ليس لدي معلومات مفصّلة عن الحمير في مدينتنا. سوى أنني أستطيع القول أن أول كائن غريب أبصرته كان الحمار الذي حدثتني عنه أمي على أنه حمارنا الخاص، وقد ألِفتُه فيما بعد كثيراً. وها قد تجاوزتُ الخمسين من عمري ولا يزال الحمار ذاك حياً يرزق. ولتتكون صورة أوسع عن الحمار عندي، حين علِمت أن في كل بيت في هذه المدينة التي ولدتُ فيها، وهي مسقط رأس أبي كذلك،ثمة حمار، هو حمار العائلة المعتبَر.
صحوة تيتانيا " طباعة قماشية "
ليس من الغرابة أن تُعرَف هذه المدينة، مدينتنا بحميرها، وهي تتميز بعافيتها ونشاطها وسمعتها الحمارية بامتياز، وتعمّر طويلاً خلاف بقية الحمير خارجاً.
ماالذي جعل من مدينتنا ذائعة الصيت بحميرها؟ لا بد أن هناك ما يجعلها مختلفة عن بقية المدن الأخرى حتى أكثرها نأياً عنها.
أكثر من ذلك، وجرّاء معرفتي الحمارية ، ربما كانت مدينتنا هذه هبَة الحمير ذات الصيت!
فضولي البحثي، وهو لم يتعبني كثيراً، كشف لي عن هذه الحقيقة التي تستحق التذكير بها، لا بل والثناء على فرادته ولإعلام من لم يعلم بعد بها، ومن باب الواجب وإخلاصي لمدينتي التي لا يُساوَم عليها.
إن أهم علامة فارقة تعرَف بها مدينتنا هي خلوّها من المشاكل. فأنا، وكما ذكرت، منذ أكثر من خمسين عاماً، لا أذكر أن مشكلة ظهرت هنا أو هناك، أو خلافاً حصل حتى داخل البيت الواحد، أو نزاعاً اندلع بين عائلتين. السلام والتفاهم والاحترام المتبادل ميزة مدينتنا الكبرى. وقد توغلت في تاريخها، فكانت الحقيقة دامغة فيها.
والسؤال المتوقع طرحه: كيف يمكن ذلك؟ والجواب هو في وجود الحمار. باسمه، ومن خلاله يمكن قراءة تاريخ مدينتنا .
بالنسبة لي، لم أصدّق ذلك حتى رأيت بعيني الاثنتين هذه الحقيقة .
إن أي معاملة، مهما كان نوعها، إذا أريد تقديمها للجهات المعينة، أو قضية لها تأثير اجتماعي، يكون حاملها وواجد الحل المثالي لها، ودون اعتراض، هو الحمار.
لا يحتاج أفراد العائلة الواحدة، وبدءاً من ولي أمرها، التعرض للهواجس أو القلق نفسه، فالمعاملة تسلّم للحمار. الحمار لا يتكلم، لكنه يعرف، ومن خلال التجربة، أين تكون وجهتها. حيث إنه في كل جهة رسمية، ثمة قاعة يذهب إليها المراجعون، ويعرضون مشاكلهم أو معاملاتهم. وثمة حمار موفور الصحة، يبدأ بإدخالها إلى مكتب ملحق بالقاعة، يمنع دخول أي كان إليه ما عدا الحمار. وبعدها يمضي بها الحمار إلى مكتب ذي صلة بالموضوع في المبنى الكبير، وفي زمن قياسي يتم حل القضية أو الخلاف، أو المعاملة، ومن خلال أتعاب معروفة للجميع.
لا أحد يعرف من يكون أولئك الذين يتولون مهمة إيحاد الحلول، أو حل المشاكل وخلافها، لا يهمهم ذلك، مادام هناك حل، ويطمئن كل رافع دعوى قضائية، أو شكوى، أو طلب معين، لأمر ما.
وحده الحمار هو الذي يتوسط صاحب الطلب والمسئول عن دراسته وتقييمه .
وكثيراً ما يكون الدوام على مدار الساعة، وثمة حمار احتياطي لهذا الغرض، وإذا تعرض الحمار لوعكة صحية، أو تعرض لطارىء ما، فليس هناك ما هو أسرع من حلول حمار آخر يحل محله، ودون أي تأخير يُذكَر.
بالطريقة هذه، من الصعب جداً، أو ربما نادراً ما تسمع أحدهم يتذمر، أو يتبرم مما يجري. إنهم يفكرون في مجموعهم في المدن المجاورة، وهم على بيّنة مما يجري من مشاكل وصراعات وخلافات، وتراكمها، والعداوات التي تترتب على كل ذلك. فلا يجد أهل مدينة إلا أن يثنوا على الحمير الموزعة في المدينة، لكل حمار ما يخصه، والحمار يكون الملقَّب هنا بـ" الفاضل " ولا بد أن يستأهل مثل هذا اللقب.
ولهذا يكون أهل مدينتني معمَّرين. وللحمار هنا الفضل الأول في ضمان عمر كهذا !
لهذا السبب أيضاً، يندر سماع حمار، وهو ينهق، رغم كثرة الحمير في مدينتنا، ووجود صور لها في كل بيت، والأماكن العامة اعنرافاً بجميلها.
حمير مدينتنا لا تنهق. ولماذا تنهق إذا كان لها العلو في المكانة، وهذه الكاريزمية في صورة كل منها؟ ثمة حالة واحدة، وهي قليلة الوقوع جداً. والمسئولية يتحملها الشخص نفسه، وليس الحمار. حيث يصدر نهيقاً متقطعاً، تتجاوب معه حمير المدينة كافة، وتعود إلى وضعها الطبيعي، إشارة إلى أن هناك خللاً ما حصل، وجرى تجاوزه .
لهذا، من المستحيل أن يخرج أي حمار من حمير مدينتنا إلى خارجها. لقد قُدّمتْ عروض كثيرة، وجاءها أشخاص كثيرون، وفي مواقع متنفذة، يعرضون مبالغ ضخمة، لقاء الحصول على حمار معين، للاستفادة من التجربة هذه، إنما دون جدوى. حمير مدينتنا، وكما بات القاصي والداني يعرفها جيداً، لا تستطيع التكيف مع جو أي مدينة أخرى. وذلك مبعث فخار لأهل مدينتنا .
لم لا ، أنا نفسي أفتخر بحمير مدينتنا، حيث الفضل الأول لا ستمرارها مدينة وتعايش مشترك، يرجع إلى " أبو الفضل ": الحمار.
هذه الشهرة أكسبتْها مكانة فريدة من نوعها بين مدن الجوار وأبعد منها، وهي مكافئتها بعدم التدخل في شئونها، بالعكس، يتم تقديم المساعدات، في حال الطلب عليها، ودون شروط، والإتيان على ذكرها في مناسبات مختلفة، وكيل المديح لها.
أي عيب في أن يكون لحمير مدينتنا مثل هذه الشهرة العالمية، ونحن في ظلها، لحظة التذكير باستتباب الأمن، ورغد الحياة فيها؟
أن يكون هناك حمار يفصِل بحكمة في القضايا الخلافية، ويحل أعقد الخلافات، لا بل يحُول دون وقوعها، وثمة من يفتخر به، أفضل بكثير ممن يأتي على ذكره ساخراً منه، ومستهتراً به،ويكون نهب المخاوف وضحية مجانية لخلافات لا تهدأ، تعرض الأمن للخطر، كتلك التي نسمعها في المدن المجاورة لمدينتنا.