إبراهيم الديب - رجعة "دوستويفسكي"

أثناء تجول القاص والطبيب الروسي تشيكوف ذات صباح في احد احياء موسكو يلقى الناس بوجه طلق ونفس سمحة، وإقبال على بلا حدود على الحياة: فوقع بصره على الكاتب دوستويفسكي في مفاجأة لم يكن يتوقعها, على مقربة منه : فاتبع تشيكوف اثره رغبة في مناقشته في قضايا أدبية فهو ليس روائي هو رائي ومتنبئ من وجهة نظره، وبعد أن دلف دوستويفسكي لكافيه وتشيكوف خلفه يطلب أثره جلس قريباً من دوستويفسكي ولكنه تردد على اقتحام صمته واحتراما لقامته، وغرقه في نوبة تفكير عميق مهيب : ولم هناك سبباً أو سابق معرفة تستدعي فتح حوارا بينهما ولكن تشيكوف الذي لم يستطع أن يثني نفسه عن تفويت فرصة تاريخية بلقاء دوستويفسكي والجلوس معه فدعى نفسه أو بمعنى أصح فرض نفسه عليه ولم يتأخر ثناءه على ما خطه ملهم علماء التحليل النفسي بالغوص في النفس الإنسانية والتجول في أعماق البشر فشكره دوستويفسكي بملاح لا تخفي بعض الضيق الذي شكر تشيكوف قائلاً: شيء غريب أنني أصبحت بعد مغادرتي الحياة كتاباتي أكثر ذيوعا شهرة وتأثيرا على القراء عامة و المثقفين خاصة ويتردد اسمي وينزلق على ألسنة الناس على كوكب الأرض ليل نهار في الصحف, ولا تخلو منه مجلة او صحيفة, و لا ندوة أدبية, و حتى اختراعا جديداً يطلق عليه الفيس بوك ينتشر فيه أسمي ويتردد بتبجيل وتقدير شديد مدهش وغريب ويدعو للتساؤل أن يكون غيابي أكثر صخبا وضجيجا كنت أتمنى احتفاء الناس بي بجزء من ألف من الذي نلته بعد مغادرتي الحياة ،أنا لا اخفي سعادتي فذلك أقصى ما يتمناه الكاتب تردد اسمه ليل نهار ثم وصف القراء والمتخصصين أن ما أضافه هذا الكاتب كيفا جديدا فالأدب تفرد حتي لا تكون كلمته صدي لغيره فقال تشيكوف لدستويفسكي:

ـ بل إني أعتقد أنك تستحق اكثر من ذلك وأن لك نصيب كبير من أجر فرويد ؛ ومما حققه عالم النفس الشهير بعد تأسيسه لهذا العلم بإيحاء وتأثير من رواياتك التي غاصت في أغوار واعماق النفس البشرية ، وحملقت فيها دون شفقة وحفرت بعمق ؛فوقفت بذلك على سر دوافعها ، ولم يستطع فرويد الخلاص من تأثيرك إلا البدء بتأصيل علم النفس بعد اتكاءه على تصويرك لشخصياتك المضطربة حد العاصفة فلم تكن خلجة واحدة سببت للنفس؛ ارقا, وقلق ,و توترا: لا وكان لها نصيب في كتاباتك البديعة, حتى تلاميذ :فرويد جوستاف يونج, وادلر, ومن بعدهم" اريك فروم" وغيرهم من محللي النفس عكفوا على كتاباتك مستعينين بها من اجل الوقوف على سر نفس الإنسانية حتى" توماس مان" الاديب الكبير الذي فاز بجائزة نوبل عكف هو الآخر على كتابات "فرويد" هاضما لها ثم حولها لأدب ؛ وبذلك استمتعنا بقراءة علم نفس فرويد داخل روايا توماس مان ملقيا الضوء على لاوعي البشر وبذلك تضاعف أجرك مرتين مرة من "توماس مان" ومرة من فرويد وهذا شأن الأدب العظيم الذي لا يكف عن الدوران في: رؤوس الناس, مرة أدب ومرة أخرى علم نفس ،ولك أشباه في التاريخ ولكن في الفلسفة وهو افلاطون الذي أتفق الفلاسفة ان محاوراته احتوت على الفلسفة ،و أن ما جاء به الفلاسفة بعده الى الان هي مجرد شروح على: متن افلاطون، لتغمر نفس دوستويفسكي سعادة لإطراء وشرح تشيكوف ثم أنتبه انه يقبض على كوب من القهوة فتناول منه عدة تناول رشفات متتالية ؛كما واصل تشيكوف حديثه :لعلك مندهش استاذي أنك حققت مجدا أدبيا سيخلدك ابد الدهر فقال دوستويفسكي الذي تحول لشخص ودود بسيط منفتح على الآخرين بسعة صدر غير معهودة أكثر :

-أنت أيضاً يا تشيكوف تركت أثرا في شريحة من القراء حول العالم ومازالت نصوصك القصيرة ملهمة وأداة ل لفهم العالم وتفسيره و ،وكنت ثالث ثلاثة اصلوا لهذا الفن بعد "ادجار الان بو" وواصلت مشروعك الأدبي المتفرد، ولم تأبه برأي بعض النقاد الروس فيك بأنك: مغني الجهلة والخاملين وأشباه المثقفين من الطبقة الوسطى وأنك كاتب تصويري بعيد عن الشعب بمسافة تفصا بينك وبين :نخبة الموهوبين والمفكرين، لكونك مدون تواريخ وصراعات لناس مملين عديمة الجدوى، وأنك لا تمتلك هدفا عظيما، ليذهب هذا الرأي ادراج الرياح ليظل أغلب من كتب القصة القصيرة من بعدك يدور في فلكك قلما استطاع منهن الخلاص من تأثيرك عليه وقد عانى كثيراً الكاتب المتفرد الموهوب يوسف ادريس الذي نجح بعد معاناة من تحرر نفسه منك، مع اعترافه بأنك ملهمه واستاذه، فجاء أدبه فريداً غاص في جنبات الناس والحياة، وأنا ما زلت مصرا انك تستحق جزء من أجر كثيراً من مبدعين القصة الذين هضموا كتاباتك وتمثلوها ، ولكن عند الكتابة: جاء ابداعهم كيفا جديدة مدهشا ،ورأي اخير قبا أن انسى وهو: نظرتك للموقف الحياتي العادي كموقف استثنائ يؤدي ببطلك بالاصطدام بالأسئلة والقضايا الوجودية ،وهنا قطع حديثهما احد الجلوس الذي عرفهما بنفسه قائلاً: أنا مكسيم جوركي فسأل دوستويفسكي عن المتحدث فقال تشيكوف:

هو – أديباً روسيا تبنته الدولة من اجل الترويج والدعاية لمذهبها السياسي او أيدولوجيتها من خلال أدبه ولكن ليس معنى ذلك أن مكسيم جوركي ليس كاتباً كبيراً وان نصوصه لا تستحق الاحتفاء بها، ولكن يحدث أحياناً وأن تتماهى احلام الكاتب وتتناغم مع مشروع وطموح السلطة السياسية ،وهذا ما حدث مع مكسيم جوركي :فالرجل عبر في أدبه عن المهمشين والبسطاء بصدق الطبقة أو بمعنى البلوتاريا ليس لأنه ابن تلك الطبقة واحد أفرادها ، وهو شعار الثورة البلشفية في فترة تاريخية لم تتأخر بعد مغادرتي للحياة ، فاقترب مكسيم جوركي من تشيكوف واحتضنه وفعل نفس الشيء دوستويفسكي الذي هم واقفاً من أجل مغادرة فأخرج تشيكوف من جيبه نقودا وسأل النادل عن الحساب فأخبرهم ؛ بأن هناك من سدده عنكم فسأله دوستويفسكي من يكون هؤلاء فقال الرجل:

- أحدهم يقول إن اسمه فرويد وشخص يصغره في العمر كان يناديه كارل جوستاف بيونج، واخر يدعى" توماس مان" ويجلس معهم كاتب اسمه يوسف ادريس على نفس المائدة التي بدت وكأنها في وسط الكرة الأرضية بمحاطة بالمعجبين من جميع اتجاهات الأرض الاربع..
********************

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى