باتسي تادرس - ديونيسوس...

ها أنا ذا تائهة في الزمكان..
كان الوقت ليلاً.. بعد عشاءٍ ردئ. قلت لها: هيا بنا نغوص في غياهب المكان(...)، دخلت من البوابة الزمنية موقنةً بأنّّي سأنتقل إلى عوالم أخرى، سرتُ مسحورةً نحوها..
وولجتها، بعد قشعريرة لم تفارق جسدي البتة.
دخلتُ فتملّكتني رعشة لم أستطع تحديد مصدرها أ من الحنين جاءت؟
فجأة..ارتفعتْ أبواق الترحيب لها، كأنها تنتظرها منذ زمن سحيق، وما كانت الأبواق إلا نقيق تلك الضفادع الليلية، وصرصور الليل يعزف ذاك اللحن الشجيّ، لحن الغربة.
لم يكن غريبا على أُذُنَيّ نشيج هذا اللحن. بحر الحنين ينكب على وجهي، على يميني مسرح إغريقي يتمسرح على خشبة الزمكان.
تسللت رائحة النبيذ إلى أنفي رويدا رويدا .. بدأت مراسم الاحتفال، ارتفعت أصوات الكورس في المدرجات الخلفية لا صخبا بل كترتيلة خفية لامست روحي.
ديونيسوس بنفسه..!!
كأنّي سمعتُ صوتَه منسابا في الأثير يناديني في لحظة سكون. وطئ ذهني سؤال الأخ تامر لي هذا الصباح: لو كانت في يدك تذكرةVIP إلى أي مكان ستذهبين؟ ضحكت قلت له آثينا بالطبع ذهاب بلا عودة.
انتشلتني أصوات الجموع المختلفة مهللة مرحبة، تهتف باسمه..ديونيسوس ديونيسوس..!!
فجأة توجهتْ كل الأنظار نحوها، وانسحبت كل الأضواء سابحة في حنّاء ظلالها، كأنها النبوءة المنتظرة منذ أن تنفستْ الأرض نَفَسَها الأول. نور ينبعث من سبّابته يشير إليّ بشعاعه قائلً بصوت رصين:
أقبلي، وأخبريني ماذا تريدين..؟
تقدمت بخطوات مرتعشة؛ فالنور من حوله يغشّي بصري، قلت له مترددة: ماذا تــُ تــُ تُريد أأأنت مني..؟ مرائي الذات أنت؟!!
أجابني بصوت هادر: لا تبادليني سؤالاً بسؤالٍ يا أنا المرايا . اصفّر لوني، شحب جلدي، خلتُني في جلال مرتهنة في قبر قديم. احتقنت الكلمات في حلقي، وبعد دقيقة مرت علي كدهر كامل تمتمت بصوت خفيض: أريد الخلاص، حررني من تلك القيود والأوهام أعدني إلى ذاتي الأولى. خلاصي الموت ذلك، الموت الذي تعقبه الحياة الأبدية.
عم الصمت -فجأة- تسارعت أنفاسي، كان يحملق بي وعيناه تتوهجان كمن يحاول سبر أسراري. ابتسم ابتسامة استجليت مغزاها.
بصوت يوشك أن يكون همسًا، ولكنه كدوي الرصاص على روحي: خلاصك ليس بيدي بل منك أنت، كل المفاتيح في جعبتك تعرفين بدايتك ومآلك أضعتِ الطريق وستجدينه بنفسك. صرخت : وأين الطريق!!
ضاع صوتي في الفضاء على حبال النسيان، وفجأة انسحب كأنه لم يكن وتردد صدى صوته في أذني : ستجدينه بنفسك.
ها أنا ذا عبرت من البوابة مرة أخرى..حاملة عبقَه في صدري. ظللتُ وحدي في مرايا الفراغ، أبحث بين ظلالي عن المنارة، وصوته يحاوطني ستجدينه...بنفسك بنفسك(...).


باتسي تادرس/ مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى