جبير المليحان - النعل...

كنت بالمطار، والتفتّ وإذا بالنعل بجانبي: كان فوقها قدم وساق، وثوب…..

كانت النعل تتقدم نحوي، فحدقت بها حتى أتأكد من ذلك، ثم مشيت قليلا وأنا ألتفت قائلا لنفسي:

ـ لعلها مجرد نعل عابرة!!

غير أني عندما انحنيت في ردهات المطار الواسعة والباسقة والواضحة، والمضيئة، والنظيفة؛ كانت النعل تنحني على نفس الخط، وتتبعني.

ابتسمت لذلك، وتوقفت، ثم واجهت النعل القادمة، وأخذت أحدق بها:

فُجعت برثاثتها، وليونتها الضعيفة، وبالقدم الصغيرة الحافية والمتسخة والمتشققة المدخلة فيها. رفعت بصري قليلاَ، فبدت ساق سمراء نحيلة، تنوء بثقل الجسم الضئيل!، رفعت بصري أعلى، كان يتعدى المتر والربع: عينان صغيرتان جداً تبحثان دوما عن شيء ما، بهما خجل ولؤم وطمع، وجوع، وجهل أسود كالغابات. سلطت عيني، فزاغ من جانبي، وبدا ظهره الصغير. تبعته على البلاط اللامع، وأنا ابتسم لطرقعة النعلين، وسط هذا البهو الواسع. بعد أمتار التَفَتَ، وعندما رآني، أسرع الخطى، فلحقته حتى اختفى. ذهبت لأشرب القهوة.. ولم يسعفني الوقت حيث دخلنا الطائرة، وقادتني المضيفة إلى مقعدي في الصفوف الأخيرة.. حيث وجدت بجانبي نعلين رثتين أخريين.

ابتسمت، وأنا أنظر إليه، ومددت يدي وربطت حزامه، وربطت حزامي:

إلى أين يفرّ الآن، وأنا معه في السماء!

لقد اصطدته.

وانطلق صوتي ضاحكا، وأنا أفكر في كل النعال والأحذية في الأرض


الرياض 1991

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى