في زمن متخم بالشاشات، لا يحتاج العدو إلى دباباته دائمًا كي يفتك بالوعي. يكفيه مقال أو بوست متقن الصياغة، يوضع أمام أعين الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، ليبدأ في تفريغ الوعي الجمعي وتشويه السردية الفلسطينية.
مقالات من هذا النوع تصلنا يوميًا، تبدأ بجمل مثيرة للرعب: دير بالك ممكن يبعتولك حدا من المشردين يقتلك، ثم تنسج قصة مكتملة الأركان عن تمويلات غامضة، حسابات مالية معقدة، شبكات إسلام سياسي، ووسائل إعلام عربية. هي نصوص تبدو وكأنها تحقيقات أمنية دقيقة، لكنها في حقيقتها إعادة إنتاج لخطاب استخباراتي مشترك: إسرائيلي – غربي – إقليمي، يعاد تدويره بأقلام مأجورة أو بأصوات من الداخل.
من يروّج ولماذا؟
من المؤسف أن هذه المقالات تُتداول بحسن نية من بعض القراء، وربما من أشخاص يظنون أنهم يكشفون الحقائق. لكن هناك أيضًا من يتناقلها بدافع:
موقف شخصي من قوة سياسية معينة.
عقدة أيديولوجية عنصرية أو طائفية تتحكم في نظرته.
تنافس فصائلي ضيق الأفق يرى في تشويه الآخر مكسبًا ذاتيًا.
لكن قليلون فقط يطرحون السؤال الجوهري: لمصلحة من؟
فكل سردية من هذا النوع تخدم في النهاية كيان الاحتلال، وتصب في مصلحته الاستراتيجية الكبرى: إدامة الانقسام الفلسطيني وضرب وحدتنا الداخلية.
وحدة 8200 ومعمل الكذب
لم يعد سرًا أن لدى إسرائيل وحدة كاملة، تُسمّى 8200، متخصصة في صناعة الأكاذيب، فبركة الأخبار، واختراق وسائل التواصل الاجتماعي. مهمتها ليست جمع المعلومات فقط، بل ضخ الأكاذيب بشكل متكرر حتى يصدقها الناس: اكذب ثم اكذب ثم اكذب، ليصبح الكذب حقيقة.
أمثلة هذه الوحدة مرعبة: من تمرير شائعات عن انقسامات داخلية في غزة، إلى ترويج أخبار كاذبة تربط الفلسطينيين بالجريمة المنظمة، أو حتى نشر تقارير مزيفة حول خلافات عربية – إسلامية لتأليب الشعوب بعضها على بعض.
نتنياهو وخسارة المعركة الإعلامية
نتنياهو نفسه اعترف في تصريح أخير أن كيانه خسر إعلاميًا. لكنه بدل أن يعترف بالسبب الحقيقي – وهو أن جرائم الإبادة تُرتكب على الهواء مباشرة أمام كاميرات العالم – وعد بأن يعيد السيطرة الإعلامية للاحتلال. أي أنه يريد تحويل الإعلام العالمي إلى مجرد أداة بروباغندا، لا وسيلة لنقل الحقيقة.
فبركات المجاعة والأمم المتحدة
حين أصدرت الأمم المتحدة تقاريرها عن المجاعة في غزة، سارع الاحتلال وحلفاؤه إلى التلاعب بالأرقام. بدل الاعتراف بأن نسبة 15% تكفي عالميًا لإعلان المجاعة، اخترعوا معيارًا جديدًا ورفعوا النسبة إلى 30%، ثم اتهموا الأمم المتحدة بالانحياز للفلسطينيين ومعاداة السامية. فجأة، أصبحت المنظمة الدولية التي تتعرض دائمًا لضغوط غربية، متهمة بأنها عدوة لليهود!
الاغتيالات الإعلامية
الصحفيون أيضًا كانوا هدفًا للتضليل. حين اغتيل صحفي فلسطيني مع فريقه، بررت إسرائيل أنه من حماس، وحين اغتالت ستة صحفيين آخرين من وكالات مختلفة – من رويترز والجزيرة وحتى تلفزيون فلسطين – لم تجد مبررًا، فاكتفت بالقول إنها ستحقق!
وكأن الاغتيال صار خطأً إداريًا، يحتاج فقط إلى لجنة تحقيق، لا إلى محكمة جرائم حرب. هذه الأكاذيب ليست سوى محاولات لتخفيف وقع الحقيقة: أن قتل الصحفيين كان متعمدًا، وأن الهدف هو إسكات الصوت الشاهد على الجريمة.
مئات الأمثلة… هدفها واحد
من قصف المستشفيات والمدارس، إلى حرق الخيام فوق رؤوس من احتموا بها وظنوا أن القماش قد يقيهم الموت، من تهجير الأحياء إلى إبادة العائلات، دائمًا يأتي التضليل لاحقًا:
لم نقصد.
كان خطأً.
سنحقق.
وكلها أقنعة لإخفاء الوجه الحقيقي: وجه مشروع استعماري إحلالي لا يتوقف عن تدمير الحياة.
معنى الوحدة الوطنية
الوحدة الوطنية ليست شعارًا عاطفيًا ولا اصطفافًا خلف رؤية واحدة. الوحدة الوطنية الحقيقية هي أن نحتكم جميعًا إلى:
مصلحة الوطن قبل مصلحة الفصيل.
مصلحة الكل الفلسطيني قبل نزعات الأفراد.
تعدد الرؤى والانتماءات، لكن ضمن إطار جامع يضع فلسطين فوق كل اعتبار.
الوحدة الوطنية لا تعني أن نُصبح نسخة واحدة متطابقة، بل أن نصبح طيفًا متعددًا يظلله سقف الوطن. وهذا ما يدركه الاحتلال جيدًا، فيسعى بكل أدواته إلى تحويل تعددنا إلى تشتت، واختلافنا إلى اقتتال.
إن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل على العقل والوعي والسردية.
كل مقال أو بوست يخدم تفتيت وحدتنا ويعيد إنتاج رواية الاحتلال هو سلاح مُوجَّه، لا يقل خطورة عن صاروخ أو قنبلة.
مسؤوليتنا، كمثقفين وقراء ومواطنين، أن نتوقف عند كل خبر، ونسأل دائمًا: من المستفيد؟
لأن الحقيقة، مهما حاولوا دفنها، أقوى من كل بروباغندا.
ولأن وعينا الجمعي هو السلاح الأخير الذي لا يمكن للاحتلال أن يغتاله إلا إذا نحن سمحنا له بذلك.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26-08-2025
#فلسطين #غزة #الوحدة_الوطنية #لا_للتضليل #حرية_الإعلام #ضد_الابادة #وعي_فلسطيني #سردية_الحياة
من وسط مدينه رام الله الان
المبرر محل الصرافه الذي اقتحمته وحدة خاصه .انه حماس
مقالات من هذا النوع تصلنا يوميًا، تبدأ بجمل مثيرة للرعب: دير بالك ممكن يبعتولك حدا من المشردين يقتلك، ثم تنسج قصة مكتملة الأركان عن تمويلات غامضة، حسابات مالية معقدة، شبكات إسلام سياسي، ووسائل إعلام عربية. هي نصوص تبدو وكأنها تحقيقات أمنية دقيقة، لكنها في حقيقتها إعادة إنتاج لخطاب استخباراتي مشترك: إسرائيلي – غربي – إقليمي، يعاد تدويره بأقلام مأجورة أو بأصوات من الداخل.
من يروّج ولماذا؟
من المؤسف أن هذه المقالات تُتداول بحسن نية من بعض القراء، وربما من أشخاص يظنون أنهم يكشفون الحقائق. لكن هناك أيضًا من يتناقلها بدافع:
موقف شخصي من قوة سياسية معينة.
عقدة أيديولوجية عنصرية أو طائفية تتحكم في نظرته.
تنافس فصائلي ضيق الأفق يرى في تشويه الآخر مكسبًا ذاتيًا.
لكن قليلون فقط يطرحون السؤال الجوهري: لمصلحة من؟
فكل سردية من هذا النوع تخدم في النهاية كيان الاحتلال، وتصب في مصلحته الاستراتيجية الكبرى: إدامة الانقسام الفلسطيني وضرب وحدتنا الداخلية.
وحدة 8200 ومعمل الكذب
لم يعد سرًا أن لدى إسرائيل وحدة كاملة، تُسمّى 8200، متخصصة في صناعة الأكاذيب، فبركة الأخبار، واختراق وسائل التواصل الاجتماعي. مهمتها ليست جمع المعلومات فقط، بل ضخ الأكاذيب بشكل متكرر حتى يصدقها الناس: اكذب ثم اكذب ثم اكذب، ليصبح الكذب حقيقة.
أمثلة هذه الوحدة مرعبة: من تمرير شائعات عن انقسامات داخلية في غزة، إلى ترويج أخبار كاذبة تربط الفلسطينيين بالجريمة المنظمة، أو حتى نشر تقارير مزيفة حول خلافات عربية – إسلامية لتأليب الشعوب بعضها على بعض.
نتنياهو وخسارة المعركة الإعلامية
نتنياهو نفسه اعترف في تصريح أخير أن كيانه خسر إعلاميًا. لكنه بدل أن يعترف بالسبب الحقيقي – وهو أن جرائم الإبادة تُرتكب على الهواء مباشرة أمام كاميرات العالم – وعد بأن يعيد السيطرة الإعلامية للاحتلال. أي أنه يريد تحويل الإعلام العالمي إلى مجرد أداة بروباغندا، لا وسيلة لنقل الحقيقة.
فبركات المجاعة والأمم المتحدة
حين أصدرت الأمم المتحدة تقاريرها عن المجاعة في غزة، سارع الاحتلال وحلفاؤه إلى التلاعب بالأرقام. بدل الاعتراف بأن نسبة 15% تكفي عالميًا لإعلان المجاعة، اخترعوا معيارًا جديدًا ورفعوا النسبة إلى 30%، ثم اتهموا الأمم المتحدة بالانحياز للفلسطينيين ومعاداة السامية. فجأة، أصبحت المنظمة الدولية التي تتعرض دائمًا لضغوط غربية، متهمة بأنها عدوة لليهود!
الاغتيالات الإعلامية
الصحفيون أيضًا كانوا هدفًا للتضليل. حين اغتيل صحفي فلسطيني مع فريقه، بررت إسرائيل أنه من حماس، وحين اغتالت ستة صحفيين آخرين من وكالات مختلفة – من رويترز والجزيرة وحتى تلفزيون فلسطين – لم تجد مبررًا، فاكتفت بالقول إنها ستحقق!
وكأن الاغتيال صار خطأً إداريًا، يحتاج فقط إلى لجنة تحقيق، لا إلى محكمة جرائم حرب. هذه الأكاذيب ليست سوى محاولات لتخفيف وقع الحقيقة: أن قتل الصحفيين كان متعمدًا، وأن الهدف هو إسكات الصوت الشاهد على الجريمة.
مئات الأمثلة… هدفها واحد
من قصف المستشفيات والمدارس، إلى حرق الخيام فوق رؤوس من احتموا بها وظنوا أن القماش قد يقيهم الموت، من تهجير الأحياء إلى إبادة العائلات، دائمًا يأتي التضليل لاحقًا:
لم نقصد.
كان خطأً.
سنحقق.
وكلها أقنعة لإخفاء الوجه الحقيقي: وجه مشروع استعماري إحلالي لا يتوقف عن تدمير الحياة.
معنى الوحدة الوطنية
الوحدة الوطنية ليست شعارًا عاطفيًا ولا اصطفافًا خلف رؤية واحدة. الوحدة الوطنية الحقيقية هي أن نحتكم جميعًا إلى:
مصلحة الوطن قبل مصلحة الفصيل.
مصلحة الكل الفلسطيني قبل نزعات الأفراد.
تعدد الرؤى والانتماءات، لكن ضمن إطار جامع يضع فلسطين فوق كل اعتبار.
الوحدة الوطنية لا تعني أن نُصبح نسخة واحدة متطابقة، بل أن نصبح طيفًا متعددًا يظلله سقف الوطن. وهذا ما يدركه الاحتلال جيدًا، فيسعى بكل أدواته إلى تحويل تعددنا إلى تشتت، واختلافنا إلى اقتتال.
إن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل على العقل والوعي والسردية.
كل مقال أو بوست يخدم تفتيت وحدتنا ويعيد إنتاج رواية الاحتلال هو سلاح مُوجَّه، لا يقل خطورة عن صاروخ أو قنبلة.
مسؤوليتنا، كمثقفين وقراء ومواطنين، أن نتوقف عند كل خبر، ونسأل دائمًا: من المستفيد؟
لأن الحقيقة، مهما حاولوا دفنها، أقوى من كل بروباغندا.
ولأن وعينا الجمعي هو السلاح الأخير الذي لا يمكن للاحتلال أن يغتاله إلا إذا نحن سمحنا له بذلك.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26-08-2025
#فلسطين #غزة #الوحدة_الوطنية #لا_للتضليل #حرية_الإعلام #ضد_الابادة #وعي_فلسطيني #سردية_الحياة
من وسط مدينه رام الله الان
المبرر محل الصرافه الذي اقتحمته وحدة خاصه .انه حماس