بهاء المري - حين أحبَّت حمارتها حماري

حين يشتدُّ وجيبُ الحنين، لا يجد القلب مَفرًا من الرحيل إلى ‏خزائن الذكرى، كما لو أنه يبحث عن وجهٍ مألوفٍ وسط الزحام.‏
هكذا فعلَ، حين امتدت يده المرتجفة تنبشُ دفاتر عُمره، المصفوفة ‏على رفٍ منسيٍّ، في لحظةٍ من سكون الغروب.‏
فتحَ أحدها بعفوية، فإذا به يعودُ دون أن يدري، إلى فصلٍٍ من حياته ‏ظنَّه اندثر، فإذا هو ينبضُ في الأوراق كما ينبضُ في القلب.‏
كان المشهد بسيطًا، عابرًا، لكنه - ككل الأشياء التي تمسُّ الروح - ‏حمَل في طياته ومضًا من الدهشة الأولى:‏
هو وتلك التلميذة، يَمتطيان رَكْبًا صغيرًا من الحُمر كل صباحٍ ‏ومساء، في رحلةٍ يومية امتدت ثلاث سنوات، بين قريتهم الصغيرة وتلك ‏المدرسة الإعدادية التي نامت خلف التلال، كأنما اختارها العلم مَنفىً نائيًا ‏لا يبلغه إلا المتعبون.‏
لم تكن في قريتهما مدرسة، وكان الوصول إلى المدرسة البعيدة امتيازًا ‏نادرًا لمن مَلكَ دابة. أما الآخرون - وكانوا الأغلبية - فشقوا الطريق حُفاةً، تخدشهم الحصَى ويلسعهم برد الشتاء ولفْح القيظ، كأنَّ العلمَ لا يَمنحُ نفسه ‏إلا لمن يدفع مَهره تعبًا ووجعًا.‏
في ذلك الركب الصغير، كان ثمَّة أمر غريب يلفت النظر، لكنه بدا ‏أول الأمر مجرَّد مصادفةٍ تتكرر:‏
كلما ابتعدَ حماره عن حمارتها، لأي سببٍ كان، عاد يخترق الصفوف ‏حتى يسير بجانبها. والعجيب أنَّ حمارتها كانت تفعل الشيء نفسه. لا تلبث ‏أن تبتعد حتى تعود كأنَّها تَعجز عن التنفس بعيدًا عن رفقتِه.‏
استوقفه المشهد مِرارًا. سألهُ قلبه: هل يُتخيَّل ما يحدث؟ فقرر أن ‏يجرِّب. قاد حماره في يومٍ أقصى اليمين، بعيدًا عن ركْب الفتاة، لكن الحمار - ‏كما لو به وعد قديمٌ أو حنينٌ دفين - لم يحتمل، فعاد يخترقُ الرَّكبَ حتى استقرَّ ‏بمحاذاة حمارتها.‏
أعاد التجربة من جهة اليسار، فكانت النتيجة ذاتها. حنينٌ صامتٌ ‏يمشي على أربع، لا تُخطئه حوافر، ولا تغفله عين القلب.‏
حين أيقنَ أنَّ الأمرَ ليس خيالًا، أسرَّ إليها بما لاحَظ. ضحِكت ‏طويلاً، تظنُّه يَمزح بخفة دمٍ قروية. لكنه أصرَّ. فجرَّبت بنفسها، ورأت ما ‏رأى. ولمّا صدَّقت، لم تَسعهما الفرحة. كأنَّ قلبيهما وجدا في هذا الحُنو ‏الحيواني برهانًا على سرٍِ لم يُنطق.‏
في دفتره الصغير، وتحت ضوء مصباح كيروسين خافت، كتَب ‏آنذاك بخجل: «أحببتُها... وأحبَّت حمارتها حماري.»‏
واليوم، بعد أعوامٍ طويلة، جلس يقرأ تلك الجُملة ببطء، فابتسمَ. ‏ثم أغلق الصفحة، دون أن يكتب عنوانًا، كأنَّ المشاعر الكبيرة لا تحتاج إلى ‏تسمية، بل إلى صمتٍ يليق بها.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى