إبراهيم الديب - القاتل...

واصل الحاج عتمان عملية بحثه عن القاتل سيد أحمد مسعود الذي غادر بوابة السجن منذ عدة أيام، ليعثر عليه أخيراً في قريته التي تقع على مرمى البصر من المدينة ،و من محل إقامة المعلم عتمان الذي وجد نفسه وجها لوجه امام سيد احمد مسعود الجالس: بمفرده في ركن المقهى صامتاً شاردا حزيناً فالقي عليه سلاما ولم يسمع عتمان له رداً من سيد الذي أومأ برأسه بحركة يفهم منها أن يبدأ الرجل في حديثه ، ليدخل المعلم عتمان الذي عرف سيد بنفسه في الموضوع مباشرة وظل سيد احمد خلاله ؛لا مباليا مصوبا بصره باتجاه سقف القهوة يتحاشى تلاقي العيون ،و دون طلب تحية لضيفه وواصل: جئت اليك في أمر فيه خير لك فقد نمى لعلمي أنك تمر بظروف عصيبة بعد قضاءك لعقوبة جريمة قتل ،فرمقه سيد بنظرة غضب ، لم تمنع عتمان من مواصلة حديثه: وأن الخلاف اشتد بينك وبين شقيقك الذي امهلك يوماً واحداً لمغادرة بيت والدك بعد تنازلك له عن نصيبك فيه مقابل ما انفقه شقيقك على ؛زوجتك واطفالك الصغار ، أثناء انفراد جدران الزنزانة بك ،هنا التفت سيد احمد باهتمام الى الرجل الغريب الذي اقتحم خصوصياته ويقف على أدق تفاصيل حياته وكأنه عاشها ،وله أسبابها ، فقاطعه سيد احمد قائلاً: أتمنى الوقوف على سر زيارتك فقال المعلم عتمان بتدفق :

انا رجل تاجر من المدينة لعلك سمعت عني يوماً، فأشار سيد بالنفي وعتمان يواصل حديثه ولي جار شرير لا يكف عن ابتزازي وتهديدي برفقاء السوء يسطون على مخازني، أما في حالة فشلهم يقومون بإحراق البضاعة ، يحسدني متولي على حب الناس و رزق الله ونعمته ليصل الخلاف أخيرا للمحاكم فغادرت أطراف المدينة لوسطها بغضا لجواره، ولمجرد وقوع عيني عليه، ولكني أبقيت على بيتي القديم هناك واقسمت بعدم بيعه الا :لرجل أعتى منه في الاجرام وأشد بأسا، فلابد له ؛من جزاء من جنس عمله : وبعد بحثا وجدت هذه الشروط تتوفر في شخصك ورغبتي الآن وسبب حضوري وجلوسي معك؛ هي شرائك لبيتي في أسرع وقت ممكن ثم: تلاقت العيون لأول مرة وعتمان يقول له ثقة لا ترفض عرضي أنا رجل عملي، ولم اكرر طلبي من احد مرتين، عند هذه النقطة بدأ سيد احمد يستعيد بعض نفسه القديمة فقد اعاده حديث عتمان للدنيا من باب ضيق آخذا في الاتساع،فوجد أنه من الضروري طلب قهوة لضيفه الذي ينتظر، رده عن عملية الشراء فقال سيد احمد مسعود:
- اتمنى ذلك بالطبع مع عدم رغبتي التحول: لشخص شرير يرهب رجل مثلك خصما له،لا يتوقع منه احد خير، وكأني أصبحت تلميذا نجيبا لإبليس في تطبيق نظرياته ،أعتقد أن لدي الان ما يحزنني على نفسي ؛هنا شعر الحاج عتمان بخجل وحرج شديد لحديثه العفوي الذي نال من الرجل دون شعور او قصد منه، ولكن سيد أشار لعتمان بالتزام الصمت وواصل اما عرضك؛ بشراء البيت فهو يستحق الاهتمام ومناقشة الامر معك أنا راغب في ذلك ،ولكني لا املك حتي ثمن ما تناولناه من مشاريب فقال الحاج عتمان: افهم من ذلك أنت موافق فتأكد الحاج عتمان من ذلك بصمت سيد :فنادى على القهوجي: وناوله ثمن المشروبات وطلب من سيد أن يتبعه فهرول : خلفه وعاين بيته الذي يتكون من خمس غرف وصالة كبيرة وتضرب حول قطعة الأرض الفضاء التابعة له مجموعة من أشجار الزينة والفاكهة سور جميلا من الخضرة ، اما ثمن البيت فقد خفض لأقل من الربع ويسدد على المدى الطويل ، تأكد سيد احمد أن الصدفة تلعب دوراً كبيراً في حياته لدخوله السجن بسببها ويشتري الآن بيتا دون تخطيط او دفع جنيها واحداً ، وأن الأمر أشد تعقيداً من أن تعمل فيه ؛تحليلات العقل وتبريراته، وأخذ يلاحق عتمان بأسئلة كثيرة منها ؛هل الرجل جاد وليس هازلا و عتمان يواصل: وأول قسط بعد ستة أشهر نكاية في جاره، وبعد الانتهاء من كتابة العقد ناوله اياه ومعه عشرين جنيها ثم أردف لتتمكن بهذا المبلغ من نقل العفش أتمنى أن تكون مقيماً في بيتك ليلة رأس السنة لم يتبقى غير يومان وتبدأ سنة 1980 ..
انزلقت اخبار سيد احمد على ألسنة أهل الحي وشرق الكلام عنه وغرب، واخذت أفواه الناس تميل على الأذن تسر لها أسراراً تخص سيرة سيد احمد الشرير: منذ وطأت قدماه الحي وأخذوا يعدون عليه خطواته في غدوه ورواحه ، وخاصة من صبية المعلم متولي ، وهو أقرب جار له ويعيش في قلق وتوتر تحت فكرة انتقام سيد احمد منه وينتظر الشر في أي لحظة عقاباً لما اقترفه في حق: الحاج عتمان الذي جاء بسيد المجرم للحي خصيصا من أجل للقصاص منه ، ولكن سيد بدى كشخص سوي يمارس حياته بصورة طبيعية ، ولم يخبر سلوكه او تعبر ملامحه، على اجرام كما اشاع عنه الحاج عتمان، بعد انتشار هذه الفكرة عنه ودورانها في أدمغة ناس الحي اختزل في انه رجل قاتل ، وأن سيد احمد لا تحمد عقباه عند الغضب ، ولكن شهادة الناس والواقع في سيد؛ تكذب ذلك فهو: يلقي السلام على كل يلقاه بالطريق وينسل بتضاؤل و خفة وأدب ،وكأنه ينكر نفسه، ولا يتخلف الا نادراً عن صلاة الجماعة بالمسجد وعلى علاقة تصل لدرجة الصداقة بإمامه وخطيبه..
اخذ تعاقب الليل والنهار، والعام يمر ويطلب العام الذي يليه وسيد احمد يمارس طقوس حياته كالمعتاد وأوشك على الانتهاء من تسديد اقساط البيت للحاج عتمان الذي بدأت تساوره شكوكا بان سيد احمد باعه لعدوه اللدود متولي وأن نصيبه من الشر سيحظى به الحاج عتمان بعد ان سعي احدهم بينه وبين الحاج عتمان بالوقيعة، و قرأ سيد نظرات بعضهم التي اتهمته واصدرت ضده حكما يتنظر التنفيذ ، فأرسل في طلب الحاج عتمان أن ينتظره في مقهى الحى الكبير هو والمعلم متولي في ساعة واحدة دون علم أحدهما بحضور الآخر..
وصل سيد احمد المقهى مع اعيان الحي والجميع في انتظاره ومنهم الخصمان عتمان ومتولي ثم بدأ سيد احمد يشرح للناس ما التبس عليهم ؛بانه في الحقيقة شخص بسيط ولكن صدفة بحتة ادخلته السجن لنشوب شجار بين شخصين منذ فترة فأردت بالتفريق بينهما وبعد فشلي دفعت أحدهما بقوة: رغبة في منعه من قتل الآخر، ولكن هذا الشخص سقط على رأسه مفارقا الحياة فسجنت على اثر هذه القضية ثلاث سنوات، فجاءه الحاج عتمان بعد خروجي من السجن مباشرةً وعرض عليه شراء بيته معتقدا أنني مجرماً عتيدا, وأن الشر طبع أصيل مترسخ في نفسي متجذر في عقلي، وسيكون للمعلم متولي خصمه منه نصيب ، ولكني أقيم واعيش بينكم اعاني ليل نهار ذلا وانكسارا وتأنيب ضمير متواصل لقتلي شخص بغير عمد ،وهذا ما ذكرته لإمام المسجد وخطيبه الجالس بينكم أثناء فضي له مكنون نفسي ، ولدى رغبة التخلص من عيشه تحت فكرة أني قاتل التي تم حبست بداخلها من أغلب الناس، وكأني لم يصدر عنه غير تلك الدفعة التي :كانت سبباً في موت الرجال عن طريق عملية الخطأ , وكأن حياته توقفت عند هذه اللحظة لكونه قتل أحد الأشخاص خطأ ولكن نظرات الناس تقتله في اليوم الواحد ألف مرة، ولكنه سيظل يعيش تحت فكرة أو حكمة ابن عطاء الله السكندري : رب معصية أورثت ذلا وانكسار، افضل من طاعة أورثت عزا واستكبارا..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى