة تردد داخلي:
أي نوع كلب أكون في حالة كهذه ؟
كثيراً ما كنت ألاحظ الراعي ناظراً إلى البعيد، بينما قطيعه في الاتجاه الآخر.
إلام ينظر، وعلام يركّز؟
رؤية الذئب أصبحت اعتيادية.
في كل مرة هناك نعجة تساق أمامه .
ماذا وراء الرياضة الروحية هذه؟
الراعي المعتبَر صالحاً شدد علي، ما كان يغفل عني.
وصل به الأمر إلى أن يضعني بين خيارين:
إما أن تتبع تعليماتي وأوامري، أو سأدعك بسلام وأنت تمضي من هنا. أنت تعرف غضب الذئاب .
أصبحتُ كلباً عاصياً.
ما جدوى بقائي في وضع كهذا ؟
رغم خذلاني وشعوري بالجبن، وبوصفي كلباً، وكلب حراسة، وقد عُدمتُها ، اضطررت إلى الخروج واللوذ بجهة أخرى.
ماالذي سأحصّله إن اصرّيت على البقاء؟
ليس من حيلة لدي لمنع ما يحصل!
كنت أتابع حركة القطيع عن بُعد. كان يتناقص عدداً.
بالطريقة هذه لن يكون هناك ذات يوماً هذا الذي يُسمّونه بـ القطيع !
سيكون الراعي " الصالح " في عِداد من سيجري إخضاعه للرياضة الروحية التي سّموها، هو وحماره نفسه في النهاية.
لن يبقى هناك سوى الذئاب !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى