ذكرُ طيرِ الكناري “خمري”- بلون ريشه الأصهب وأناقة مشيته الآسرة للنفوس المحبة للطير وللجمال حين تحدث فوق أرضية القفص، وقفزته الآخذة بالألباب على الأعواد المنصوبة بين الأعمدة الحديدية الدقيقة المصفوفة كغصون أشجار طبيعية له، ووسامة جسده العالية عندما يطير في الفضاء الضيق- يدخل في نوبة تغريد طويلة متصلة جاذبة لكل الآذان من حوله على حد سواء ومخاطبة لقلوبهم بلغة خاصة، هي لغة الفجيعة والفقد، نوبة قُدّر لها أن تكون مع انطفاءة ذيول شمس ذاك النهار الشتوي البارد جداً، وأن تسكت بعذوبتها وبالشجن المبثوث فيها اللغطَ الأخير المحتدم بين الباعة والمشترين في سوق الجمعة الكبير للطيور الكائن في الطرف الجنوبي للمدينة، ولم يكن لفاكهة التفاح الأحمر التي تغذى بها خمري وشرب عصيرها في آن واحد ولا لصفار البيض المسلوق الذي حلّ عليه منقاره كثيراً في ذلك المساء في معلفه الصغير النظيف أي أثر في نوبة التغريد المجنونة التي أدخل نفسه فيها، ولم يبتغِ الخروج منها، لقد دخل النوبة حين شاهد أنثاه “غرام” بلون ريشها الأصفر الليموني وقذالة رأسها الطويلة تغادر قفصهما للأبد، وهي تتراسل معه بأصوات فزع ونذر خوف متتابعة تطلقها وهي في جوف يد المربي الوفي المحتاج للمال لكي يؤمّن طعام العشاء لأطفاله، والذي قرر مضطراً بيع الأنثى الأثيرة لديه بمفردها على مشترٍ أعجب بها وحدَها، وذلك في الوقت الضيق جداً قبل أن يعلن المؤذن لصلاة المغرب إغلاق سوق الطيور بالمدينة برفعه للآذان بصوته المرتجف الذي بدأ يختبره بقول : بِسْم الله بسم الله، وبنحنحات متقاربات تسقط من فوق المئذنة القريبة على رؤوس الباعة والمتسوقين..
كنتُ واقفاً في السوق أتأمل المعروض من الطير للبيع لعلي أحظى بشراء شيء جميل منها أعالج به وحدتي وحزني، أتأمل أنواع الطيور كلها وهي في أقفاصها محمولة على الرؤوس أو في الأيدي وأنا في مدخل السوق متدثراً بأغطية الشتاء قريباً من “خمري وغرام” وهما يتبادلان القبل بمنقاريهما في قفصهما غير عابئين بالموجة السيبيرية التي تهب على البلاد ولا خجلين من عيون الناس التي تراقبهما، ومن ثم أرى “غرام” تنخفض وهي واقفة على العود ويفهم خمري دعوة الحب التي قدمتها له، ويرقاها بإخلاص، وعيونهما بعد الفراغ من اللذة المتكررة تنظران معا إلى زاوية في القفص حيث العش المعلق الذي بنياه من خيوط الخيش في الآنية البلاستيكية الصغيرة التي ثبتها المربي البائس كمكان للبيض وللتفريخ.
كان المربي جالساً متربعاً فوق بسطته في الفضاء المفتوح، ويصهل بصوته الحزين، والبرد يقرصه في أصابع قدميه المكشوفة:
– زوج كناري منتج على الشرط، صحته طيبه، “والله العظيم لولا الحاجة وبشرف أمي وأبوي ما أبيعه! البيع للزوج ما هو للواحد، لا للذكر ولا للأنثى، للاثنين معاً، وصلوا على النبي، ولا تنسوا أن تراعوا الله فيهما، ولا تفرقوا بينهما، إنهما يحبان بعضهما حب جنون، وأقسم لكم بعيوني اللي أشوف فيهم، غَرّيتهم بيدي، وربيتهم من يوم كانوا فرخين صغار، صرت أمهم وأبوهم، وسميتهم خمري وغرام، وكبروا قدام نظري في حظيرتي، وتعاشقوا عندي، الله يلعن الحاجة تحدّك على أخس الشيء، كنت أنام جنبهم في عزّ الحر والرطوبة وأطفي جهاز المكيف عليَّ خايف عليهم يموتون من البرودة العالية، وإذا مرضوا كنت الطبيب لهم أعطيهم من أدوية عيالي اللي للإسهال وللمغص واللي تصرفهم لي صيدلية مستوصف الحكومة حتى يتعافوا فاتقوا الله فيهما، وحتى إن الله يزوج في الآخرة العشاق من البشر اللذين حُرموا من الزواج في الدنيا، إذا كان عشقهم عفيفاً وكانوا داخلين في جنته؛ وخمري هذا عمره كله في الحظيرة ما قفز على ظهر أنثى غير ظهر غرام حبيبته وزوجته، وغرام أنا أشهد أنها أنثى كناري طاهرة وعفيفة، أنها قديسة أحصنت فرجها لخمري وحده، أما إناث الكناري الأخريات اللاتي في حظيرتي “غزل وغزلان وغزالة وغزيل” فقد خانوا عشاقهم من ذكور الكناري، خانوا “نشوان وصفوان وعدوان وغيلان”، واستبدلوهم بعشق ذكور كناري آخرين، وحتى نشوان وصفوان وعدوان وغيلان المغدورين المخدوعين في الحب في بداية حياتهم الزوجية، باتت سجلاتهم العاطفية أخيراً مع إناث الكناري الأخريات كسجلات الذكور من البشر المترددين ليلاً على غرف البغاء السرية في الشوارع الخلفية للمدينة.
استجاب للصهيل مشترٍ نزق، فيما كانت الأقفاص المصفوفة بانتظام على الجانبين من الطريق بطيور دجاج البراهما التي تسكنها والدجاج الفيومي وطيور الكروان والروز والسمان والزيبرا والحسون والبادجي تجمع حولها جلّ المشترين والدلالين والمربين:
أريدك أن تبيعني الأنثى وحدَها، عندي في البيت ذكر لها، ماتت أنثاه أمس من موجة الصقيع، وقد أزعجني بتغريده، أريده أن يهدأ ويغرد باعتدال.
قال ذلك وهو يشير بإصبعه إلى غرام.
خذ الزوج مني مرة واحدة أفضل.
لا، يحتاجون علف كثير، وأنا مربي على قد حالي.
غَيّرْ بدّل في كلامك يا ابن الأجاويد.
قلت لك أريد الأنثى فقط، أو لا تؤخرني، خلني أشوف بياع غيرك قبل ما يقفض السوق، ما راح أصبر إلى الجمعة الجاية حتى يجي البياعة مرة ثانية، وأتحمل ازعاج الذكر أسبوع كامل يلجّ أذاني بتغريده.
انصاع للأمر، وأدخل يده في باب القفص، وسلمت غرام نفسها لراحة كف مربيها، التي قبضت عليها وانتشلتها من جوف القفص، وهي خانعة مبدية أعلى درجات الألفة، واشتعل خطابها لحبيبها خمري بأصوات النذر، حتى اللحظة التي قربها فيها المربي من فمه، وراح يقبلها في مواضع كثيرة من جسدها، ويتشممها كطفل من أطفاله إلى أن صمتت، ليبدأ بعدها خمري في جرّ لحن الفراق بتغريدة طويلة متعددة المقامات، وهي تشيعه بنظرات عينيها المرتعبتين من خلال الفتحات التي في القفص المحمول بيد المشتري، فيما أخذ المربي يفتل ذيل شماغه الذي فوق رأسه، ويمسح دمعاً ساخناً يتحدر من عينيه!.
جاء متحمساً، يسحب أباه من يده، قاصداً المربي البائس الذي نكس رأسه باتجاه حجره، مما دفعه إلى أن يقول لوليه من فرط فرحته برؤية خمري وهو مستغرق في نوبة تغريده:
– بابا خلاص ارتحنا، لقيته، أنا أبغى هذا العصفور الجميل.
رفع المربي رأسه ناظراً إلى الطفل مع أبيه الواقفين أمامه، ونظرتُ من موقعي نظرة خاطفة لخد الطفل مع قول المؤذن في المسجد القريب: “الله أكبر الله أكبر”، مبتدئاً رفع أذان المغرب، فاستشعرتُ قلبي يقفز تحت أضلعي قفزات ليست كقفزات خمري في قفصه، ذلك أنني رأيت في خده خدها الأسيل، خد حبيبتي “شَرْية”، لقد جرني لون خده وملاسته إلى رؤية وجهها كله فجأة في زمن ومكان لم أتوقعهما، إلى رؤية جسمها المتناسق كاملاً أمامي في جسمه الصغير، إلى رؤية أمه التي يشبهها الشبه الكبير، حبيبتي التي باعها أبواها منذ زمن غابر، وزوّجاها لرجل لا تحبه رغماً عني وعنها، اشتهيت في لحظة ضعف أن ألمس يد الطفل، وأن أقبله في خده، وتمنيت أن اقترب منه أكثر، واشتم رائحتها فيه، فأدخلني ذلك كله- وخده تحديداً- في نوبة بكاء صامت لا تُرى ولا تُسمع، زادت مع ازدياد هواء موجة الصقيع الذي بدأ يهبّ علينا كلنا برخاء، وصرتُ أنقّل بصري بين خد الطفل وهو يمشي حاملاً القفص، وبين خمري الذي بداخله، والذي مازال منخرطاً في نوبة تغريده التي امتزجت مع صوت المؤذن وهو ينادي: “حي على الصلاة حي على الصلاة”، ثم أفضتْ به إلى أن ينكس رأسه في معلفه حزناً على معشوقته غرام.
ما إن ولّاني الطفل دبره حتى سقط نظري دون قصد على ردفيه، فكدت أشهق وماء القهر يملأ جوفي حين اكتشفت فجأة شبهَ ما في الشكل بين ردفيه وردفيها، فصرت أرى ردفيها الجميلين في ردفيه، وهو يمشي بجانب أبيه على أنغام صوت خمري المرسلة في الغبش إلى حبيبته غرام، التي غادرت السوق واختفى أثرها مع المالك الجديد.
تعذبتُ كثيراً في مكاني، تعذبت بالصقيع، وبالشوق إلى “شَرية”، وبالتردد بين المشي إلى المسجد لتأدية صلاة المغرب جماعة، وبين المشي في أثر الطفل لرؤية أشياء جديدة فيه من أمه لم أرها حين كان واقفاً في السوق، فَمُها مثلاً، ترددت وترددت حتى غاب الطفل وأبوه وخمري معهما في ظلمة العشاء الأول التي حلّتْ على المدينة، وحتى انتهت صلاتَي المغرب والعشاء اللتين جمعهما الإمام في وقت واحد بسبب التكاثف السريع للصقيع، ومشيتُ راجعاً إلى حزني ووحدتي وكآبتي، بدون طيور جميلة أليفة أملكها وأربيها وأحبها وتحبني، وبدون أن أقدر على الغناء مثل خمري، وبدون أن أقدر مثل غرام على إطلاق أصوات الخطر..
٢/٢ / ٢٠٢١
٢٠/ ٦ / ١٤٤٢
الثالثة فجرا
sadazakera.wordpress.com
كنتُ واقفاً في السوق أتأمل المعروض من الطير للبيع لعلي أحظى بشراء شيء جميل منها أعالج به وحدتي وحزني، أتأمل أنواع الطيور كلها وهي في أقفاصها محمولة على الرؤوس أو في الأيدي وأنا في مدخل السوق متدثراً بأغطية الشتاء قريباً من “خمري وغرام” وهما يتبادلان القبل بمنقاريهما في قفصهما غير عابئين بالموجة السيبيرية التي تهب على البلاد ولا خجلين من عيون الناس التي تراقبهما، ومن ثم أرى “غرام” تنخفض وهي واقفة على العود ويفهم خمري دعوة الحب التي قدمتها له، ويرقاها بإخلاص، وعيونهما بعد الفراغ من اللذة المتكررة تنظران معا إلى زاوية في القفص حيث العش المعلق الذي بنياه من خيوط الخيش في الآنية البلاستيكية الصغيرة التي ثبتها المربي البائس كمكان للبيض وللتفريخ.
كان المربي جالساً متربعاً فوق بسطته في الفضاء المفتوح، ويصهل بصوته الحزين، والبرد يقرصه في أصابع قدميه المكشوفة:
– زوج كناري منتج على الشرط، صحته طيبه، “والله العظيم لولا الحاجة وبشرف أمي وأبوي ما أبيعه! البيع للزوج ما هو للواحد، لا للذكر ولا للأنثى، للاثنين معاً، وصلوا على النبي، ولا تنسوا أن تراعوا الله فيهما، ولا تفرقوا بينهما، إنهما يحبان بعضهما حب جنون، وأقسم لكم بعيوني اللي أشوف فيهم، غَرّيتهم بيدي، وربيتهم من يوم كانوا فرخين صغار، صرت أمهم وأبوهم، وسميتهم خمري وغرام، وكبروا قدام نظري في حظيرتي، وتعاشقوا عندي، الله يلعن الحاجة تحدّك على أخس الشيء، كنت أنام جنبهم في عزّ الحر والرطوبة وأطفي جهاز المكيف عليَّ خايف عليهم يموتون من البرودة العالية، وإذا مرضوا كنت الطبيب لهم أعطيهم من أدوية عيالي اللي للإسهال وللمغص واللي تصرفهم لي صيدلية مستوصف الحكومة حتى يتعافوا فاتقوا الله فيهما، وحتى إن الله يزوج في الآخرة العشاق من البشر اللذين حُرموا من الزواج في الدنيا، إذا كان عشقهم عفيفاً وكانوا داخلين في جنته؛ وخمري هذا عمره كله في الحظيرة ما قفز على ظهر أنثى غير ظهر غرام حبيبته وزوجته، وغرام أنا أشهد أنها أنثى كناري طاهرة وعفيفة، أنها قديسة أحصنت فرجها لخمري وحده، أما إناث الكناري الأخريات اللاتي في حظيرتي “غزل وغزلان وغزالة وغزيل” فقد خانوا عشاقهم من ذكور الكناري، خانوا “نشوان وصفوان وعدوان وغيلان”، واستبدلوهم بعشق ذكور كناري آخرين، وحتى نشوان وصفوان وعدوان وغيلان المغدورين المخدوعين في الحب في بداية حياتهم الزوجية، باتت سجلاتهم العاطفية أخيراً مع إناث الكناري الأخريات كسجلات الذكور من البشر المترددين ليلاً على غرف البغاء السرية في الشوارع الخلفية للمدينة.
استجاب للصهيل مشترٍ نزق، فيما كانت الأقفاص المصفوفة بانتظام على الجانبين من الطريق بطيور دجاج البراهما التي تسكنها والدجاج الفيومي وطيور الكروان والروز والسمان والزيبرا والحسون والبادجي تجمع حولها جلّ المشترين والدلالين والمربين:
أريدك أن تبيعني الأنثى وحدَها، عندي في البيت ذكر لها، ماتت أنثاه أمس من موجة الصقيع، وقد أزعجني بتغريده، أريده أن يهدأ ويغرد باعتدال.
قال ذلك وهو يشير بإصبعه إلى غرام.
خذ الزوج مني مرة واحدة أفضل.
لا، يحتاجون علف كثير، وأنا مربي على قد حالي.
غَيّرْ بدّل في كلامك يا ابن الأجاويد.
قلت لك أريد الأنثى فقط، أو لا تؤخرني، خلني أشوف بياع غيرك قبل ما يقفض السوق، ما راح أصبر إلى الجمعة الجاية حتى يجي البياعة مرة ثانية، وأتحمل ازعاج الذكر أسبوع كامل يلجّ أذاني بتغريده.
انصاع للأمر، وأدخل يده في باب القفص، وسلمت غرام نفسها لراحة كف مربيها، التي قبضت عليها وانتشلتها من جوف القفص، وهي خانعة مبدية أعلى درجات الألفة، واشتعل خطابها لحبيبها خمري بأصوات النذر، حتى اللحظة التي قربها فيها المربي من فمه، وراح يقبلها في مواضع كثيرة من جسدها، ويتشممها كطفل من أطفاله إلى أن صمتت، ليبدأ بعدها خمري في جرّ لحن الفراق بتغريدة طويلة متعددة المقامات، وهي تشيعه بنظرات عينيها المرتعبتين من خلال الفتحات التي في القفص المحمول بيد المشتري، فيما أخذ المربي يفتل ذيل شماغه الذي فوق رأسه، ويمسح دمعاً ساخناً يتحدر من عينيه!.
جاء متحمساً، يسحب أباه من يده، قاصداً المربي البائس الذي نكس رأسه باتجاه حجره، مما دفعه إلى أن يقول لوليه من فرط فرحته برؤية خمري وهو مستغرق في نوبة تغريده:
– بابا خلاص ارتحنا، لقيته، أنا أبغى هذا العصفور الجميل.
رفع المربي رأسه ناظراً إلى الطفل مع أبيه الواقفين أمامه، ونظرتُ من موقعي نظرة خاطفة لخد الطفل مع قول المؤذن في المسجد القريب: “الله أكبر الله أكبر”، مبتدئاً رفع أذان المغرب، فاستشعرتُ قلبي يقفز تحت أضلعي قفزات ليست كقفزات خمري في قفصه، ذلك أنني رأيت في خده خدها الأسيل، خد حبيبتي “شَرْية”، لقد جرني لون خده وملاسته إلى رؤية وجهها كله فجأة في زمن ومكان لم أتوقعهما، إلى رؤية جسمها المتناسق كاملاً أمامي في جسمه الصغير، إلى رؤية أمه التي يشبهها الشبه الكبير، حبيبتي التي باعها أبواها منذ زمن غابر، وزوّجاها لرجل لا تحبه رغماً عني وعنها، اشتهيت في لحظة ضعف أن ألمس يد الطفل، وأن أقبله في خده، وتمنيت أن اقترب منه أكثر، واشتم رائحتها فيه، فأدخلني ذلك كله- وخده تحديداً- في نوبة بكاء صامت لا تُرى ولا تُسمع، زادت مع ازدياد هواء موجة الصقيع الذي بدأ يهبّ علينا كلنا برخاء، وصرتُ أنقّل بصري بين خد الطفل وهو يمشي حاملاً القفص، وبين خمري الذي بداخله، والذي مازال منخرطاً في نوبة تغريده التي امتزجت مع صوت المؤذن وهو ينادي: “حي على الصلاة حي على الصلاة”، ثم أفضتْ به إلى أن ينكس رأسه في معلفه حزناً على معشوقته غرام.
ما إن ولّاني الطفل دبره حتى سقط نظري دون قصد على ردفيه، فكدت أشهق وماء القهر يملأ جوفي حين اكتشفت فجأة شبهَ ما في الشكل بين ردفيه وردفيها، فصرت أرى ردفيها الجميلين في ردفيه، وهو يمشي بجانب أبيه على أنغام صوت خمري المرسلة في الغبش إلى حبيبته غرام، التي غادرت السوق واختفى أثرها مع المالك الجديد.
تعذبتُ كثيراً في مكاني، تعذبت بالصقيع، وبالشوق إلى “شَرية”، وبالتردد بين المشي إلى المسجد لتأدية صلاة المغرب جماعة، وبين المشي في أثر الطفل لرؤية أشياء جديدة فيه من أمه لم أرها حين كان واقفاً في السوق، فَمُها مثلاً، ترددت وترددت حتى غاب الطفل وأبوه وخمري معهما في ظلمة العشاء الأول التي حلّتْ على المدينة، وحتى انتهت صلاتَي المغرب والعشاء اللتين جمعهما الإمام في وقت واحد بسبب التكاثف السريع للصقيع، ومشيتُ راجعاً إلى حزني ووحدتي وكآبتي، بدون طيور جميلة أليفة أملكها وأربيها وأحبها وتحبني، وبدون أن أقدر على الغناء مثل خمري، وبدون أن أقدر مثل غرام على إطلاق أصوات الخطر..
٢/٢ / ٢٠٢١
٢٠/ ٦ / ١٤٤٢
الثالثة فجرا
تغريدة خمري …قصة: ناصر الجاسم
ذكرُ طيرِ الكناري “خمري”- بلون ريشه الأصهب وأناقة مشيته الآسرة للنفوس المحبة للطير وللجمال حين تحدث فوق أرضية القفص، وقفزته الآخذة بالألباب على الأعواد المنصوبة بين الأعمدة الحدي…