عبدالله النصر - الأركيلة...

الدنيا تدور في جمجمتي، ينقلب أعلاها على أسفلها، تختلط الأشياء فلا أميزها، ولا أميز ما بينها. جسدي يذبل، لا يقوى على حمل ثقله. كأنما أشعلت حطبًا بريًّا في داخله، حتى صار كـ(التاوة) التي يُخبز عليها الرقاق.

عاد إليّ الصداع والسخونة، ذاك الألم الذي لم أتحمله قط. زرتُ أطباءَ كثر، في الداخل والخارج، وكلٌّ منهم وصف لي دواءً مختلفًا. لم أُشف، لكن الألم صار يخف أحيانًا، ويعود في أحيانٍ أخرى بأقصى شراسته. منعاني من إكمال دراستي، من مزاولة العمل، من فعل أي شيء يتطلب وقتًا، حتى التفكير.

كنتُ أسير في أحد الشوارع، وإذا بكل شيء يغوص في ضباب كثيف. خفت الاصطدام، فجلست على كرسيٍّ إسمنتيٍّ. اشتدّ الصداع، وهدّتْ الحرارة جسدي. ضغطتُ رأسي وأغمضت عيني. شعرت بأنني أسقط في فجوة مظلمة، طويلة، عميقة، سحيقة ستبتلعني. وفجأة، وجدتني واقفًا على الأرض، بلا أذى.

فتحت عيني، وإذا بطفل لم يتجاوز الستة أشهر أمامي. شيءٌ ما أخبرني أنه أنا. ممدد في مهدٍ من أعواد النخيل، تغطيني ملاءة شفافة مثقبة، وقد بعثرتها حركتي. كنت مذهولًا. أردد في نفسي:

- كيف أراني في هذا العمر، وأنا الآن في الخامسة والخمسين؟!.

الأدهى أنني مريض بنفس المرض. أبكي، أصرخ.

جاءت أمي شابة، في الثلاثينات من عمرها، مسرعة. رفعت الغطاء عني، احتضنتني برقة وقالت بهمس:

- لا، لا. حبيبي.

سمّت، بسملت، قاست حرارتي، حوقلت، استرجعت، صلّت على النبي، ورددت:
- آيّه؟،
- مريييض؟،
- ما عليك شرّ، حبيبي.
- أمي أنتَ،
- بعد طوايفي أنتَ.

هممتُ بالاقتراب منها، بتقبيلها، بإخبارها أني اشتقت، لكني لم أستطع. كنت كتمثال في غرفتها الطينية القديمة، واقفًا بين خزانة أثوابها، وصندوقها الحديدي المزيّن، وأدواتها، ودلّة القهوة، وسجادة الصلاة.

لم ترني، لم تسمعني. تأملت المشهد كمن يشاهد فيلمًا أبيض وأسود، بقلبٍ منكسِر وعيون دامعة.

نادت أمي أخي محمد، وكان في السادسة. قبّلته، وأعطته إناءً معدنيًّا:
- خذ هذي الطاسة،
- روح بيت جارنا اللي بابه قدام بابنا،
- وقول له أمي تسلم عليك، وتطلب منك شوية ماي نارجيلة.

- إن شاء الله يمّه.

بهذا أجاب، أخي، الذي عاد بعد دقائق، والإناء مليء بماء بني قاتم، رائحته نفاذة كالتبغ، مقززة. قلت لنفسي:
- هل ستدلُقه أمي في حلقي؟!.

اشمأزّت كبدي، وغثيتُ. جلستْ، عرّتْ ساقيها، وضعتني عليهما، نزعت ثيابي، أصبحت عاريًا، أصرخ، الغرفة تضج بألمي.

سكبت الماء على رأسي، ثم بدأت تمسح جسدي به، عضواً عضواً. لونه البني غطاني، وصار جلدي يلمع تحت ضوء الفانوس وخيوط الشمس المتسللة من شقوق الباب والدريشة.

لم تُخيّب توقعي، دلقت قليلاً من الماء في حلقي. كدت أتقيأ. أردت أن أصرخ:
- كفّي، يا أمي، عن ذلك!


لكن الكلمات ظلت حبيسة، تتردد داخلي، تصرخ كما أصرخ.. كان أخي يراقب بهدوء، يلهو بدميته الخشبية، وكأن الأمر معتاد عليه.


أمي تفعل ما تفعل، وملامحها مطمئنة، وتردد بهدوء:
- هذا أدواك، وعلى الله أشفاك.

بعد أن انتهت، جلبت لي قماطًا نظيفًا، ولفّتني فيه، ثم أرضعتني. امتصصت الحليب بنهم، وكأنني أطفئ نارًا اشتعلت في داخلي.

نمت. دقائق قليلة فقط، وإذا بي أستيقظ، ضاحكًا، أحرّك يدي، أبتسم، كأن أحدًا يدغدغني. جاء أخي، يلعب معي، يردد (أقه، أقه)، ثم جاءت أمي، تبتسم، تحمد الله.

أنا الكبير، راقبْتُ كل شيء بدهشة وطمأنينة. سألت نفسي:
- كيف لهذا الماء القذر أن يكون دواءً؟..
- ما سره؟..
- ما خصائصه؟..
- ما سحره؟!..

أمي أخذتني لصدرها مجددًا، تردد آيات متقطعة، ربتت على ظهري، وبعد التجشؤ أجلستني على فخذها، تلاعبني ومحمد.

قلبي يتفصّد شوقًا. أردت أن أصرخ:
- هأنذا أمامكما!.

لكنني كنت مقيدًا. نارٌ تشتعل في داخلي، تتفجر من أنفاسي.

وفجأة، رأيتُني جالسًا على الكرسي الإسمنتي بجانب الطريق. تلفتُّ، لا شيء سوى الطريق ووجعي.. الوجع الذي خف قليلًا.

بكيت.. لا أدري علامَ.
أأبكي أمي، التي كانت بلسمًا لجراحي؟،

أم أبكي أخي محمد، الذي هرم، وفقد حضوره بعد الزهايمر؟،

أم أبكيني، أنا الذي لم
يجد دواءً يشبه ماء الأركيلة، ولم يجد يدًا تشبه يد أمي؟.


عبدالله النصر – السعودية
١١ مارس ٢٠٢٤م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى