إبراهيم محمود - عندما كنّا كلاباً حقاً!... قصة

1754458363818.png




عندما كنّا كلاباً حقاً !


1754458433884.png
لوحة فنية: كلاب تلعب البوكر


لم نكن نحمل ألقاباً، لم نكن نُعرَف بأعراق أو أجناس، لم نكن نتمايز بأسماء تفصلنا عن بعضنا بعضاً. كانت السماء خيمتنا الكبرى، خيمتنا المحررة من كل وتد أو عازل، والأرض مفتوحة لنا من الجهات كافة، نمضي جماعات حيثما نشتهي، وملء أجسامنا المتعة والتمتع بغريزتنا الكلبية.
وحدها البرية كانت علامتنا الفارقة كغيرنا من الحيوانات وهي تتعايش معاً في علاقاتها الخاصة بها، وبها تكون وتستمر في البقاء. كل جماعة تعرف الأخرى بألوانها وأشكالها، وطبائعها، ونوعية شمها. حيث كنا نحب بعضنا بعضاً ونتناسل بطريقتنا.
كان لنا تاريخنا، حيث كانوا يعترفون بفضلنا ومكانتنا بينهم، واختلافنا النوعي عنهم قديماً !
الأهم من ذلك أنه كان لنا صوت ما أن يُسمَع حتى يستدل علينا بين سوانا،لغتنا الخاصة تماماً، أي نباحنا أو عواؤنا. لم يكن هناك من يشك أن هذا الصوت ليس لنا.
تلك كانت علامة عافيتنا وشعورنا العميق بالوجود.
***
عندما كنا كلاباً حقاً !
لا كلب يفضُل كلباً آخر. لا كلب يتعالى على كلب. لا كلب ينتقص من قيمة سواه. لم يكن أيٌّ منا بحاجة لأن يقدّم نفسه للآخر والقول بأنه كلب بصفة معينة، ومحسوب على غيره. الكلب، هوذا الاسم الوحيد الأوحد الذي كان يميّزنا عن الحيوانات الأخرى، التي كانت تعرفنا جيداً، مثلما كنا نعرفها جيداً. ونحن نتحرك في جماعات، أو نستقر معاً في جهة معينة، نتكيف مع برد الشتاء وحر الصيف، ونحن متلاحمون .
أجسامنا كانت محررة من كل ما كان يقيد حركتنا أو نظرتنا إلى العالم من حولنا. لا شيء يطوقنا في رقابنا، أو يفصلنا عن بعضنا بعضاً، أو يمنعنا من أن نلهو على طريقتنا، ونمارس حركات دالة علينا دون غيرنا.
***
عندما كنا كلاباً حقاً !
لم نكن بحاجة لمن يوجهنا أو أو يعلّمنا كيف نأكل أو نشرب أو ننام، ونصحو، ونحصّل قوتنا، ونمضي أعمارنا الخاصة بنا التي كنا نعيشها بسنين معلومة بنا. كان لنا حياتنا الخاصة، موتنا الخاص بنا في البرية التي تحتضننا دون حساب.
أين كنا، وكيف أصبحنا؟
لقد عزلونا مع الزمن عن بعضنا بعضاً.
لا بد أنهم خططوا جيداً، لنكون دون كل الحيوانات الأخرى ضحية حساباتهم الخاصة، في أهوائهم الخاصة ، وإلى الآن. جرّدونا من طبيعتنا، سلبونا كل المتع العائدة إلينا في الحساب الطبيعي، تدخلوا في الدورة الطبيعية لجيناتنا الكلبية. أشعرونا أن الكلب هو ما أعدّوه فينا، وليس ما كنّاه، لم يتركوا لنا ماضياً يشدنا إليه، مسحوا تاريخنا، وربطونا بهم.
لماذا نحن دون غيرنا؟ هل كنا أهلاً لمثل هذا العزل والإقصاء؟ أم لأن ذلك من طيبة خاصة بنا أم ماذا؟
أدخلونا في صفات وعلامات فارقة، بتهجيناتهم التي أقصتنا عن كلبيتنا الفعلية. أي غربة حقنونا بها؟
صار اسمنا عاراً علينا. اسم الكلب ذم لنا، وحده دون الكائنات الأخرى. بتنا نعرف بمن فرقونا عن بعضنا بعضاً. الكلب البرّي، الكلب السلوقي، الكلب البوليسي، الكلب العربي، الكلب الانكليزي، الكلب التركي، الكلب الكردي، كلب الرعي... منذ متى بدأ هذا التقسيم والانقسام؟ كيف أصبح أحدنا يعرَف بمن فصله عن جماعته، ووضع في رقبته طوقاً، وأخضعه لهواه ؟
***
عندما كنا كلاباً حقاً!
عندما كنا كلاباً، كانت البرّية عنواننا الواسع، باسم واحد نتحرك، وباسم واحد نُعرَف. أي ذل هذا الذي حللنا فيه؟ وقد بات الواحد منا يعرَف بشخص معين،باسم دخيل هو حسبنا ونسبنا الكلبيان حيث لا دخل لنا فيهما. أصبحنا في ذمة الأسم المسجل والمفروض علينا، وصار هناك تباين بين كلب وكلب من خلال من يملكنا ، وينظم أوقاتنا كما يريد. وما أن يرى كلب منا سواه، حتى ينظر إليه شذراً، أو بعين الريبة، كما لو أنه خصم له، وهو مشدود بحبل بيد صاحبه. أي كلب هذا الذي بات غريباً على من ينتمي إليه في العرق نفسه؟ لم يعد أحدنا نحن الكلاب، يعيش نوعيته ككلب، وإنما الكلب الذي جرى اصطناعه فيه
***.

عندما كنا كلاباً حقاً!
عندما كنا كلاباً، وما أن يبدأ أحدنا بالعواء أو النباح، حتى يبدأ الجميع بالعواء والنباح تفاعلاً جماعياً. أين ذهبت إشارة الكلبية التليدة والأصيلة تلك؟ لقد زيَّفوا فينا عواءنا ونباحنا .أكثر من ذلك، سلبونا نباحنا، وهم يحاولون تقليدنا للإيقاع بنا، وباسمنا يحاولون تحقيق ما يريدون بلوغه في الليالي المعتمة وفي البرّية المفتوحة، فلا نعود قادرين على التمييز بين نباحنا الفعلي والنباح الذي ابتلينا به وهو لهؤلاء الذين جعلونا فُرُقاً.
ما أكثر الذين تسمعهم، ودونما خجل أو استحياء، وهم يمارسون نباحاً أو استنباحاً، وبفخر في أمكنة مختلفة، وأوقات مختلفة، راسمين شارات النصر الذاتية وفيما بينهم، كما لو أنهم يشعروننا بأنهم صادروا منا أهم أهم ما كان يميّزنا ويبقي على تلك الرابطة التي تعمق فينا إحساسنا الكلبي وعن بعد: نباحنا الطبيعي هذا.
لقد بلبلوا علينا. أخضعونا لبلبلة لا ناقة لنا فيها ولا جمل. في هذا الصوت الدخيل الذي كنا به، وإذا به يوقع بنا، أو يشعرنا وكأنه عيبنا ، نقيصتنا التي علينا التبرؤ منها. وأسكنونا أماكن اختزلت فينا كلبيتنا .
وأدخلونا في حركات ، في ألأعاب، في سباقات، ليشعروا بوجودهم عبرنا، وعلينا الانصياع لهم.
***
عندما كنا كلاباً حقاً!
عندما كنا كلاباً، كنا نصل الليل بالنهار، وليس من طريق محدد نسلكه، ليس من رقعة أرض نستقر عليها،
ما كان هناك من قفص، أو مضمار يحول بيننا وبين رؤية ما هو بعي. كانت الطبيعة تشدنا إلى كل جهاتها وملؤنا الخفة والنشاط. الآن يتحدثون عنا أحياناً كلاباً ضالة! يا لهذه التسمية المريبة! من أين جاءت وممن ولم؟ أليسوا هم الذين عرضونا للتشتت والتيه والانقسام ؟ أليسوا هم من يشيرون إلى ضلالهم لا نحن؟
أين هي كلبيتنا التي جرّدنا منها بالكامل؟ يا لها من حرية تلك التي عشناها أيام زمان. الآن لم يعد في مقدورنا التصرف ككلاب، وإنما في هيئة الكلاب، حيث يمكن رؤيتنا في أماكن كثيرة ليست لنا، اصطنعوا أطعمة لنا، لنأكلها، وليشعرونا أننا موجودون بهم وهم يمنّون بها علينا. بتنا مبرمجين، كما يقولون، لينسوا فشلهم الحياتي، ويغطوه بهذه الطرق الفظيعة التي يوجهوننا بها في بيوتهم، وحيثما كانوا، ويريدون أن يشعرونا أننا علامة فخرهم. ولم يبق لنا سوى هذا الاسم: الكلاب، لإبقائنا مثقلين بالإهانات .
***
أحاول إيجاد طريق لي لكي أمضي إلى حيث أشعر بكلبيتي،أشعر أن البرّية تنبض في كامل عروقي، رغم كل هذا الحصار المفروض علينا الشعور بالكلبية التي تبقينا كلاباً كما كنا، وليس كما يردون منا أن نكونها
يا للرعب!.
ثمة من يثبت نظراته علي، وكأنه يقرأ سلوكي قبل أن يصبح حركة ماضية إلى الأمام.الشر في عينيه.
ذلك ملخص كل ما يريدون فعله فينا وإبقاءنا عليه، ومنعنا من التحرك خارج نطاقه!
أحاول التحرك. كلاب عدة وبأشكال مختلفة تحيط بي، وتتهيأ للانقضاض علي .
لقد تلقت ِالإشارة المقدَّرة إذاً،كما يظهر!
أي كلب أنا الآن ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى